شلالات الدم في القطب الجنوبي تبوح بأسرارها

تُعدُّ الوديان الجافة، الواقعة في القارة القطبية الجنوبية، وخاصة المنطقة المسمّاة بـ"شلالات الدم" موطنا للكثير من الكائنات الحيّة الدقيقة.. ومع أنّ ألغازها كثيرا ما تُبهر كلّ من يراها نظرا إلى المياه الدامية الحمراء المتدفقة منها، ورغم أنّها مازالت تُثير تعطّش العلماء لسبر أغوارها، فقد كُشف مؤخرا أنّها توفّر ظروفا مشابهة لما يعتمل على سطح المريخ أو حتى في كواكب أخرى.
الأربعاء 2015/05/13
البحوث الجيولوجية أثبتت خطأ الاعتقاد بأن احمرار سيول شلالات الدم تعود إلى وجود كم هائل من الطحالب الحمراء بالمنطقة

ماكمودورو (القطب الجنوبي) - أظهرت بيانات توصلت إليها بحوث علمية جديدة وجود مياه مالحة تحت وديان "ماكموردو" الجافة الواقعة في القارة القطبية الجنوبية، والمسمّاة اصطلاحا بـ"شلالات الدّم"، وربما تدعم هذه المياه المالحة نظما إيكولوجية لم تكن معروفة سابقا، حسب ما ذهب إليه عدد من العلماء.

وديان ماكموردو سُميت بذلك بسبب الرطوبة المنخفضة بها للغاية، فضلا عن عدم وجود غطاء ثلجي أو جليدي لها، وهي تعتبر أكثر مناطق كوكب الأرض برودة وجفافا.

وتشتهر منطقة وديان "ماكموردو" بما يعرف باسم "شلالات الدم"، بسبب تدفّق أكسيد الحديد ذي اللون الأحمر القاتم على سطح الجليد من المياه المالحة، مما يعطي المنطقة مظهرا مشابها لشلالات تتدفّق دما.

وتقع هذه الشلالات الحمراء بين ضفاف نهر تايلور المتجمد في هضاب ماكموردو الجافة في أرض فكتوريا شرق القارة القطبية المتجمدة أنتاركتيكا، حيث يعود فضل هذا الاكتشاف إلى الباحث الجيولوجي توماس قريفيث تايلور منذ سنة 1911، ومنه أخذ نهر تايلور تسميته.

ويتكوّن نهر تايلور من خمس طبقات جليدية تنساب ببطء شديد جدا، فقد اعتقد العلماء سابقاً أن سبب اللون الأحمر القاتم عائد إلى وجود نوع من الطحالب الحمراء التي تسبّب هذا اللون الدموي المثير، لكن البحوث المستمرة في هذا الميدان نفت هذه الفرضيات.

العلماء كانوا يعتقدون أن سبب اللون الأحمر القاني عائد إلى وجود نوع من الطحالب الحمراء التي تسبب هذا اللون الدموي المثير

وثبت، في وقت لاحق، اللون الأحمر للشلالات يعود فقط إلى أكسيد الحديد الذي يتكون جراء تفاعلات أكسدة بين عناصر معينة موجودة في المياه شديدة الملوحة بالمنطقة.

وقد كانت هذه العناصر مخزنة ومعزولة في جيوب ينعدم فيها الهواء والضوء منذ خمسة ملايين سنة، حين كانت المياه أعلى من مستوياتها التي هي عليها حالياً. فتح هذا اللغز نافذة لبحوث علمية عديدة، يحاول العلماء من خلالها الإجابة عن مختلف التساؤلات المتعلقة بهذا النوع من الحياة المعزولة تماماً عن العالم المحيط بنا.

واكتشف العلماء أن المحاليل الملحية الموجودة تحت وديان ماكموردو تشكل طبقات واسعة من المياه الجوفية هناك تحت الأنهار الجليدية والبحيرات وداخل التربة المتجمدة بشكل دائم، وأنّ هذه المحاليل الملحية تؤدي دورا رئيسيا في العمليات البيولوجية التي تحدث داخل الوديان الجافة.

ويأمل العلماء في أن تلقي هذه البيانات الجديدة الضوء على إمكانية وجود ظروف مشابهة لمثل هذه التكوينات والبيئات في أي مكان آخر داخل المجموعة الشمسية. فالوديان الجافة، علاوة على كونها موطنا للكائنات المجهرية والنباتية، فإنها تشبه إلى حد ما، خلال فصل الصيف في القطب الجنوبي، الظروف نفسها الموجودة على سطح المريخ.

وتوجد ظاهرة شلالات الدم في منطقة فيكتوريا، شرق القارة القطبية المتجمدة أنتركتيكا، حيث عثر الباحثون على شلالات من المياه الحمراء التي تشبه الدماء وتتدفق من بعض الشقوق الجليدية، فكان ذلك سبب تسميتها بشلالات الدم، كما أعطى الجليد الناصع البياض من حولها مشهداً مهيباً لمن يراها.

أشكال حياة، غير معروفة سابقا، عاشت في الجليد لآلاف السنين دون هواء أو ضوء، بما ينبئ بوجود حياة على كوكب المريخ

وعزا العلماء اللون الأحمر لهذه الشلالات لمادة أكسيد الحديد المختلطة بماء شديد الملوحة، كما عُثر على 17 نوعا من أشكال الحياة الميكروسكوبية وهي أنواع من البكتريا اللاهوائية.

والجدير بالذكر أيضا أن هذه الأنواع من البكتريا تستخدم المعادن المختلفة مع ثاني أكسيد الكربون كمصدر للطاقة، وهناك أبحاث حول استخدامها في القضاء على الألغام، وكذلك التقليل من آثار الإشعاع على البيئة الضارّة بالتوازن البيئي.

وممّا أثار دهشة العلماء بدرجة فاقت الشلالات نفسها أنّ الباحثين يتوقعون أنها كانت محتجزة من 1.5 إلى 4 مليون سنة وظلّت حية في كبسولة جليدية دون هواء أو ضوء قبل أن تخرج إلى السطح، وهذا ما حدا بالبعض إلى أن يتحدث عن قدرات الجليد على الحفاظ لفترات طويلة على أشكال الحياة المختلفة، بما في ذلك الحياة غير الأرضية، فقد صار ممكناً الحديث عن وجود وحش أو كائن مّا، يظل كامناً في كبسولته الفضائية تحت الجليد لآلاف السنين في انتظار اللحظة التي يذوب فيها الجليد.

بعض الآراء أخذت اتجاها آخر، فإذا كانت هناك أشكال حياة عاشت في الجليد على الأرض لآلاف السنين دون هواء أو ضوء، إذن فهذا النمط من الحياة قد يصبح ممكناً على العديد من الكواكب الأخرى لبعض المخلوقات المشابهة ودون الحاجة إلى الماء أو الهواء، ومن هنا جاء الحديث عن وجود حياة على كوكب المريخ اعتبارا لتوفّر ظروف مشابهة.

20