شكوك حول مستقبل العالم بعد غياب الحب في "سرطان البحر"

من أهم ما عرض من أفلام داخل مسابقة مهرجان كان السينمائي هذا العام فيلم “سرطان البحر” للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس الذي سبق أن حقق نجاحا كبيرا في كان بفيلمه “ناب الكلب” قبل 6 سنوات.
الجمعة 2015/06/12
أجواء عبثية ساخرة ومشاهد تصل حد السوريالية

يبدو الفيلم الجديد للمخرج اليوناني يورغوس لانثيموس “سرطان البحر” الذي عرض في الدورة الـ68 لمهرجان كان الدولي، أكثر طموحا من أفلام لانثيموس الثلاثة السابقة، سواء في ما توفر له من ناحية الإنتاج الذي اشتركت فيه شركات إنتاج من هولندا وإيرلندا وبريطانيا وفرنسا، أو من حيث تركيبة الموضوع نفسه أي السيناريو، وتوظيفه لطاقم من الممثلين المحترفين متعددي الجنسيات والثقافات، يتحدثون جميعا بالإنكليزية، في مقدمتهم الممثل الإنكليزي كولن فاريل، وراشيل وايتز وجيسيكا باردن، واليونانية بطلة لانثيموس المفضلة أنجليكا بابوليا، والفرنسية ليا سيدوكس بطلة فيلم المخرج عبداللطيف كشيش “حياة أديل”، والأميركي جون ريلي.

ينتمي فيلم “سرطان البحر” إلى عالم وأجواء الأفلام التي يخرجها لانثيموس، بأجوائه العبثية الساخرة، ومشاهده التي تصل إلى السوريالية. وتدور أحداثه في المستقبل القريب، داخل فندق كبير في منطقة تمتلئ بالأشجار محاطة بالغابات، هذا الفندق أو البناء المركب، يمثل “المؤسسة” التي تمسك بمقاليد الأمور في بلد غير محدد، قد يكون أي بلد.

ويبدأ الفيلم بوصول رجل في منتصف العمر، يبدو تقليديا في مظهره الشخصي هو ديفيد (كولن فاريل) الذي يميل للبدانة، له شارب كثيف، يرتدي نظارات مستديرة ويصطحب معه كلبا يبدو ملتصقا به لا يفارقه أبدا، كل ما نعرفه عن ماضيه أنه انفصل حديثا عن زوجته بالطلاق بعد زواج استمر كما يردد، 11 عاما ويوما واحدا.

الزواج الإجباري

ينضم ديفيد، وهو الوحيد الذي يحدد الفيلم اسمه من بين الشخصيات المختلفة، إلى مجموعة متنوعة من الرجال والنساء، والمطلوب من كل منهم العثور من بين النزلاء على من يصلح شريك حياة له، فالزواج هنا إجباري، ويجب أن يتم خلال 45 يوما وإلاّ يتم إدخال الشخص إلى “غرفة التحول” لتحويله إلى حيوان هو الذي يختاره من البداية.

الفيلم يحذر من أخطار التحول القادم في المجتمعات الديمقراطية بفعل الأزمات الاقتصادية المزمنة

وقد وقع اختيار ديفيد بالفعل على سرطان البحر، لولعه بالبحر ومخلوقاته وما تتمتع به من حرية. ولكن أمام هؤلاء النزلاء أيضا فرصة لمد فترة بقائهم على الحالة البشرية، شريطة أن يقوموا بمطاردة الفارين من هذا المصير في الغابة القريبة وقتلهم، ويحصلون مقابل كل شخص يقتلونه على يوم زائد يمد في وجودهم البشري.

يعثر ديفيد على امرأة يتصوّر أنها يمكن أن تشاركه الحياة، لكنها عديمة المشاعر لدرجة أنها تقتل كلب ديفيد لاختبار صلابته وعدم تأثره بالعواطف العادية، ونعرف أن الكلب هو في الحقيقة شقيق ديفيد الذي فشل في الزواج خلال المدة المحددة فتم تحويله.

المرأة القاسية التي تمارس هيمنة واضحة وتتسلط على ديفيد المسكين، تسعى أيضا للوشاية به، فالزواج يجب أن يتم في هذا المكان بعيدا عن أية عواطف أو مشاعر رومانسية، خصوصا ونحن نرى كيف أصبحت ممارسة الجنس أقرب إلى الاستمناء، والغرف جميعها مزودة بأجهزة تنصت على النزلاء للتأكد من التزامهم بقواعد اللعبة، والموسيقى الإلكترونية المزعجة لا تتوقف ليلا ولا نهارا، والحياة أقرب إلى الحياة داخل السجن.

بعد مقتل الكلب يقتل ديفيد المرأة، ثم يفر إلى الغابة حيث يلتقي بجماعة الفارين، الذين تتزعمهم فتاة شديدة التزمت تحظر وجود أي علاقات عاطفية بين الرجال والنساء، ونرى أيضا الكثير من الحيوانات التي كانت في الأصل من البشر ثم تم تحويلها، كما نرى هناك من يطاردونها، ويختلط الحابل بالنابل ويسعى الجميع للخلاص بلا جدوى، ولكن يأتي الحب.

يجد ديفيد نفسه منجذبا عاطفيا إلى امرأة من الفارين هي راشيل وايتز، ضعيفة البصر، لكن يتعين عليهما أن يتغلبا على ما يحيط بهما من عقبات للوصول إلى بر السلام، فهل ينجحان في ذلك؟

أخطار المستقبل

لا شك في طرافة الفكرة، وتنوع الشخصيات، والطرق الغريبة التي تلجأ إليها “المؤسسة” لإرغام الأفراد على الانصياع لأحكامها، والتخلي تماما عن المشاعر الطبيعية، وتبنّي قسوة وعنف شديدين تجاه بعضهما البعض في إشارة إلى المصير الغامض الذي ينتظر البشرية في عالم توغلت فيه التكنولوجيا واتسعت فيه عمليات التعارف والزواج عبر شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، بدلا من اللقاءات المباشرة.

