شكوك حول مصير مؤتمر برلين لحل الأزمة الليبية

إيطاليا تتقارب مع فرنسا وتركيا ضد مبادرة ألمانيا التي وجدت نفسها في مواجهة تعقيدات لا حصر لها.
الجمعة 2019/10/04
خطوات متثاقلة

تبعث جدية ألمانيا أملا في أن تخرج محاولاتها لتحقيق اختراق إيجابي في الأزمة الليبية. لكن في نفس الوقت الجدية وحدها لا تكفي ليأتي مؤتمر برلين بما عجز عنه مؤتمرا باريس وباليرمو، خاصة وأن بعض الأطراف المستفيدة، على غرار تركيا وفرنسا وإيطاليا، ستحاول اللعب على عدم خبرة ألمانيا وفكرة أنها بعيدة عن الصراع الميداني.

القاهرة - تفاءلت بعض الدوائر الإقليمية عند الإعلان عن انعقاد مؤتمر في برلين حول ليبيا، نهاية أكتوبر الجاري أو بداية نوفمبر المقبل، واعتبرته تطورا نوعيا لتسوية الأزمة، لأن ألمانيا لم تلوث يديها بالصراع المحتدم، ولم يتم ضبطها متلبسة بعلاقة مع أي من الميليشيات والجماعات المتطرفة والإرهابيين النشطين في الأراضي الليبية.

مضت الأمور منذ الإعلان عن فكرة المؤتمر بطريقة جيدة، لكن بعد عقد جلسات تحضيرية وتسرب معلومات حول الخارطة المتوقع أن يتبناها أخذت قوى إقليمية ودولية، مثل فرنسا وإيطاليا وتركيا وقطر، تتوجس كثيرا من مخرجاته، التي قد لا تصب في صالح أهداف كل منها، فالعزم انصب على ضرورة تشجيع الحل السياسي بأي وسيلة، ما يضر بمصالح من رتبوا حالهم على استمرار الأزمة لحين ترتيب أوضاعهم.

أصبح الحل السياسي جملة أثيرة في خطاب العديد من القوى المهتمة بالأزمة، عقب فقدان الثقة في الحسم العسكري. وترددت الجملة السابقة في اللقاءات التي عقدها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مع كبار المسؤولين في روما يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ولم يشرح بومبيو أو من التقاهم في إيطاليا الآلية اللازمة للحل، وهو ما فعله تقريبا جميع من تطرقوا إلى ما يدور في ليبيا، لأن الحل الذي يريده كل طرف يختلف عن حلول الآخرين.

بدأت ترشح بعض التفاصيل حول مسارات مؤتمر برلين الأمنية والسياسية والاقتصادية، التي حظيت بالكثير من الخلافات بين القوى الرئيسية التي لها باع طويل في الأزمة في المداولات والتحضيرات الراهنة التي عقدت في برلين الأيام الماضية.

وتحاول كل جهة تسخير المؤتمر لخدمة أغراضها، وهي علامة غير مبشرة لإمكانية تجاوز التحديات التي يرى فيها البعض كابحا لأي محاولة لإطفاء النيران المشتعلة في ليبيا، وما تحتاج إليه من تكاتف إقليمي ودولي يوقف زحف السيناريوهات القاتمة.

وجدت برلين، التي عزمت على الدعوة إلى مؤتمر على مستوى القمة واستضافة فعالياته ليكون مختلفا عن مؤتمري باريس وباليرمو العام الماضي، نفسها في مواجهة تعقيدات لا حصر لها، ربما لقلة خبرتها في الأزمة وتعرجاتها، وعدم الإلمام بكافة التفاصيل بدقة، وربما لأن بعض القوى لا تريد تحقيق تقدم ملموس حاليا، الأمر الذي يقلل من مستوى التطلعات التي راهنت على نجاح ألمانيا في وضع قواعد أساسية للحل.

