شلبية إبراهيم رسمت بعفوية حكايات متخيّلة

تشكيلية مصرية تغرف من نهر حكايات الطفولة لترسم بطريقة عفوية، لكنها لم تتشبه بالأطفال حين يرسمون.
الأحد 2020/07/05
شلبية إبراهيم.. نساؤها يتبعنها في غربتها

التقيتها بين نسائه. حدث ذلك عام 2011. كنت يومها مدعوا إلى بيت الرسام السوري نذير نبعة في دمشق، فغمرني كرم جمالها. كان حدثا مدهشا أن أرى نبعة محاطا بنسائه المترفات اللواتي رسمهن كما لو أنه كان يستخرجهن من مادة أحلامه.

يعيش المرء وهو يتأمل نساء نبعة حالة من البذخ الأسطوري. فالجميلات اللواتي رسمهن لا يخترقهن الزمن. نضارة هي ما تبقي من لحظة الخلق، وردية تحيط بهن، بل وتتقدمهن. ربيع حي تمتزج من خلال رؤاه الروائح والأصوات والأشكال فلا يعرف المرء من أين تنبعث خفته.

“ألا تغار سيدة المنزل من أولئك النسوة النضرات؟”. التفتُ يومها بحرج إلى شلبية إبراهيم، وهي زوجة الفنان، فابتسمت وكأنها سمعت سؤالي الذي لم يحرجها بل كانت تتوقعه. مدت يدها إلي وقالت ‘سأجيب على سؤالك'”.

عرضت علي لوحاتها فانفتح أمامي عالم مختلف كان علي أن أكون مستعدا لمواجهته. عالم تلقائي وبريء، يشف عن طهر وفطرة ويقين وعفوية. عاشت شلبية في ظل رسام مغامر وصعب المزاج وتعلمت منه غير أنها لم تستمر في تقليده طويلا. لقد انتصرت عليه حين اخترعت أسلوبها الخاص في الرسم. وهو أسلوب فيه شيء من مصريتها. غير أن ذلك الشيء لن يؤهلها لكي تكون جزءا من مدرسة الرسم المصري الحديث. مثلما كانت مصرية سورية في الحياة فإنها كانت كذلك في الرسم. هي الأخرى ترسم نساء. ولكنهن نساء يأتين من جهة أخرى غير الجهة التي تأتي منها نساء نبعة.

الغربية التي ترسم ما تتذكره

قدر هائل من الصفاء الروحي تشف عنه سطوح لوحات شلبية إبراهيم
قدر هائل من الصفاء الروحي تشف عنه سطوح لوحات شلبية إبراهيم

كان يمكن لذلك الاختلاف أن يكون طبيعيا، لولا أنها تفوقت على نفسها حين التزمت مفهوما مختلفا للرسم. ذلك المفهوم الذي يساوي بين الواقع والحلم حين يستلهمهما باعتبارهما مصدرا واحدا للجمال. لم يكن ترف الرسم هو بالضبط ترف الكائنات المرسومة بل هو ترف الحكاية. ولأن إبراهيم هي في الأساس رسامة حكايات فقد ظل الخيط الذي يربطها بالفن المصري قائما ولم ينقطع. 

ولدت في قرية جزي بمحافظة المنوفية المصرية. تعرفت على نبعة أثناء دراسته الرسم في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة ما بين عامي 1959 و1964 وأصبح زوجها لاحقا. بتأثير منه بدأت الرسم عام 1960 وهو العام الذي شهد أول عروضها العامة.

اشتباك حياتها بحياة فنان غلبت على أسلوبه النزعة الكلاسيكية المحدثة لم يدفع بها إلى تبني مفاهيم مدرسية في الرسم بل ظل أسلوبها حرا، هو أقرب إلى تلك العفوية التي تُنسج من خلالها الحكايات الشعبية التي صارت شلبية تؤلف على غرارها حكاياتها الخاصة، لكن عن طريق الرسم.

لقد رأت الفنانة التي عاشت جزءا من حياتها في حالة من عدم الاستقرار المكاني أن في إمكان العودة إلى الطفولة أن تضبط ساعتها النفسية بحيث يتحقق التوازن بين حياتيها الداخلية والخارجية.

صارت تغرف من نهر حكايات الطفولة لترسم بطريقة عفوية لكنها لم تتشبه بالأطفال حين يرسمون. كان هناك قدر عال وواع من الحرفة في أسلوبها وهو ما ألقى بظلاله على تجارب عدد من الرسامات المصريات اللواتي ظهرن في أجيال لاحقة.

من خلال ذلك الأسلوب أمسكت بالخيوط التي قادتها إلى هويتها المصرية من غير أن تقع في فخ التصوير المصري الذي تشكل البيئة الطبيعية أكبر ملامحه كما هو الحال لدى محمود سعيد وجاذبية سري.   

