شمال أفريقيا ملجأ لبقايا تنظيم الدولة الإسلامية

أوجد تنظيم الدولة الإسلامية له حضورا في شمال أفريقيا على إثر نجاحه في الشرق الأوسط، وتمكن التنظيم من تركيز حضور كبير له في ليبيا حيث تأسست “عاصمة” في مدينة سرت الساحلية على غرار الموصل في العراق والرقة في سوريا. وبعد حوالي أربع سنوات بدأت “عواصم الخلافة” تنهار وكانت سرت أولها (ديسمبر 2016)، ولحقتها مؤخرا الموصل، فيما معركة الرقة على أشدها. لكن رغم أن طموحات هذا التنظيم في شمال أفريقيا منيت بنكسة كبيرة وبدت مواطن ضعفه أكثر وضوحا على إثر خسائره في الشرق الأوسط، مازال هذا التنظيم المتشدد مصدر قلق وخطر خصوصا وأن الأرضية مازالت تحمل البعض من تلك البذور التي أنبتت داعش من رحم تنظيم القاعدة في العراق.
الأربعاء 2017/07/12
سقطت الراية وبقي الخطر

واشنطن - بعد إخراج تنظيم الدولة الإسلامية تقريبا من إحدى عاصمتيه ومحاصرته في الأخرى، يقول دبلوماسيون غربيون ومسؤولون أميركيون إن هذه الانتصارات العسكرية تحمل في طياتها ضربة قاضية لـ”دولة الخلافة” لكنها لا تقلص من التهديد الذي مازال يشكله، فالانتصارات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية يمكن أن تتبخر في نيران صراعات أخرى مازالت مندلعة، وتحديدا في ليبيا، حيث الأرضية خصبة، ليبقى داعش يتنفس رغم ما لحقت به من هزائم هناك أيضا.

وبحسب ما تقول مجلة النيويوركر الأميركية، من المبكر جدا الاحتفال بهزيمة داعش، فمنذ صعود التطرف الجهادي قبل 4 عقود تبيّن أن من سماته الأكثر ديمومة، من خلال تجلياته دائمة التطور، هي قدرته على إعادة تأسيس وإحياء الحركات التي بدا أنها قد هزمت.

وفي إطار بحثه عن أرض بديلة سيسعى ما بقي من تنظيم الدولة الإسلامية إلى نقل الصراع نحو أفريقيا حيث يمكن أن يعقد شراكات مع الجماعات المتشددة هناك، ومنها القاعدة ليضمن بقاءه حيا. وفي الأسابيع القليلة الماضية تسببت التطورات الداخلية في ليبيا والأحداث ذات الصلة في الخارج في تسليط الأضواء على حجم التهديد الإرهابي الموجود في هذا البلد الشمال أفريقي والقادم منه. ونتيجة لهجمات إرهابية عشوائية ضد المدنيين، أصبحت القوى الدولية والإقليمية الكبرى أكثر وعيا بعواقب غياب حكم القانون في ليبيا.

تؤكد الباحثة في مركز دراسات الأمن ليزا واتانابل أنه مادامت ليبيا معرضة لاستمرار الحرب الأهلية مع تواصل عدم نجاعة حوكمتها، لا يمكن استبعاد قيام داعش بإعادة تجميع صفوفه واستعادة بعض الجيوب من الأراضي. وتضيف في دراسة حملت عنوان “تنظيم الدولة الإسلامية في شمال أفريقيا مازال موجودا ويكافح من أجل التوسع”، نشرها مجلس سياسات الشرق الأوسط، أن داعش قد يتمكن أيضا من تحقيق مكاسب إضافية في ليبيا وتونس خاصة نتيجة لانشقاق بعض الأعضاء الأصغر سنا التابعين لمجموعات مرتبطة بالقاعدة مثل أنصار الشريعة في ليبيا وتونس. مع ذلك، تستطرد الباحثة مشيرة إلى أن توسع داعش في شمال أفريقيا على المدى البعيد يبقى غير مؤكد بتاتا، فمن أجل التنافس مع تنظيم القاعدة المتجذر أكثر في المنطقة سيكون على تنظيم الدولة الإسلامية أن يعتمد استراتيجية مماثلة. وهذا يعني ليس فقط التحول إلى تنظيم إرهابي تقليدي لديه مقاربة طويلة الأمد بخصوص مشروع بناء “دولة إسلامية”، لكن كذلك دعم التنظيمات الإرهابية المحلية وإقحام نفسه في الخطابات المحلية حتى تكون أقل بروزا. ويجب توقع حدوث خلافات داخلية وسط تفرعات تنظيم الدولة الإسلامية بخصوص التوجه المستقبلي للتنظيم والانشقاقات عنه وتكوين مجموعات مستقلة. ومن ثم هناك إمكانية للمزيد من تشظي المشهد الجهادي.

