شكيب خليل رئيس الجزائر القادم

السبت 2016/04/02
رفيق طفولة بوتفليقة وشريك ديك تشيني لص أم ضحية

الجزائر - لا زالت عودة وزير النفط السابق شكيب خليل إلى بلاده بعد ثلاث سنوات من الفرار إلى الولايات المتحدة الأميركية، تحت طائلة ملفات الفساد، تثير المزيد من الجدل في الجزائر. خاصة في ظل ضبابية المشهد، بسبب صمت الجهات الرسمية إلى حد الآن، ولم يتضح للجزائريين إن كان الرجل لصا استحوذ على أموالهم، أم ضحية كغيره من ضحايا غطرسة جهاز الاستخبارات المنحل.

تراقصت الموالاة لعودة خليل، واعتبرت الأمر انتصارا على عقود من ممارسات القمع والتعسف، ورمت بكل التهم على جهاز الاستخبارات المنحل منذ منتصف سبتمبر الماضي بقرار من الرئيس بوتفليقة، وهناك من سارع إلى سحب أرشيفه من التصريحات أو التعليقات، خشية عدم اللحاق بموقع مريح في المشهد القادم.

عودة الرجل تعدت حدود رد الاعتبار لشخصه، أو تبرئة ذمته أمام الرأي العام المحلي، إلى تبوّؤ موقع هام في المستقبل، لا يقل عن منصب وزير أوّل، وحتى خليفة لبوتفليقة في انتخابات 2019، بحسب ما جاء على لسان عرّاب الموالاة عمار سعداني الذي قال ” شكيب بريء، والجزائر فقدت الكثير بغيابه، ومكانه في الوزارة الأولى، ولمَ لا أكثر”، وهي إشارة واضحة إلى أن جناح الرئاسة يكون قد اهتدى إلى خليل كخليفة لبوتفليقة، بعدما أنهكته التجاذبات الداخلية.

ورغم استمرار صمت المؤسسات الرسمية وعلى رأسها جهاز القضاء، لتوضيح مصير التقارير والتهم التي وجّهت للرجل منذ العام 2009، حول ملفات الفساد العالقة به، فإن ما بات يعرف بالسلطة الموازية، ماضية في تأهيل وتبييض صورة الرجل، كما تمّ تبييض بيته العائلي في مدينة وهران (450 كلم غربي العاصمة) في سرية تامة تحسّبا لعودته،. وكما رفع الشمع الأحمر عن الفيلا المملوكة من قبله في حي شعباني الراقي، بالقرب من مقر وزارة الطاقة وشركة سوناطراك بالعاصمة، احتفاء بالعودة الميمونة.

ولم يستبعد مراقبون أن ينقلب السحر على الساحر، وينهي الرجل “الشبح”، أيامه الأخيرة خلف القضبان، بعدما قاد الجزائر من وراء الستار مدة 25 عاما، صنع رؤساءها وحكوماتها ومؤسساتها، بعد تكليف خليل لفريق من المحامين، لمقاضاة شخصيات ثلاث، يراها سبب مأساته وفراره إلى أميركا. ويتعلق الأمر، بالجنرال توفيق ووزير العدل السابق محمد شرفي والنائب العام السابق أيضا بلقاسم زغماتي، بدعوى تلفيق تهم خطيرة باطلة حول شخصه، والضغط عليه وعلى أفراد عائلته.

وسيكون المثول المنتظر للجنرال توفيق أمام جهاز القضاء، المفتاح الذي سيفكّك العلبة السوداء التي حكمت البلاد 25 عاما في الخفاء، وقد تنضم إلى قائمة ضحايا جهاز الاستخبارات شخصيات أخرى، لكن في المقابل سيكون للضباط ما يقولونه وسيلجأون إلى كشف المستور، بما أن اللعبة ستكون متعلقة برؤوس عدد منهم، ولا يختلف اثنان في الجزائر على أن كل الملفات بحوزتهم، وإذا برّأت عدالة المنتصر شكيب خليل، فسيتم إغراق آخرين.

بوتفليقة وخليل ينحدران من نفس المنطقة، وتجمعهما قرابة وصداقة قديمة، ولا أحد بإمكانه ضمان استمرار إدارة الجزائر من طرف مسقط رأس بوتفليقة، أكثر من خليل، في ظل عدم اتضاح الرؤية بشأن الخليفة إلى حد الآن، وكون الأسماء المطروحة في الساحة لا تحقق الغرض المذكور

توريث جغرافي

مصادر مطّلعة رجحت أن تكون عودة خليل، من قبيل تمهيد الطريق لخلافة بوتفليقة. فبعد تقلص حظوظ التوريث العائلي لشقيقه الأصغر ومستشاره الخاص سعيد بوتفليقة، نتيجة المعوقات السياسية والأخلاقية للعملية، يكون الفاعلون في قصر المرادية قد اهتدوا إلى توريث جغرافي وجهوي محض.