كانت فرنسا وإيطاليا وتركيا وقطر، مع تفاوت نسبي في الأهداف، من أكثر الدوائر التي لم ترتح لمبادرة برلين، لأن الأخيرة أرادت توفير مرتكزات موضوعية للحل، وتجنب الوقوع في أخطاء من سبقوها، وعقد مؤتمر على مستوى القمة والمسؤولية ويوفر قدرة للتفوق، بمعنى حضور رؤساء دول وحكومات الدول المعنية وما يمنحه ذلك من حيوية، وكي يلتئم على هذه الصورة من الضروري إيجاد وسيلة لفك الألغاز التي تحيط بالأزمة.

في مقدمة المحاور التي أثارت الشكوك طويلا، حسم مصير الميليشيات والحركات المتطرفة والإرهابيين، ووضع خطة لتفكيك البُنى المسلحة، وتجفيف المنابع المادية، وقطع الصلة بينها وبين روافدها السياسية، ناهيك عن رفع أيادي الكتائب العسكرية والتنظيمات المتشددة عن مؤسسة النفط والبنك المركزي ووقف نزيف المال العام. وكلها أبواب إذا جرى فتحها بشفافية سوف تخرج منها شياطين عديدة، تتدثر بالرغبة في التسوية السياسية وتعمل في الوقت ذاته على تخريبها.

فرنسا وإيطاليا وتركيا وقطر، مع تفاوت نسبي في الأهداف، من أكثر الدوائر التي لم ترتح لمبادرة برلين التي أرادت توفير مرتكزات موضوعية للحل

تصورت ألمانيا أن مسألة المؤتمر رفيع المستوى ستحظى بتكاتف واسع، فالكل يعلنون محاربة الإرهاب كخطر يهدد المنطقة والعالم، وتحفل خطاباتهم بمفردات لا تكل ولا تمل من الحديث عن اقتلاعه من جذوره، وحصلت على تأييد داعم لفكرتها حول الحد من الهجرة غير الشرعية الناجمة عن انتشار الإرهاب، غير أنها صدمت بمشكلة الأدوات التي يمكن استخدامها لهذا الهدف، ووجدت دولا تدفع بقوة لمشاركة إسلاميين ملطخين بالدماء في المؤتمر الذي يحاول وقف أنهار الدماء في ليبيا، حيث استشعر العالم أن الحل العسكري بعيد المنال.

كما أن الولايات المتحدة التي شجعت ألمانيا على الخطوة لم تظهر بصماتها الواضحة في دعم المؤتمر، ولم يتجاوز تأييدها الجوانب المعنوية التقليدية، ولم تمارس ضغطا على القوى الشاردة، ما شجع البعض على مواصلة مضايقة برلين.

أدى قلق دول مثل فرنسا وإيطاليا وتركيا، إلى تقارب لافت في بعض التحركات، ظهرت معالمها بوضوح في اللقاءات الرفيعة التي عقدت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أواخر الشهر الماضي، وخرجت بحصيلة مرتبكة بشأن مصير مؤتمر ألمانيا، وعدم دراية بمدى الإيجابية التي يمكن أن يصل إليها، أو حتى درجة السلبية، لأن صياغته مرجح أن تدور في إطار مطاطي وحمال أوجه، لإرضاء القوى الغاضبة أو الممتعضة منه.

دفعت قلة الخبرة الألمانية، والافتقار إلى موقف دولي وإقليمي ومحلي موحد، البعض إلى التصرف بصور مختلفة، أخذت شكلا أحاديا وثنائيا وربما ثلاثيا في بعض الأحيان، لتكتيل مواقف متماسكة لمنع وصول المؤتمر إلى محطة تترتب عليها نتائج تصعب مقاومتها، ولذلك تزايد التكسير السياسي والتوجيه العسكري في الفترة الماضية، حتى رأينا تذويبا لجبال من الثلج تراكمت حول علاقات بعض الدول، وسخونة أمنية غير معهودة في طرابلس.