ليزا واتانبي: داعش مازال موجودا في

شمال أفريقيا ويكافح من أجل التوسع

الخطر القادم من ليبيا

وجدت عدة تنظيمات جهادية ملاذا آمنا في ليبيا بفضل غياب القانون وزيادة الاضطراب السياسي. وتنظيم الدولة الإسلامية إحدى المجموعات الإرهابية المهمة التي وجدت أرضا خصبة هناك. دخل هذا التنظيم الحلبة الليبية في أواخر سنة 2014 وركز حضوره في البداية في مدينة درنة الشرقية ثم انتقل لاحقا ليسيطر على مدينة سرت. وفي مايو 2016 كان إطلاق عملية البنيان المرصوص من قبل حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة خطوة حاسمة في الحرب ضد الفرع الليبي من تنظيم الدولة الإسلامية. وبعد ثمانية أشهر من الهجمات والدعم الجوي الحاسم من الولايات المتحدة تم طرد داعش من مدينة سرت.

بيد أن سقوط سرت لم يمثل نهاية وجود تنظيم الدولة الإسلامية على الأراضي الليبية، حسب أومبرتو بروفازيو، المحلل في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية؛ فحتى وإن أخذنا بعين الاعتبار التقارير الواردة عن مصادر أمنية من داخل حكومة الوفاق الوطني والتي تفيد بتحييد ما لا يقل عن 2500 مقاتل من داعش منذ بداية الهجوم، من المرجح جدا فرار عدد مهم من المقاتلين الجهاديين من سرت أثناء الحصار. واعتبارا لكون عدة وكالات استخباراتية حددت عدد مقاتلي داعش في ليبيا في سنة 2016 ما بين خمسة وستة آلاف مقاتل، لا بد أن عددا معتبرا من هؤلاء المقاتلين مازالوا طلقاء.

لقد حذر موظفون في مجال الاستخبارات من توجه بقايا التنظيمات الإرهابية نحو المناطق الصحراوية في الجنوب الليبي من أجل لم الشمل وتنفيذ هجمات من هناك. لكن صدامات متفرقة بين قوات موالية لحكومة الوفاق الوطني وداعش بالقرب من سرت وبني وليد في الشمال الليبي توحي على ما يبدو بصمود غير متوقع للمجموعات الإرهابية في هذه المنطقة.ذ

وحسب توماس والدهاوسر، قائد قوات أفريكوم في أفريقيا، قدمت الضربات الجوية التي نفذتها الولايات المتحدة ضد معسكرين لداعش في ليبيا في يناير 2017 نظرة قيمة ومعلومات استخباراتية عملية تخص أنشطة الفرع الليبي لتنظيم الدولة الإسلامية. ومباشرة بعد الضربات الجوية قال آش كارتر، وزير الدفاع الأميركي في ذلك الوقت إن المقاتلين كانوا يخطّطون بشكل نشط لتنفيذ عمليات ضد الحلفاء الأميركيين في أوروبا أو كانوا متورطين في هجمات مؤخرا على أوروبا. وبعد بضعة أيام أكد مسؤولون أميركيون وجود إرهابيين في المعسكرات المستهدفة مرتبطة بأنيس العامري منفذ هجوم برلين في 19 ديسمبر 2016 الذي خلف 12 قتيلا و50 جريحا.

أشار هذا التصريح إلى أن فرع داعش الليبي بعد خسارة الأرض التي يسيطر عليها تأقلم مع الواقع الجديد عن طريق تنويع استراتيجياته والتركيز على تنفيذ الهجمات في داخل البلاد وخارجها. وتأكد هذا الاتجاه عن طريق الهجوم الإرهابي على المملكة المتحدة في 22 مايو عندما فجر سلمان العبيدي (وهو ليبي بريطاني) نفسه في مجمع مانشيستر أرينا. واعترف أخوه هاشم في اليوم الموالي بعد أن اعتقلته قوة الردع الخاصة بأنه هو وأخاه كانا عضوين في تنظيم داعش وأنه يعلم بكل تفاصيل هجوم مانشستر.

ويرى أومبرتو بروفازيو أن اعتقال سلمان ووالد هاشم رمضان العبيدي، قدم مثالا عن مدى صعوبة تحديد خطوط الفصل بين مختلف التنظيمات الإسلامية في ليبيا. وبالفعل يُعرف رمضان على أنه عضو سابق في الجماعة المقاتلة الإسلامية الليبية، وهي مجموعة معارضة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي ولها ارتباطات مزعومة بالقاعدة.