بوتفليقة وخليل ينحدران من نفس المنطقة، وتجمعهما قرابة وصداقة قديمة، ولا أحد بإمكانه ضمان استمرار إدارة الجزائر من طرف مسقط رأس بوتفليقة، أكثر من خليل، في ظل عدم اتضاح الرؤية بشأن الخليفة إلى حد الآن، وكون الأسماء المطروحة في الساحة لا تحقق الغرض المذكور.

ويرتبط خليل، بعلاقة صداقة قديمة تعود إلى سنوات الطفولة مع الرئيس الحالي عبدالعزيز بوتفليقة، فهما ينحدران من منطقة تلمسان (600 كلم غربي العاصمة)، وعاشا طفولتهما لاجئين في مدينة وجدة المغربية أثناء حقبة الاستعمار الفرنسي، وفيما التحق بوتفليقة بصفوف ثورة التحرير، هاجر شكيب إلى أميركا من أجل الدراسة.

وتذكر روايات أوردتها مصادر مقرّبة من الرجل، أن قيادة الثورة هي من أوعزت له بالهجرة إلى أميركا من أجل الدراسة، بغية تكوين جيل يستلم تسيير مؤسسات البلاد بعد الاستقلال، وتبوأ منذ مطلع السبعينات عدة مناصب سامية في قطاع النفط، قبل أن يعيّن خبيرا في البنك الدولي، ثم يستدعى في العام 1999، من طرف صديقه بوتفليقة لتسيير قطاع النفط، قبل أن تنفجر في وجهه ملفات الفساد ويضطر للانحناء ورمي المنديل في العام 2010.

رد الاعتبار والمعارضة

ورغم الانتقادات الشرسة التي قادتها منذ سنوات، زعيمة التيار التروتسكي المعــارضة لويزة حنون ضد نهج خليل الليبرالي، وفتحه المجال أمام الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في ثروة النفط بعدما كانت مرادفا للسيادة القومية، إلا أن حنون خففت من حدة خطابها بعد عودته لأرض الوطن ووصفت المسألة بـ”اللاّحدث”.

الموالاة في الجزائر تحتفل بعودة خليل، معتبرة الأمر انتصارا على عقود من ممارسات القمع والتعسف، بعد أن رمت بكل التهم على جهاز الاستخبارات المنحل منذ منتصف سبتمبر الماضي بقرار من الرئيس بوتفليقة.

وشبّهت حنّون التطورات المتسارعة في الجزائر، بما يحدث في البرازيل، حيث تمّ تعيين الرئيس السابق لولا داسيلفا، في منصب سام من طرف الرئيسة الحالية للبرازيل، من أجل إحاطته بالحصانة ومنع ملاحقته أمام المتابعات القضائية المحلية، بعد ثبوت ضلوعه في قضايا فساد.

كما حذّرت حنون من إمكانية تكرار السيناريو في الجزائر، بإعادة خليل إلى أيّ منصب مسؤول. واعتبرت ذلك “استفزازا للشارع أكثر ممّا هو عليه الآن”، وشددت على أن إعادة الاعتبار لأيّ كان، تكون عبر القضاء وليس عبر القرارات السياسية.

هذا المطلب يقاسمها إياه العديد من أحزاب وشخصيات المعارضة، حيث شدد رئيس الحكومة السابق ورئيس حزب “طلائع الحريات” علي بن فليس على ضرورة أداء القضاء لدوره الكامل، من أجل تنوير الرأي العام بخلفيات القضية، والكشف عن الحقائق المخفية. وحذّر من مغبة الاستقواء بمصادر القرار، لتصفية الحسابات والاستمرار في اللعب بأعصاب الجزائريين.

وكان خليل، قد عاد إلى بلاده، عبر رحلة من واشنطن إلى الجزائر مرورا بباريس، بعد ثلاث سنوات من الفرار في أعقاب اتهامه بالضلوع في ملفات فساد ثقيلة، فتحها القضاء الإيطالي قبل أن تنتقل إلى الجزائر، ليتم إصدار مذكرة توقيف دولية. اسمه ورد في تحقيقات أمنية واستخباراتية ذكرت بأن الرجل تلقّى عمولات ورشى تصل إلى 200 مليون دولار، في صفقات أبرمت حينما كان وزيرا للطاقة ومدير لشركة سوناطراك الحكومية.

تحقيقات الاستخبارات

كان سيناريو عودته واردا، منذ انطلاق حملة تأهيل من أسمتهم أحزاب السلطة بـ “ضحايا تقارير جهاز الاستخبارات المنحلّ”. لكن السرعة التي تمت بها العملية، والتشريفات التي حظي بها الرجل في مطار أحمد بن بلة بمدينة وهران، حيث استقبل من طرف المحافظ عبدالغني زعلان في القاعة الشرفية للمطار، أثارت الكثير من الاستفهامات حول أبعاد ودلالات العودة.

