شكوك حول قدرة الحكومات على خنق التطرف على الإنترنت

الأربعاء 2016/08/24
استحالة إنهاء التطرف على شبكات التواصل الاجتماعي

باريس – تمر مكافحة الجهاديين على الإنترنت حتما من خلال تعليق الآلاف من الحسابات مثلما فعل موقع تويتر مؤخرا بسبب قيامها بالترويج للإرهاب أو مديحه، غير أن هذا الإجراء يبقى غير كاف برأي الخبراء للتصدي لتحركات الجهاديين على الإنترنت.

فمن السهل من جهة إعادة فتح حسابات جديدة كلما أغلقت حسابات، كما أن هذه السياسة قد تدفع من جهة أخرى المزيد من المستخدمين إلى شبكات تواصل اجتماعي أكثر سرية أو مشفرة أو محمية، كما على “الإنترنت المظلم” أو “دارك وب”، وهي شبكة إنترنت مغلقة وسرية غير مفهرسة على محركات البحث الشائعة.

وقال الخبير في “نادي أمن المعلومات الفرنسي” كلوزيف جيروم بيلوا إن “تعليق أكثر من 235 ألف حساب مثلما أعلن عنه تويتر قد يكون له تأثير، ولكن على المدى القريب جدا”.

وتابع “هناك تقنيات معروفة من الجهاديين وبصورة عامة المجرمين على الإنترنت، مفادها أن: حسابي على تويتر كان اسمه إيه، والآن اسمه آيه 1، آيه 2، آيه 3، الخ… إن فتح حساب يستغرق أقل من دقيقة. يمكن حتى القيام بذلك بعملية شبه آلية". وقال "أخشى أن تكون الحاجة والرغبة في الدعاية أقوى من الخطوات التي يمكن أن يقوم بها تويتر بقطع عدد من الحسابات".

وخضعت مواقع الإنترنت الأميركية الكبرى مثل “تويتر” و”يوتيوب” و”فيسبوك” في الأشهر الأخيرة لضغوط متزايدة من قبل الإدارة الأميركية وحكومات أخرى لحضها على المساهمة بشكل أكبر في مكافحة الجهاديين على الإنترنت ومنع استخدامها من قبل الشبكات الجهادية.

وتؤكد جميع المواقع أنها تقوم بذلك وتخصص له موارد متزايدة، لكن جيروم بيلوا لفت إلى أن “طبيعة الإنترنت نفسها تجعل الأمر بمثابة سباق بلا نهاية، نكون فيه على الدوام متأخرين خطوة".

وإن أبدى موقع تويتر أو غيره من شبكات التواصل الاجتماعي الواسعة الانتشار تيقظا كبيرا، فإن الجهاديين على الإنترنت سينتقلون إلى استخدام برمجيات أو تطبيقات يصعب ضبطها أكثر، مثل خدمة تلغرام التي أنشأها الروس بهدف الحفاظ على سرية المبادلات، والتي تتيح ترميز الرسائل.

وتخطط فرنسا وألمانيا في الوقت الراهن لإجبار شركات تشغيل خدمات الرسائل عبر الهواتف المحمولة على السماح بالاطلاع على المحتوى المشفر للمساعدة في التحقيقات بشأن الإرهاب، وذلك في توحيد لمواقف البلدين بعد سلسلة من الهجمات المميتة.

فرنسا وألمانيا تخططان لإجبار شركات تشغيل خدمات الرسائل على السماح بالاطلاع على المحتوى المشفر للمساعدة في التحقيقات بشأن الإرهاب

وتجد أجهزة المخابرات الفرنسية، التي وضعت في حالة تأهب قصوى بعد أن قتل مهاجمون العشرات من المدنيين في باريس في نوفمبر وفي نيس خلال يوليو، صعوبة للاطلاع على رسائل الإسلاميين المتشددين.

