شمولية الخطر الإرهابي تقتضي عولمة المنتج السينمائي

اهتمت دراسات عديدة بالعلاقة بالسينما وصناعة الوعي، وركّزت أغلبها على موضوع التعاون بين هوليوود والمؤسسات السياسية والعسكرية الأميركية في فترات الحرب والمواجهة مع الآخر، وهو تعاون دعا الباحث الأميركي صموئيل باتوي إلى استثمار نجاحه في الحرب ضدّ الإرهاب، لكن على المستوى العالمي، وبالتحديد من خلال الأفلام المعولمة ومتعدّدة الجنسيات التي يمكن أن تقدّم برؤيتها متعددة الزوايا حلولا شاملة لهذه الظاهرة المعولمة.
الثلاثاء 2015/05/12
الكاميرا السينمائية الغربية تلعب دورا هاما في صناعة العداء والكراهية للإسلام والعرب

لندن – ليست السينما بالضرورة وسيلة ترفيه وتسلية فحسب، بل يمكنها أيضا أن تشكّل جبهة هامة ومؤثّرة في أي حرب يمكن أن تخوضها دولة ما ضد كيان مادي أو ظاهرة فكرية على حدّ سواء، نظرا لتأثيرها الكبير على الرأي العام. ومن هذا المنطلق يدعو الباحث الأميركي صموئيل باتوي إلى حسن توظيف هذا السلاح في الحرب العالمية القائمة ضدّ الإرهاب.

قدّم باتوي رؤيته لدور السينما في الحرب على الإرهاب عبر دراسة مطوّلة صدرت ضمن المجلة المتخصّصة “وجهات نظر حول الإرهاب”، عدد أبريل 2015. وقسّم في تحليله المقاربات السينمائية لثيمة الإرهاب إلى ثلاث مقاربات رئيسية هي؛ السينما الأميركية والسينما الأوروبية وسينما الشرق الأوسط، ليخلص في النهاية إلى ضرورة توحيد الجهود بين مختلف سينماءات العالم لتقديم رؤية متوازنة، لا يغلب عليها الشخصي والمحلّي، لظاهرة الإرهاب.

وتوفر الأفلام التي تتناول موضوع الإرهاب نظرة عن رؤية كل من الإرهابيين ومناهضي الإرهاب. لكن تبقى تلك النظرة، وفق دراسة صموئيل باتوي، ناقصة، حيث تقدّم وجهة نظر متحيّزة، ويستشهد هنا بالنظرة الهوليودية الضيقة للإرهاب الدولي والتي بدأت منذ السبعينات؛ وهي نظرة تميل إلى تنفير العالم من البلدان والمناطق التي ولد فيها الإرهابيون.

ومن خلال مسح لأغلب الأفلام، التي ظهرت منذ السبعينات، وتناولت فكرة “الإرهاب”، المتربط بالعنف الأيديولوجي، في معناه المطلق وليس فقط عن طريق حصره بالتشدد الإسلامي، تبيّن للباحث أن صانعي الأفلام يصورون أعمالا حول الإرهاب تجسد أحداثا عاشتها دولهم. وكشف المسح، أيضا، أن أفلام هوليود عن الإرهاب المحلي تختلف في سياقها عن الخصوصيات العالمية، حيث كانت أفلام هوليود عن الإرهاب العابر للقارات مثل إرهاب الجيش الجمهوري الأيرلندي والمجاهدين الأفغان تميل إلى إضفاء النظرة الشخصية الخاصة على صورة "الإرهابيين".

وفي المقابل، وجد أن الأفلام المحلية في أوروبا والهند وأميركا الجنوبية والشرق الأوسط أكثر اتزانا في سردها للوقائع حول الإرهاب المحلي. فهي تسعى إلى تصوير الإرهابيين في الوقت الذي تستنكر فيه العنف.

