شماغ السعودي والقرية السنية

الثلاثاء 2016/03/29

لا ألوم السعوديين على مدى حبهم الكبير لتويتر، أظن أن شباب هذا الجيل سيفهمون ماذا قدم لهم هذا البرنامج الذي استطاع أن يجعلهم ببساطة أكثر جرأة وحرية، وأكثر تواصلا مع العالم، فبات تويتر جزءا قيما من حياتهم، فحينما تريد أن تعرف ما الذي حدث في السعودية، كل ما عليك أن تدخل على أحد الهاشتاغات أو الوسوم، لتفهم تحديدا ما الذي حدث في أي منطقة من مناطق المملكة.

شعرت أن السعوديين أحبوا تويتر، لأنه حسن أو ساهم في بناء شخصياتهم من جديد وربما طهر بعضهم من شرور الحياة، وأعاد هندسة دواخلهم وحياتهم السرية، ونفض عن بعضهم الشعور بالملل، خاصة ونحن لا نزال نعيش في حال من الغليان وأجواء مشحونة ومضغوطة سياسيا، ولكن السعوديين لا تهمهم السياسة فقط، إنما هم مبدعون في التعبير عن كل شيء وأي شيء، ومراقبة الآخرين وملاحقتهم والتعليق على أفكار المغردين وأحيانا شتمهم من دون سبب، فقط لأنهم يريدون أن يطلقوا الطاقة العميقة التي سلبت منهم مبكرا بدعوى الرجولة، وقد وجدوا ضالتهم في برامج التواصل الاجتماعي، لا يهمني الحديث عن باقي الدول وما يحدث فيها من خلل، أنا مشغولة بالتفكير وتحليل ما يفكر فيه أبناء جلدتي لا غير.

بول أوستر المولود في نيوجرسي عام 1947، قال إنه عاجز عن رؤية نفسه من الخارج، وإنه على غرار الجميع لديه تعقيداته، إذ أنه ليس هناك إنسان مسطح في رأي، أو ما يمكن تسميته بالشخصية أو الطباع وهو الكلام المبهم غير الدقيق، وأضاف أن الإنسان عبارة عن مجموعة من الأطياف، وهناك أجزاء مختلفة تظهر منا وتعبر عنا في أوقات مختلفة، وأكد على أننا جميعا لا نشبه أنفسنا في كل الظروف، وكل واحد منا هو عبارة عن أشخاص مختلفين في ظروف مختلفة.

تويتر ساهم في تقليل عزلة المواطن السعودي، الذي استطاع أن يستغل كل ما يمكن أن يقدمه هذا البرنامج، حتى وصل مؤخرا لأن يقوم أحدهم بالتقاط صورة لرجل مع زوجته يتناول طعامه في غرفة زجاجية في أحد المطاعم، وقد خلع الرجل شماغه ووضعه على الطرف الذي تجلس فيه زوجته، حتى لا ينعكس وجهها أثناء تناولها الطعام. وفي دقائق اشتعل موقع التواصل الاجتماعي وبات الجميع يستنكر تصرف الرجل مع زوجته.

بالتأكيد استأت من الشخص الذي التقط الصورة، لأنني مؤمنة بالحرية التي لا تستند على إيذاء الآخرين أو التنكيل بهم، على الأخص في مجتمع كالمجتمع السعودي، والذي يعتبر أكثر المجتمعات العربية تحفظاً، ولذا يتوجب على الجميع ألا يتجاوزوا في تدخلاتهم في حيوات الآخرين، كما حدث في شماغ الرجل وزوجته، وفي مقابل ذلك، شن الكثيرون هجوماً على فيديو كليب الفنانة اليمنية أروى في أغنيتها “أنا سعودي”، الهجوم كان على التصوير الذي وجده البعض لا يمت بصلة إلى الواقع السعودي، هذا التناقض الكبير يجعلك في حيرة من أمرك، ما الذي يريده السعوديون؟ ألا يضع الرجل شماغ رأسه على الزجاج، أم غضبهم على أن المشاركين في أغنية أروى لم يكونوا من الجنسية السعودية؟

وما بين هذا وذاك وبين تجربة مفهوم حرية الكلمة والرأي، أود أن أشير إلى ما حدث من لغط في مقالي السابق والذي جاء تحت عنوان “داعش في عزاء والدي”، ترك الكثيرون الفكرة التي طرحتها وذلك عبر تغرير الشباب وإلحاقهم بخلية داعش الإرهابية، وركزوا على عبارة ربما لم تصل لهم بالصورة الصحيحة، حينما ذكرت عزاء والدي في قريته، وذكرت أن من أهم أسباب إقامة العزاء، تكريم أهالي الشيعة القاطنين في القرية، ولم أعن أن القرية شيعية مئة بالمئة كما فهم البعض، ووصل الحد إلى أن البعض طالب الجريدة عبر حسابها في “تويتر” باعتذار رسمي من الكاتبة، وطلبوا إيضاح أن القرية ليست شيعية، هذا التعصب الذي لن يتخلص منه الكثيرون في الوطن العربي، هو ما سيعيدنا إلى الوراء، ترك القراء من أهالي القرية كل ما جاء في المقال، وركزوا على أهمية إيضاح أن القرية تصل نسبة السنة فيها إلى 70 بالمئة، غير أن موقع ويكيبيديا ذكر بأن أهم ما تتميز به القرية تعدد الطوائف الدينية والتعايش السلمي فيها، وهذا ما لم ألمسه من قراء قريتي للأسف.

كاتبة سعودية

9