وقال محققون من عدة دول إن الكثير من الجماعات تفضل الآن استخدام خدمات الرسائل المشفرة بدلا من مواقع التواصل الاجتماعي المعروفة، وإن تنظيم الدولة الإسلامية أصبح مستخدما كبيرا لهذه التطبيقات.

وقال وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف إنه يتعين على المفوضية الأوروبية أن تضع مسودة لقانون يلزم الشركات المشغلة لهذه الخدمات بالتعاون مع تحقيقات قضائية بشأن تعقب إرهابيين. وأضاف خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الألماني في باريس “إذا تم تبني هذا التشريع فسيتيح ذلك لنا فرض التزامات على المستوى الأوروبي على الشركات المشغلة غير المتعاونة”.

وحدد كازنوف التطبيق الذي تشغله شركة تليغرام التي قال إنها لم تتعاون مع الحكومات، مضيفا أن التشريع ينبغي أن يستهدف الشركات في دول الاتحاد الأوروبي وخارجه.

وأسس الروسي بافيل دوروف شركة تليغرام في 2013 وتروج الشركة لنفسها بأنها توفر أعلى درجات الأمان لأنها تشفر كل البيانات من لحظة الإرسال إلى نهايته.

وتقول خدمات أخرى مثل خدمة واتساب التي تملكها شركة فيسبوك إنها توفر إمكانيات مماثلة. وغالبا ما تفضل أجهزة الاستخبارات ترك منتديات مفتوحة يمكنها مراقبتها قيد العمل، على أن ترى أهدافها تنتقل إلى “الإنترنت المظلم” والأنشطة المشفرة.

وقال المفكر وخبير علم البلاغة فيليب جوزيف سالازار مؤلف كتاب “الكلام المسلح – كيف نفهم الدعاية الإرهابية ونكافحها “يجب دائما أن نفكر من منطلق الإستراتيجية والمعركة والتكتيك العسكري” مضيفا “تويتر كانت ساحة مواجهة. إذا سقطت هذه الساحة أو باتت أقل سهولة، عندها تنتقل فرق المواجهة إلى مكان آخر، هذا كل ما في الأمر. وهنا، نجد أنفسنا أمام مشكلة تلغرام أو الإنترنت المظلم"..

ورأى الخبير الأميركي اندرو ماكفيرسون المتخصص في أمن الإنترنت في جامعة نيوهمشير “يجب أن ندرك حجم المهمة القاضية بالسيطرة على استخدام الشبكات الاجتماعية حين يكون هناك أكثر من 300 مليون مستخدم".

وتابع “من المؤكد أن المجموعات الإرهابية ستواصل استخدام التقنيات الجديدة بكل الوسائل الممكنة من أجل دعايتها، مثلما أنها ستواصل السعي لإيجاد سبل للحفاظ على سرية اتصالاتها وتعزيزها”. ويمكن تحقيق ذلك من خلال برمجيات يمكن إيجادها بسهولة على الإنترنت لحجب الهوية والتشفير وإخفاء البيانات.

ولا يتطلب استخدامها مهارات تقنية خاصة، وهو ما أثبتته قضايا طرحت مؤخرا، اصطدم فيها المفتشون بخطوط هاتفية مشفرة أو عناوين بريد إلكترونية محمية بكلمات مرور لا يمكن اختراقها، أو منتديات خاصة لم يتمكنوا من الدخول إليها، ما أرغمهم على وقف تحقيقاتهم.

وأكد جيروم بيلوا أنه إذا ما أصبحت تدابير المراقبة بالغة الفعالية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية على سبيل المثال يملك المهارات المطلوبة لوضع برمجياته الخاصة.

وقال "يمكن تشكيل فريق من أربعة أو خمسة أشخاص يتمتعون بكفاءات جيدة ودوافع قوية، وسيتوصلون إلى تصميم خدمات مبتكرة يمكن للآلاف من الأشخاص استخدامها”، مضيفا أنه “إن لم تكن لديهم هذه المهارات بشكل تام، فهم قادرون على شرائها".

5