ويخلص الباحث في نهاية المسح، الذي تناول عيّنات من أفلام أنتجت في الهند وأوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط، وأميركا الجنوبية، إلى ضرورة توحيد النظرة السينمائية للإرهاب، الذي أصبح معولما وعابرا للقارات، على غرار الإرهاب الإسلامي، وبالتالي فإن محاربته سينمائيا تحتاج أعمالا مشتركة عالميا عابرة للحدود.

يمكن أن يستفيد الاستراتيجيون الأمنيون والعسكريون وصانعو السياسة من الإطار التحليلي السينمائي لظاهرة الإرهاب

والأكيد أن السينما الدولية، في هذا السياق، جديرة بالتحليل والمتابعة من قبل المختصّين، فهي تتجاوز التحيز الوطني وتسعى إلى تقديم حكايات كونية تكون أكثر توازنا، فتطور الإرهاب العابر للحدود ساهم في تطور صورة الإرهاب في السينما العالمية.

وتعدّ أكثر الأفلام العالمية التي تتناول الإرهاب نجاحا، وفق باتوي، هي تلك المبنية على ما يلي: أحداث واقعية، وحوار الثقافات التي تعبر عن كل من الانتقادات وتشخيص موضعي للإرهابيين ومكافحي الإرهاب، كما تصور رغبات ودوافع الإرهابيين ومناهضي الإرهاب، إلى جانب اعتماد لغات متعددة، وتصوير موضوعات مثل الشتات والمنفى والمواضيع العابرة للحدود مثل العولمة. ويمكن أن يستفيد الاستراتجيون الأمنيون والعسكريون وصانعو السياسة من الإطار التحليلي لفهم الأفلام التي تجسد الإرهاب والاعتراف بالانحياز الوطني وخصائص صناعة الأفلام العالمية.

تجارب عربية قوية

يشير الباحث صموئيل باتوي إلى أنّ صناع السينما من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، والتي تعد الأهداف الرئيسية للإرهاب العابر للحدود، يتصدرون إنتاج الأفلام العالمية عن الإرهاب، في المقابل تنتج السينما الهندية والأميركية الجنوبية أفلاما تتحدث عن الإرهاب المحلي.

وفي الشرق الأوسط قدّم صنّاع السينما أعمالا هامة في هذا السياق، إلا أنها بدورها بقيت محلّية، إلا بعض الأعمال التي كانت ضمن إنتاج مشترك، عربي–أوروبي. وقد عالجت بعض الأعمال السينمائية العربية، وبالتحديد المصرية والجزائرية والفلسطينية، ظاهرة الإرهاب، ضمن فضاء أكثر واقعية، حيث أن الصراعات رغم أنها محلية إلا أنها تتخذ بعدا عالميا، نظرا لأن إرهاب الجماعات الإسلامية المتشدّدة عابر للقارات، وتعاني منه دول عديدة في وقت واحد وبشكل واحد.

السينما تلعب دورا محوريا في دعم الجهود الأمنية في مواجهة الإرهاب

وقد أنتجت السينما المصرية والجزائرية والفلسطينية العديد من الأفلام التي تعبر عن الخطابات الوطنية حول الأصولية الإسلامية والتطرف والإرهاب. فصناع السينما المصرية والجزائرية يعبرون عن الخطاب الوطني لدولهم والذي يقول إن الأصولية الإسلامية تؤدي إلى التطرف وبالتالي فهي تشكل تهديدا للأمن القومي الوطني والعالمي.

وتعتبر الدراسة أن فيلم “الإرهابي”، الذي أنتج سنة 1994، للمخرج المصري نادر جلال، من أكثر الأفلام العربية موضوعية في تناول قضية الإرهاب، وتدور قصة الفيلم، الذي قدّم نظرة منتقدة ورافضة للتشدّد الإسلامي، حول شاب الذي دفعته ظروفه الاجتماعية إلى الانضمام إلى إحدى الجماعات المتطرّفة، ليحارب كل المظاهر التي يعتقد أنها مصدر الفساد في البلد، مثل محلّات بيع شرائط الفيديو وقتل السياح الأجانب، وتتوالى الأحداث إلى أن يعلم في النهاية أنه على خطأ.