على أرضية مؤتمر برلين، توالت مقاربات فرنسا التي كان لها باع طويل في لقاءات نيويورك، لاستنفار بعض القوى ضد القمة، ومحاولة تفريغها من المحتوى الدولي وعقد مؤتمر عادي، مستفيدة من عدم إلمام ألمانيا الكامل بالخارطة السياسية والأمنية والاجتماعية في ليبيا، وتحولت الخصومة بين باريس وروما إلى تفاهم ظاهر حول ليبيا، لأن خروج برلين بآلية تحسم الأزمة يمثل فشلا لكل منهما.

Thumbnail

نشطت أذرع تركيا وقطر للتنسيق مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، لحشد القوى المؤيدة له، بعد أن فقد جزءا كبيرا منها في الأسابيع الماضية، لتكون الأجسام السياسية في الداخل حاضرة في برلين، وضمان التمثيل الجيد للتيار الإسلامي الذي يجتهد ليكون له مقعد مؤثر في برلين، عقب تفريغه من الصفة الرئاسية، والعودة إلى صيغتي باريس وباليرمو، وتصاعد حدة التجاذبات بين قوى مختلفة حول مفهوم التسوية السياسية المطلوبة.

وسط الغبار المتصاعد من قبل بعض القوى حول مؤتمر ألمانيا، تقوم هياكل في ليبيا بتحركات الآن، هي بمثابة استباق له وما سينطوي عليه من مخرجات. فالمبعوث الأممي إلى ليبيا يمارس هوايته في محاولة القبض على زمام الأمور وضمان عدم مبارحة التيار الإسلامي الساحة، ويسعى ليضع قدمه في مؤتمر برلين، بعد أن أخفقت خطته في أن يستبقه ملتقى وطني كان يعول على انعقاده في أبريل الماضي، وجاء انطلاق عملية تحرير طرابلس من الميليشيات بمعرفة الجيش الوطني الليبي ليعصف به، لكن فكرة الملتقى لا تزال مختمرة في ذهن سلامة ليدشنه بعد برلين، بما يوحي بشكوك حوله.

دفعت هذه الحسابات الجانب الآخر، ممثلا في البرلمان الليبي في طبرق، للدعوة إلى عقد اجتماعات جديدة، باعتباره الجسم الشرعي الوحيد المنتخب من الشعب مباشرة، وربما تتمخض عنها نتائج تحرج الطرف المقابل، وكل من يصرون على تضخيم دور التيار الإسلامي في أي حلقة من حلقات التسوية السياسية المجهولة، التي جعلت الكثير من القوى تنسج علاقات تبدو متناقضة، فلا توجد قوة مهيمنة، محلية أو إقليمية أو دولية، تستطيع التحكم في الدفة بمفردها والقطع بقدرتها على حسم القضايا المعلقة.

استفادت بعض الجهات من صعوبة حصر الدوائر الفاعلة في الخارج وقبلت بالانفتاح على قوى متصارعة، والعكس، الأمر الذي يضاعف من مأزق أي دولة تتشجع وتتبنى حلا لأزمة تجهل الكثير من بداياتها ولا تعلم نهاياتها بالضبط.

وهذا هو جوهر المأزق الذي يواجه ألمانيا حاليا ويجعلها تبدو متخطبة في نظر بعض المتابعين، وكلما استمعت إلى آراء وتقديرات قوى فاعلة في الأزمة الليبية ازدادت ارتباكا، كأنها تكتشفها لأول مرة، بما يعزز قناعات البعض بأن فرص تحقيق تقدم على الأرض عملية بعيدة، وينحسر التفاؤل السابق، ويصبح الأمل معقودا على انعقاد مؤتمر رمزي ودون عناوين وآليات قاطعة أو الحصول على إجراءات تضمن التصديق عليه من مجلس الأمن لشرعنته دوليا، كما كان مأمولا في البداية.

6