شماتة مؤسفة في ضحايا الطائرة الروسية

السبت 2015/11/07

رد الفعل، قولا وفعلا، مرهون بالعقل الذي يفكر والنفس التي تتفاعل مع المجريات والوقائع، ولعل أسوأ ردود الفعل التي تتضاد مع الطبيعة الإنسانية هي التي تتعامل بصورة وحشية أو عدائية أو قاسية مع الأحداث، بغض النظر عن المعطيات الذاتية سواء كانت دينية أو اجتماعية، لأن الناس جميعا في خاتمة المطاف يلتقون في قواسم إنسانية مشتركة واحدة، تتفاوت في إيجابياتها وعمقها بحسب الكسب الديني أو الاجتماعي، ولكن في النهاية تبقى ذات حد لا يمكن النزول عنه وهو الحد الإنساني.

في حادثة سقوط الطائرة الروسية في سيناء ظهرت ردود فعل غاية في الشماتة والتأويل غير المنطقي، فبداهة لا بد من النظر إلى أمر جوهري وهو أن الضحايا بشر سواء كانوا من ملتنا وعرقنا أو غيره، ونحن في المملكة العربية السعودية نعتز جدا بكوننا مملكة الإنسانية وهو فهم تأسس على أدوارنا الإنسانية حول العالم دون تمييز لدين أو عرق أو مجتمع، فقد أعطينا ولا نزال نعطي الآخرين في جميع متاعبهم بما يتفق مع إنسانيتنا، ولكن أن يصل البعض مرحلة الشماتة في الروس وتصوير الأمر وكأنه عقاب إلهي استجابة لدعاء هؤلاء البعض، فذلك غير مقنع، لأن الكوارث تحدث في الأساس لأكثر الناس إيمانا وكم من كوارث أصابت بلاد المسلمين، فهل هناك من زعم أنه عقاب؟ وسواء كان عقابا أو ابتلاء وبلاء فالله وحده من يعرف وليس كل من يحلم ويرى أنه حصل على رؤية.

ظهورنا بمظهر الشامتين على متاعب غيرنا ينطوي على وحشية وقسوة لا تتناغم مع جوهرنا الإنساني، وذلك في نفس الوقت يبتعد بوصف بلادنا عن أنها مملكة الإنسانية، ولا يمكن مطلقا الزعم بأن كل حادثة طبيعية أو كارثة إنسانية هي نتاج لما يتمناه أو يدعو به بعض الناس، فذلك إفراط في الوهم والخيال العقدي الذي يعقد الذات الإنسانية ويكشف نواقصها وقصورها الإنساني، ولسنا بالضرورة في مقامات تجعلنا نحاسب الآخرين ونعلو عليهم في فكرنا الخاص، ولو أن هؤلاء ظلوا يدعون لهم بالهداية وانشغلوا بذلك لكان أفضل من انشغالهم بتصوير الكوارث الطبيعية على أنها استجابة لأدعيتهم، ولا نعلم إن توافقوا مع شروط استجابة الدعاء أم لا.

منهج الإنسانية لا يتجزأ، والتطرف في هذه الرؤية الوحشية يخرجنا عن سياقات جميلة ويجعلنا ندور في تصورات سلبية معقدة تقدمنا بصورة مأساوية للآخرين، فالخير هو المبدأ الطبيعي في الروح الإنسانية المحبة للآخر وللسلام، وإذا شعر أولئك بأن الاختلاف موجب للكراهية فالمشكلة في أنفسهم وليست في الإنسانية أو الدين، لأنه ليست هناك مبادئ تدعو للكراهية والحقد والشر، وحين تتم مراجعة النفس يمكن الوصول إلى استخلاص بأن المشكلة كامنة في ذات هؤلاء الشامتين الذين يتحركون بأسس شريرة غير محبة وليست ودودة، ولا تدعونا بالتأكيد قيمنا الدينية والاجتماعية إلى كل هذا الكم من الكراهية والحقد على الآخرين وإنما الإقبال عليهم، فكم من هؤلاء أصبحوا على ذات المسار الديني بدعوة صامتة من خلال الخلق الحسن والتعامل الرفيع والخير الذي يتدفق في السلوك والتفكير، وليس بالوجوه العابسة والرافضة والابتذال السلوكي، فدون عمق إنساني لا يمكن أن نقترب من الآخرين أو يسمحوا لنا بتواصل معهم يجمعنا بهم، وردود الأفعال تلك في الواقع إنما تنسف صفة مملكة الإنسانية التي تبنيها قيادتنا، قولا وفعلا، ومن السوء أن نهدم أجمل ما نبنيه بأيدينا وعقولنا المتحجرة دون هدف حقيقي أو مسوغات إنسانية أو دينية أو اجتماعية.

كاتبة سعودية

8