وتقول مصادر مقربة من الجهاز السابق، إن ضبّاطا أجروا تحقيقات معمّقة منذ العام 2009، في مشروعات ومؤسسات مهمة، أفضت إلى اكتشاف ممارسات فساد كبيرة، على غرار ما وقع في ملفات الطريق السيارة شرق غرب، وسوناطراك 1، وسوناطراك 2.

وتضيف المصادر أن مدير الجهاز (الجنرال توفيق) هو من سلّم حصيلة التحقيقات إلى رئيس الجمهورية في العام 2013، بعدما فاقت عائدات الرشاوى والعمولات سقف المئتي مليون دولار، وقد يكون أبدى تحفظ مؤسسته على شخص خليل لجنسيته المزدوجة وارتباطه بدوائر نفطية أجنبية.

وأمام صمت الجهات الرسمية لتوضيح خلفيات القضية، يبقى مصير التحقيقات والتهم التي تلاحق الرجل مجهولا، حتى بعد تردد اسمه من طرف متهمين وشهود ومحامين في محاكمات سوناطراك 1 و2، إضافة إلى مذكرة التوقيف الدولية التي صدرت في حقه سابقا.

لكن قرار العودة يوحي بدق جناح الرئاسة لآخر المسامير في نعش جهاز الاستخبارات، الذي أدار البلاد خلف الستار حتى نهاية نفوذ رجالات الظل.

أحيطت عودة خليل بهالة إعلامية كبيرة من طرف وسائل الإعلام الموالية للسلطة، بما فيها تلك التي كانت تزعم امتلاك ملفات الرشاوى والعمولات التي تلقّاها من طرف شركات نفطية أجنبية، أثناء إدارته لقطاع النفط ولشركة سوناطراك إلى غاية العام 2010، وضمت صوتها إلى صوت منتقدي تقارير جهاز الاستخبارات السابق الموصوفة بـ”المزاجية والفبركة”.

مراقبون لا يستبعدون أن ينقلب السحر على الساحر، وينهي الرجل “الشبح”، أيامه الأخيرة خلف القضبان، بعدما قاد الجزائر من وراء الستار مدة 25 عاما، صنع خلالها رؤساءها وحكوماتها ومؤسساتها، بعد تكليف شكيب خليل لفريق من المحامين لمقاضاة شخصيات ثلاث وجهت إليه اتهامات وتهديدات

وعمدت بعض الصحف والفضائيات المحلية، إلى مسح مقالاتها وتقاريرها من أرشيفها، وانخرطت في حملة التهليل لعودة الرجل. لكن شبكات التواصل الاجتماعي حسمت الأمر لآخر أنفاس القيم السياسية والإعلامية، حيث اشتعلت بنشر وبث مقاطع من ذلك الأرشيف الذي كان يصف خليل من 2009 إلى 2013 بـ”اللص”، و”السارق” و”ناهب أموال الشعب”، وغيرها من الأوصاف والنعوت المزعومة، من أجل تذكير الرأي العام بحقيقة تلك الوسائط الإعلامية، وانتقالها من النقيض إلى النقيض. حيث صار خليل بالنسبة إليها الآن مجرد “ضحية” و”مظلوم”.

أموال الشعب

عاد بقدرة قادر الحديث عن كفاءة وقدرة الرجل وعلاقاته وسط اللوبيات النفطية في العالم، وحاجة البلاد إلى إمكانياته لتسيير القطاع في الظرف العصيب الذي تمر به السوق النفطية العالمية، على لسان العديد من الإعلاميين والسياسيين. بمن فيهم المحسوبون على تيار الإخوان، حيث صرح الرئيس السابق لحركة مجتمع السلم أبو جرّة سلطاني قائلاً “أشهد أمام الله وأمام الجزائريين على سموّ أخلاق شكيب خليل ونزاهته، وأن عودته مهمة ومفيدة للبلاد، ويستوجب رد الاعتــبار له قضائيا وسياسيا”.

وقد عرف الرجل بالبذخ والترف في الإنفاق الرسمي على أنشطة وزارته وشركة سوناطراك الحكومية، وكانت “العرب”، شاهدة خلال قمة منظمة الأوبك بمدينة وهران العام 2008، وبعدها قمة الدول المنتجة للغاز، على الإسراف الكبير من أموال الشعب، على أنشطة القطاع، لدرجة تأجير يختين ضخمين من أجل عقد وإقامة الوفود المشاركة في القمة المذكـــورة، رغم أن المدينـة تضم فنادق راقية.

ويشهد مختصون في مجال النفط بأن “خليل واحد من الشخصيات المتغلغلة في عدة لوبيات عالمية، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية، وأنه صاحب شبكة علاقات دولية مهمة في هذا المجال، فهو أحد شركاء وزير الدفاع الأميركي السابق ديك تيشني، في مؤسسة نفطية ناجحة في عدد من الدول”.

12