ويلاحظ أن نشاط المجموعة انخفض بشكل ملحوظ في السنوات القليلة الماضية لكن الفاعلين الإقليميين المعنيين مازالوا يعتبرون أعضاءها السابقين يشكلون تهديدا، فالكثير منهم (بما في ذلك الزعيم السابق عبدالحكيم بالحاج) وردت أسماؤهم في “قائمة إرهابية” أعلنت عنها في الثامن من يونيو وزارات الخارجية لدول مصر والبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

أومبرتو بروفازيو: سقوط سرت لم يمثل نهاية وجود تنظيم داعش في ليبيا

بين داعش والقاعدة

تزيد الرمال المتحركة في ليبيا والديناميات على الأرض المتغيرة على الدوام من تعقيد مهمة فك شيفرة التهديد الإرهابي؛ ويقدم بروفازيو مثالا عن ذلك أنه بعد حل تنظيم أنصار الشريعة التي قاتلت في السنوات القليلة الماضية ضمن مجموعة مجلس شورى ثوار بنغازي ضد الجيش الوطني الليبي في بنغازي، يطرح السؤال عن المكان الذي ذهب إليه مقاتلوه أو سيذهبون إليه في المستقبل. وقدّر عددهم بخمسة آلاف عنصر في سنة 2012.

ومع ذلك فإن مسألة ما إذا كان هؤلاء سيعززون صفوف تنظيم الدولة الإسلامية أو سينضمون إلى التنظيمات الموالية للقاعدة قد تصبح ضئيلة الأهمية على إثر الإشارات الأخيرة عن التعاون المحتمل على الأرض بين هذين التنظيمين. في مارس 2017 حذر وزير الدفاع في حكومة الوفاق الوطني، مهدي البرغثي، من أن داعش بصدد تجميع صفوفه في ليبيا بمساندة الفرع المحلي للقاعدة. تم تلقي تعليقات البرغثي باندهاش وحيرة بناء على العداء المعروف بين داعش والقاعدة. لكن نائب الرئيس العراقي إياد علاوي أعاد إثارة المسألة من جديد في أبريل الماضي، قائلا إن داعش كان يجري محادثات مع القاعدة حول التحالف المحتمل بين التنظيمين الخصمين، والقريبين أيضا (نظرا لأن داعش ولد من أنقاض القاعدة في العراق).

وقال البرغثي أيضا إنه خلافا لما أوردته التقارير الصحافية فإن المختار بلمختار، زعيم تنظيم “المرابطون” المتفرع عن القاعدة في المغرب الإسلامي مازال حيا ويعتقد أنه يتزعم مقاتلي داعش الذين تمكنوا من الفرار من سرت. وفي إطار شراكة محتملة في الأعمال الإرهابية يمكن أن تكون حالة بلمختار دلالة على الخارطة الجهادية الجديدة في ليبيا ومنطقة الساحل.

وبعد أن اعتقد عدة مرات بأنه توفي، يقال إن بلمختار أصيب بجروح بليغة في ظهره على إثر غارة جوية فرنسية على المقاتلين الإسلاميين في الكردا، شمال غرب سبها في نوفمبر 2016.

وبالرغم من حالته الصحية المتدهورة فإن بلمختار مازال ينظر إليه في المنطقة على أنه أحد الجهاديين الأبرز في جيله ومن ثم يجب عدم استبعاد إمكانية رجوعه مرة أخرى. زيادة على ذلك فإن طرده المزعوم قد يكون تركه “فاعلا طليقا” في العالم السفلي الجهادي، مما يعزز، وفق قراءة بروفازيو لشيفرة التهديد الجهادي على الرمال المتحركة الليبية، سيناريو البرغثي ويمنحه الفرصة لربط مختلف المجموعات الإرهابية النشطة في ليبيا مع بعضها البعض.

يقول علي صوفان، وهو ضابط أميركي لبناني سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي، له مؤلفات عديدة حول التنظيمات الجهادية، إن القوة المتزايدة لولايات التنظيم، خاصة في ليبيا، تشير إلى أنّ داعش، مثله مثل تنظيم القاعدة، قد يكون مستعدا للتطور إلى مظلة متعددة الجنسيات تضم عددا من الفروع. ومن أجل المزيد من تقليص الزخم خلف نمو الدولة الإسلامية في شمال أفريقيا، ترى ليزا واتانابل أنه يجب الحفاظ على الضغط على تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بالتوازي مع الضغط الذي يواجهه في سوريا والعراق، لأن ذلك سيكشف نقاط ضعف استراتيجيته ويقوض جاذبية اسمه التجاري.

وتخلص إلى أن حصول المزيد من التشرذم للمشهد الجهادي في شمال أفريقيا المصحوب ربما بهجمات مذهلة في سعي التنظيمات الإرهابية لفرض نفسها سيعني أيضا أن جهود محاربة الإرهاب في المنطقة الأوسع قد تحتاج المزيد من الدعم، كما هو الشأن أيضا بالنسبة إلى المبادرات لتعزيز التعاون الأمني الإقليمي.

6