حب ممنوع في أرض يحكمها قانون صارم

ومع ذلك أساس فكرة الفيلم كما نرى، تكمن في التحذير من أخطار التحول القادم في المجتمعات الديمقراطية بفعل الأزمات الاقتصادية المزمنة، مما يهدد بتحولها إلى الفاشية، وترسيخ مبدأ خضوع الفرد للمؤسسة، وتسخيره للعمل من أجلها، مع استبعاد المشاعر والتخلص من التفكير الحر، وغياب الحرية الفردية التي تغنت الرأسمالية بها طويلا. ويشير الفيلم أيضا إلى ما يحتمل أن ينتج من فوضى تؤدي إلى الاقتتال مع وجود مقاومة لا تسعى لتحرير الإنسان، بل لتكبيله بطرق أخرى.

البناء الدرامي للفيلم يسير في اتجاه واحد، وهو بناء أفقي تراكمي، يبدأ باستعراض المكان والشخصيات ومتابعة ما يطرأ يوما بعد يوم على حياة ديفيد ووجوده داخل هذه المؤسسة الغامضة، ثم يخرج إلى الغابة لينتقل إلى الجانب الآخر، وصولا إلى الطريق المسدود، وخلال ذلك نشاهد الكثير من المواقف والحيل الدرامية التي تثير الضحك والسخرية حينا، أو تضفي طابعا مكثفا لعالم من القسوة والوحشية والعنف حينا آخر.

ومع ذلك تكمن مشكلة الفيلم في أننا بعد مرور الساعة الأولى منه لا نرى تطورا دراميا ملحوظا في الحبكة، ويتوقف الفيلم عند طرافة وتنوع الشخصيات التي يكتفي بأن يطلق عليها أسماء تشي بحالتها أو بما تعاني منه من عيوب مثل “الأعرج” أو “المتلعثم” أو “ضعيفة البصر”، إلخ…

رغم ذلك يجب الاعتراف بقدرة مدير التصوير البارع تيموس باكالاتيس، في تقديم تلك الصور الموحية البديعة، واختياراته للزوايا الغريبة التي تكثف حالة التغريب التي تتبدى أيضا في استخدام الإضاءة الخاصة بظلالها ولمساتها الضبابية السحرية خاصة في مشاهد الغابة.

بالإضافة إلى براعة المخرج في الانتقال من الداخل إلى الخارج، والجو الغامض السحري الذي يغلف الفيلم خصوصا في نصفه الأول، حيث يخفي أكثر مما يكشف، لكنك تستطيع أن ترى تلك الصور الخفية من بين ثنايا الصور المباشرة، من خلال أداء الممثلين ونظراتهم، وعلاقتهم بالمكان وكأنهم ولدوا فيه، وتلك القدرة الكبيرة من جانب لانثيموس على التحكم في حركة الممثلين داخل الكادر، وانتقالاتهم في المكان، مع ذلك الحوار اللاذع الساخر الذي تشتد سخريته كلما اشتدت قسوته.

فيلم "سرطان البحر" ينتمي إلى عالم وأجواء الأفلام التي يخرجها لانثيموس، بأجوائه العبثية الساخرة، ومشاهده التي تصل إلى السوريالية

رومانسية وسخرية

عن فيلمه يقول لانثيموس إنه أراد أن يصنع فيلما “رومانسيا”، وإن لم يكن واثقا من ذلك في البداية، ولكن مع تقدمه في كتابة السيناريو مع رفيقه الدائم في الكتابة، افتميس فليبو، أصبح هذا الهدف أكثر وضوحا، أي أن يروي قصة حب حقيقية، كما بدأ يفكر للمرة الأولى في استخدام الموسيقى في أحد أفلامه. ويضيف أنه لن يصنع أبدا في المستقبل فيلما يعتمد على بعد واحد، وأنه يريد أن يقدم صورة ساخرة عبثية للعالم، مصورا عبثية الأشياء التي نعتبرها طبيعية.

كان لانثيموس يعرف من بداية مرحلة الكتابة، ما يريد تصويره في الفيلم بشكل تفصيلي إلى حد كبير، كما يقول في إحدى المقابلات المنشورة معه، ويضيف أنه يقدم هنا عالما خياليا يمكن لأي مشاهد أن يرى فيه ما يريد طبقا للقواعد التي وضعها هو في سياق الفيلم، وهو يرى أن ما يصوره من خيال مستقبلي يعبر عن رؤيته الخاصة من خلال ما خبره ومر به في حياته.

وفي المقابل من الممكن أن يتساءل أحدهم: وأين تقع مثل هذه الأحداث، هل تقع في منطقة معينة أم تشمل العالم كله؟ ويجيب هو بأنه شخصيا أراد أن يرمز إلى ما يمكن أن يشمل العالم كله، ولكن لم يكن بوسعه أن يصور هذا التنوع وإلاّ لاحتاج إلى العمل في اتجاهات مختلفة كانت ستؤدي إلى تشتت الموضوع.

وعن بناء الشخصيات لتصبح على ما أصبحت عليه في الفيلم يقول لانثيموس إن السيناريو لم يكن يتضمن وصفا تفصيليا لها، بل يتضمن وصفا عاما فقط كما في حالة البطل “ديفيد” الذي كان يوصف بأنه “رجل في منتصف العمر”. ويوضح أن الشخصية عادة ما تكتسب ملامحها بعد إسناد الدور إلى ممثل بعينه، ثم تتطور قبل بدء التصوير مباشرة.

16