شمولية الإيمان مسمار في نعش التطرف والغلوّ

الخميس 2014/05/29
التمسك بجوهر الأديان كفيل بإذابة الخلافات الشكلية التي تفرق بين البشر على أسس خاوية

الطبيعة البشريّة تواقة إلى التحرّر والانعتاق من براثن الخرافات وأغلال الجهل وشراسة التقاليد التي تكبّل الأذهان متى تعلّق الأمر بالمسألة الدينيّة رأسا. توقٌ يرنو إلى الانفتاح الخلاّق على الصدام السلميّ العظيم بين الأفكار، وفتح المجال أمام العقل الحرّ بتجلّياته الهائلة من أجل التأسيس لحضارة إنسانيّة شاملة، تُذيبُ الفوارق الشكليّة وتتمسّك بجوهر الدين، لترسي من ثمّة أساسا متينا للتعايش بين البشر على قاعدة نبذ الغلوّ وإعلاء قيم التسامح. وفي هذا الإطار سننطلق في هذا المبحث من قراءة للكاتب رؤوف قبيسي أتى فيها على جوهر هذه الفكرة إعلاء لمقولة التمسّك بجوهر الدين دون قشوره.

في بداية تعريفه للمنظومة المفاهيميّة التي احتاجها البحث في شمولية الإيمان، ركّز قبيسي على تقديم قراءة لمفهومي “الإيمان” و”التديّن” لدى المسيحيين والمسلمين، على هامش المآسي والفواجع والوحشيّات التي تُرتكب باسم الدين، خاصّة في البلدان العربيّة.

قراءة تختلف عن السائد المُتسبّب في هذه الظواهر السلبيّة التي لا تمتّ لقيم التسامح بصلة، أصرّ فيها على وُجوب الدعوة لأنسنة الدين، والإيمان بعيدا عن لغة التكفير والإلغاء والقتل التي “صارت هي اللغة المعتمدة في كلّ جوانب حياتنا العربيّة”، على حدّ تعبيره.


المؤمن والمتدين


وانطلاقا من مفهوم رئيسيّ آخر، وهو “العنصريّة”، التي أوضح ، أنّها تقوم بمعناها التقليديّ، على التفريق بين البشر بحسب اللون والعرق، وتقوم في الحالة الدينيّة، على التفريق بينهم بحسب الانتماء الطائفي، خلص إلى أنّ الطائفيّة تُعدُّ شكلا من أشكال العنصريّة، كما أنّ الدين نفسه، يمكن أن يكون أيضا شكلا من أشكال العنصريّة ساعة يعتقد “المتديّن” أنّ “الله” يقف إلى جانبه وحده، وأنّ دينه وحده هو دين الحق، ليخلق من ثمّة بينه وبين الآخر مسافة، ويصبح عنصريّا، (وهذا أساس مفهوم “التدين” الذي يتحدث عنه القبيسي). لكن بالمقابل، يقبل “المؤمن” الناس جميعا، لأنّه تخلّى عن العرض وتمسك بالجوهر، وآمن بأن شمس “الله” تشرق على الأخيار والأشرار.

وفي سياق هذا التحليل، يخلص قبيسي، إلى أنّ “المؤمن” على خلاف “المتديّن” يتمسّك بجوهر الدين الذي يحثّ على التسامح والتعايش في كنف السلام والطمأنينة التي جُعلت لأجلها الأديان، ويغضّ الطّرف عن العرض، أي عن كلّ الظواهر الشكليّة التي من شأنها أن تُبعد الدين عن جوهره. حيثُ أطنب في التأكيد على تبيان الفرق بين المؤمنين والآخرين المتدينين، مقدّما أمثلة عن كيفيّة تناولهم للنصوص الدينيّة (سواءً كانوا مسلمين أو مسيحيين)، مشدّدا على ضرورة أن تكون قراءتهم لهذه “الأدبيات الدينيّة” إيمانيّة، لا دينيّة. قراءةُ كتب تتعايش مع الإنسان على العالم كلّه، يجبُ أن تُقرأ بأفئدة مُفعمة بالخير والسّلام، منفتحة على الناس.


