شموع لبنان للحب والقداس وإنارة عتمة المكان

عرفت البشرية صناعة الشموع منذ القديم حيث كانت تستعملها في الإضاءة، لكن هذه الصناعة تطورت وبدأ استعمالها يأخد مناحي عدة وطقوسا أخرى غير الإضاءة، وقد برع اللبنانيون في هذه الصناعة وأحضروا الشموع في مناسباتهم واحتفالاتهم.
الأربعاء 2016/03/09
شموع الاحتفالات

بيروت - يستخدم اللبنانيون الشموع في الإنارة إذا ما غابت الكهرباء، لكنها أضحت اليوم حاضرة في الكثير من المواسم والاحتفالات كأعياد الميلاد ورأس السنة، وحفلات الخطبة والزواج وصولا إلى الديكور داخل المنازل. كما يستعمل اللبنانيون الشموع للتعبير عن موقف سياسي في الساحات العامة خلال المظاهرات، ويشعلونها أحيانا على شرفات بيوتهم تعبيرا عن حزن أو فرح.

ويشترك لبنان مع بقية الدول في صناعة الشموع التي يعود تاريخها إلى عصور بابل مرورا بالحضارات الإغريقية والرومانية، التي تمثل أحد أهم مصادر الإنارة. وهناك من يقول إن أول استعمال للشموع كان في الصين وتحديدا في مجالس العبادة وخلال إقامة الطقوس الدينية والصلوات، وهي من المقدسات لرائحتها العطرة عند الاحتراق، كما استخدمها المصريون القدماء في تحنيط الموتى وإضاءة المعابد والمساكن وصنع التماثيل، وفي الطقوس والعبادات والزينة والتجميل والمراهم والدواء.

وبدأت مهمة الشموع في الإضاءة تتراجع، حين اخترع توماس أديسون المصباح الكهربائي في أواخر القرن التاسع عشر.

وتطورت صناعة الشموع وظهرت أصناف عديدة مثل الشمع العسلي، المستخرج من خلايا النحل، وميزة هذا النوع أن إضاءته جميلة وأنيقة، ورائحته زكية جدا، ثم تحولت الشموع لتصبح ديكورا في البيت وتضاء في الكنائس والحفلات.

وباتت هناك أنواع وأشكال وأحجام وألوان مختلفة للشمع، إلى أن أضحت فنا بحد ذاته، فمنها ما هو عادي أو على شكل الورد أو الصنوبر وبأحجام مختلفة صغيرة وكبيرة رفيعة وعريضة وملونة ومعطرة أو من دون رائحة.

ويقول أبوسمير إن انقطاع الكهرباء المتواصل في بيروت أيام الحرب الأهلية، علمه صناعة الشموع، حيث لم يمض يوم فقط حتى أصبح أبوسمير بارعا في صنع الشمع رغم أنه لم يقم بصناعته من قبل، لكنه حينما قرر العزم على تحويل الفكرة إلى أرض الواقع اتجه إلى أحد المصانع الصغيرة ليتعلم تفاصيل وحيثيات هذه المهنة، حيث اشترى ما يحتاج إليه من شمع خام وفتل قطنية وقالب حديدي يسكب فيه السائل الشمعي والمثبت “حمض الستريك”، وأصبح بعد ذلك يصنعه بمفرده في المنزل لتكون بداية انطلاقة مشروعه الجديد.

انقطاع الكهرباء المتواصل في بيروت أيام الحرب الأهلية، علم أبا سمير صناعة الشموع في يوم واحد

لكن الشموع لا يقتصر دورها على الإنارة فقط، بل أصبحت فنا راقيا وأخذت مكانا في المنازل كأشكال جميلة وتحف تزين الزوايا والحدائق، حتى باتت من القطع الفخمة في الزينة والهدايا، عدا أن وجودها في الكثير من الصالات والمطاعم حمل صفة الأجواء الرومانسية، بعدما جمع نورها الخافت بين العاشقين في زوايا المحلات العامة.

وعن طريقة الصنع والتصنيع، أوضح جوزيف صاحب أحد مصانع الشموع في لبنان والذي يستعد لصناعة كمية هامة استعدادا للاحتفال بعيد “أحد الشعانين”، أن المرحلة الأهم في هذه الصناعة تكمن في شكل عجينة الشمع التي تأخذ لوحات جميلة تجذب الزبون، ولون الشمعة وتقطيعاتها النباتية والهندسية أحيانا التي تلعب دورا مهما في الترويج والانتشار.

وقال جورج مالك لمصنع شموع يعمل منذ أكثر من عقدين من الزمن، عن مسيرة الشموع وسوقها، إنه يصنع نموذجا عن كل شمعة ويقوم بعرضها في المعمل ليراها الزبون فتعجبه فيطلب منه أن يصنع له مثلها مع اللون الذي يختاره، ويمكنه أن يضيف كل ما يريد عليها كالورود أو زخرفة معينة، كذلك إضافة إكسسوار معين مثل صينية أو مرآة أو صورة معينة. فكل الأمور والطلبات متاحة بالنسبة إليه وليس هناك من لذّة في الحياة تفوق تلك المتعقلة بصناعة الشمع والتفنن فيه، وقد اعترف بأنه في الفترة الأخيرة بات يعتمد أسلوب العمل بحسب التوصية لأن الوضع المادي للمصنع لم يعد يحتمل تفاقم البضاعة والخسائر نتيجة الصناعة المسبقة، فأذواق الناس اختلفت وأضحت اليوم تتطلب كل ما هو جديد وعصري.

ويرى صاحب محل لبيع الشموع بأشكالها الفنية المختلفة التي تقدم كهدايا، أن الإقبال على شمع الإنارة الأبيض التقليدي بات شبه معدوم في المحلات المتخصصة، لأنه أصبح متوفرا في المكتبات ومحلات البقالة وقلّ الطلب عليه في السنوات الأخيرة.

وتتعدد استخدامات الشموع تبعا للمناسبة والمكان، ويتم اختيارها بحسب الذوق الشخصي، حيث تفضل مها طالبة جامعية الشموع المعطرة التي تنفث الرائحة الطيبة في أرجاء الغرفة. وتؤكد أن تقديم الشموع كهدايا متداول جدا بين أبناء جيلها لجمال منظرها وسعرها المتوسط، ما يشجعها على اختيار الشموع كهدية جميلة ومعبرة.

ويتفق صناع الشموع على أن إدخال أشكال فنية على هذه الصناعة هو ما أسهم في الحفاظ على استمرار مهنتهم حتى اليوم ونجاحها، إضافة إلى مواكبتهم للتكنولوجيا الحديثة ومتطلبات العصر عبر إدخال أمور غريبة على الشموع التي يصنعونها.

20