استمدت الفنانة عناصر هويتها من البيئة الثقافية فكانت مصريتها مرآة للعادات والحكايات والطقوس الشعبية. ذلك ما أكسبها تميزا هو انعكاس لغربتها فكانت ترسم ما تتذكره وتستعيد ما سمعته. لهذا يشعر المرء وهو يتأمل رسومها بأن هناك مسعى لتجاوز الصورة والتقاط الأصوات والروائح والنكهات التي تحيط بالمكان ومنها تتشكل خصوصيته. كانت رسومها دائما مصرية الطباع من غير أن تكون ذات طبيعة مصرية.

نساؤها لسن أقل أنوثة من نساء نبعة. لكنها أنوثة من طراز مختلف. الأنوثة الباذخة التي تنبعث من أجساد نساء نبعة تحضر محاطة بشهوة ذكورية عاصفة. إنها نوع متخيل من الأنوثة التي لا يمكن العثور عليها واقعيا. كان نبعة يستحضر من خلال أنوثة نسائه كل ملامح الكمال التي لا يمكن العثور عليها في امرأة واحدة. كان نموذج المرأة الذي يرسمه هو جمع نساء متخيّلات.

أنوثة تصدح بكرم حنانها

التشكيلية أمسكت بالخيوط التي قادتها إلى هويتها المصرية من غير أن تقع في فخ التصوير المصري
التشكيلية أمسكت بالخيوط التي قادتها إلى هويتها المصرية من غير أن تقع في فخ التصوير المصري

من الطبيعي أن لا يكون الأمر لدى شلبية كذلك. فالمرأة لا تتخيل سواها من النساء بل تراهن كما يصلحن للرسم. ترف نسائها إنما يرتبط بما ترمز إليه المرأة من حنان وكرم وصبر وقوة وكبرياء وإشفاق ورأفة ورحمة وكلها ممرات تؤدي إلى جنة تسرح بين جنباتها حكاية الوجود البشري.

يمكن وصف نساء شلبية بالكائنات السعيدة، المكتفية بعالمها. ذلك ما يمكن أن يُحسب ميزة تنفرد بها عن سواها من الرسامين والرسامات اللواتي استلهمن في رسوماتهن الحكايات الشعبية.

وكما أرى فإنها كانت ترمي من خلال إضفاء نوع من السعادة على نسائها إلى خلق حكاياتها الخاصة التي تشبه الحكايات الشعبية من غير أن تتشبه بها من جهة التفاصيل والنتائج. أولئك نسوتها المتخيلات اللواتي ينافسن نساء الحكايات من جهة إجادة فن العيش. وهو الفن الذي استمدت شلبية منه مفردات عالمها. لقد رسمت نساء يتمتعن بالقوة. 

شغفت منذ محاولاتها الأولى بالأصباغ المائية. وهي مواد صعبة الاستعمال لما تتطلبه من مهارة الرسم بطبقة واحدة. ذلك لأن رسام المائية لا يمكنه أن يصحح أخطاءه. لذلك تعلمت الفنانة أن تتحكم بضربات فرشاتها وأن تتبع خطوطها بنفس واحدة والأهم من ذلك كله عرفت متى ترفع فرشاتها في الوقت المناسب. تلك تقنية استفادت منها حين صارت ترسم بالزيت والإكريليك.

حمتها رسومها من الحنين وصنعت لها هوية تليق بموهبتها
رسوم إبراهيم حمتها من الحنين وصنعت لها هوية تليق بموهبتها

هناك قدر هائل من الصفاء الروحي تشف عنه سطوح لوحاتها تبدو الرسامة من خلاله كما لو أنها تتبع وحيا خفيا يقود يدها. إنها ترسم مفتونة بسحر شخصياتها وقوة الموسيقى التي تنبعث من العلاقات التي تقيمها تلك الشخصيات في ما بينها ومع المحيط.

“أللحكاية معنى حين تُرسم؟”، ذلك سؤال يحرر رسوم شلبية من واجب التوضيح الثقيل. فالمرأة التي عاشت فصولا مجنونة من الترحال والنضال السياسي والثقافي تدرك أن جزءا من حياتها يتسرب بطريقة خفية إلى لوحاتها. لذلك فهي تتذوق المعنى من غير أن ترسمه. وهو ما سيتمتع به مشاهدو أعمالها.

لن يستوقف المعنى أحدا ولن يتساءل أحد عن أصل تلك الحكاية وهل هي مستعارة من القص الشعبي أم هي من ابتكار الرسامة التي صارت تنظر إلى حياتها باعتبارها سلسلة متلاحقة من الحكايات. رسمت شلبية حياتها باعتبارها حكاية تفخر بها.

ذلك يعني أنها عاشت حياتها مرتين. مرة من خلال الواقع وأخرى من خلال الرسم. وهو ما وهبها فرصة النظر إلى حياتها من جهة استقلالها. فهي حياة لامرأة أخرى. امرأة لا تظهر في المرآة. فهي من صنع الحكاية. لقد تعاملت الرسامة مع غربتها من خلال أشكال وتقنيات مختلفة. ذلك ما جعلها لا ترى في تلك الغربة قدرا سيئا بقدر ما اعتبرتها فألا حسنا. حمتها رسومها من الحنين وصنعت لها هوية تليق بموهبتها.

9