ليس الكافر من لم يكن مسلما


لم يقف قبيسي عند تدعيمه لفكرة التمايز بين الإيمان والتديّن في دعم التعايش، على تبيان المفاهيم وضرب الأمثلة فحسب، بل قصد في تحليله منحى آخر ركّز من خلاله على تعريف “الكافر”، على خلاف التعريف المُعتمد من المنظور الإسلامي السائد الذي يرفضه، حيث أقرّ بأنّ المؤمنين المسلمين حين يقرؤون القرآن ويصلون إلى الآية من سورة الفاتحة “ولا الضالين” سيفهمون، بحس فطري أنّ “الضالين” هنا لا تعني اليهود أو المسيحيين أو البوذيين، ولا حتى اللاأدريين والملحدين المسالمين، بل الأشرار والقتلة.حين يقرأ المسلمون القرآن على نحو يدعم التعايش يصبح إسلامهم عقيدة عالمية إنسانية توحد البشر ولا تفرقهم،

وهنا تبدأ صورة “الكافر”، في التجلّي، حيث يعلن أنّ “الكافر” هو فقط “المشرك الشرير”، أي المجرم الذي لا يهاب “الله” ويفتك بعباده، ويقتل ويكذب، ويأكل أموال اليتامى والمساكين، وليس المسيحي المؤمن، أو اليهودي المؤمن الذي يخاف “الله” ويرفق بالناس. وقد عاش اليهود المؤمنون، والمسيحيون المؤمنون مع العرب المسلمين مئات السنين.

حين يقرأ المسلمون القرآن على نحو يدعم التعايش يصبح إسلامهم عقيدة عالمية إنسانية توحد البشر ولا تفرقهم

ومن هذا المنطلق يتساءل قبيسي؛ “ألا يتجمّلُ الإسلام ويظهر للعالم في صور بهية، إذا كان معنى الكافر في الإسلام هو هذا المعنى المرتبط بالشرك والشرّ فحسب، بدلاً من أن يكون الكافر هو الآخر الذي ليس مسلماً؟”


العرض يفسد الجوهر لا محالة

قبيسي ركّز على الفصل بين المفاهيم وتبيان عللها، مثلما سبق وأشرنا إليه، خدمة لخلاصة بحثه التي أراد من خلالها أن يبرهن على حقيقة إفساد العرض وكلّ ما يتعلّق بالدين من أدران لا تفيده ولا تخدم صالح البشريّة ولاتدعم قيم التعايش بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الاحترام، لجوهر الدين الذي يحضّ على الوفاق والتوافق.

ليخلص من ثمّة إلى أنّه “لا خلاف في اللباب بين المؤمنين المتمسكين بجوهر الدين، إلا إذا أرتأى المتدينون والمتعصبون لهذه العقيدة أو تلك، ولهذا المذهب أو ذاك، ومعهم بعض الصيارفة وأصحاب الطرق والأوقاف، أن يوجدوا خلافاً من لا شيء، ليجعلوا من حياتنا الحاضرة دينونة دائمة، حيث صرير الأسنان وبئس المصير!”فحين يقرأ المسلمون، على سبيل المثال، القرآن على هذا النحو الداعم للتعايش، وعلى ضوء هذا المصباح، يصبح إسلامهم عقيدة عالمية إنسانية توحّد البشر ولا تفرقهم. أمّا الذين يُصرّون على قراءته بعقل ضيّق، ويتمسكون بالعرض دون الجوهر فيُخالفون ما جاء فيه، ويكونون بعيدين جداً عن روحه.

التمسّك بالجوهر من ثمّة، أصل النجاة من الهرطقات وديدن الحياة الأجمل، ولذلك أصرّ قبيسي في خاتمة بحثه على تشبّثه بجوهرين إثنين؛ أوّل منوط بالدين دافع عنه طيلة مراحل البحث، وثان برجاحة الفكرة التي أصرّ أنّه لن يتراجع عنها، رغم إقراره بأنها لن تروق للكثيرين الذين وصفهم بأنّهم شبّوا على طرائق قديمة في التفكير.

حيث أعلن أنّه لن يتراجع عن القول بأنّ “إله” القرآن والأناجيل واحد، وجواهر القرآن والأناجيل واحدة تحضّ على التحابب والتعايش، لمن يعرف كيف يقرؤها ويتدبرها بصفاء. أما شكلياتها والطقوس، وهي ما يجب ألاّ يتمسك بها المؤمن العاقل، فمختلفة.

13