ويعتبر فيلم “المصير”، ليوسف شاهين، مثالا آخر للرؤية السينمائية العربية المنتقدة للأفكار الظلامية، حيث تناول قضية الإرهاب والتطرّف في بدايتها، وتحديدا في الأندلس في القرن الثاني عشر، وذلك عبر تناول قصة حياة الفيلسوف ابن رشد، والصراع الذي دار بين التوجّه الفكري العقلاني المتمثّل في فكر ابن رشد الذي ينادي بالاجتهاد وإعمال العقل، وبين التوجُّه الفكري المحافظ المتمثّل في الشيخ رياض، الذي يدعو إلى التمثّل بالسلف فحسب، وينتهى هذا الصراع بإحراق كتب ابن رشد.

وقد واصل المخرج المصري الراحل، يوسف شاهين، العمل على نفس التيمة السينمائية الخاصة بالإرهاب في أفلام أخرى، لكن من زاويا أخرى، ففي مساهمته في فيلم “11 سبتمبر”، انتقد يوسف شاهين كلا من الأصوليين الإسلاميين والولايات المتحدة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر لأنها هي من صنعت الوحش الذي هاجمها. ويقول شاهين في فيلمه إن “الأميركان يقررون من هو الإرهابي”.

ومن الأفلام الجزائرية التي تناولت ظاهرة التشدد فيلم “باب الواد سيتي”، وهو تعاون فرنسي-ألماني-سويسري-جزائري، يتتبع فيه المخرج الجزائري مرزاق علواش الصراع بين شاب جزائري ومجموعة من الأصوليين الإسلاميين المحليين، مشيرا إلى أن الأصوليين مدعومون من المسؤولين الحكوميين الفاسدين. وقبل أن يتم طرده، يقول الإمام المحلي للأصوليون إنّ “العنف يولد العنف، فالإسلام دين تسامح ومناهضة للعنف”. وفي الوقت نفسه، ينتقد الفيلم الأصولية الإسلامية، لكنّه يربط التأثير الغربي بالسّقوط والانحطاط.

العديد من الأفلام العربية أماطت اللثام عن حقيقة المتخفين وراء الدين

وللقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي نصيب من السينما الغربية، وفي العام 2005 صدر فيلم “الجنة الآن”، وهو عبارة عن تعاون هولندي-فلسطيني-إسرائيلي-ألماني-فرنسي، ورُشح للحصول على جائزة الأوسكار، يعرض المخرج الهولندي الفلسطيني هاني أبو أسعد قصة صديقين فلسطينيين يتم تجنيدهما للقيام بعملية تفجير في “تل أبيب”. وقد تم تصوير الفيلم الناطق باللغة العربية في مواقع في نابلس و”تل أبيب”.

وبعد رحلة بحث عن الذات، تخلّص واحد من “الانتحاريين” المفترضين (سعيد) من الأسباب التي دفعته إلى تنفيذ العملية. “الإسرائيليون أقنعوا أنفسهم أنهم هم الضحايا. كيف يمكن للمحتل أن يكون ضحية؟ وإذا نالوا دور الظالم والضحية، فليس هناك خيار سوى أن يكون الضحية قاتل أيضا”.

وقد انتقد الفلسطينيون في الضفة الغربية الفيلم لتصوير “الانتحاريين” بأنّهما “أدنى من الأبطال وأنهما غير مؤمنين، إلى جانب كونهما متردّدين في تنفيذ مهمتهما”. وفي الوقت نفسه، انتقد الإسرائيليون الفيلم بدعوى أنه “يشجع على المزيد من الهجمات في جميع أنحاء العالم”.

وأشاد الباحث الأميركي صموئيل باتوي، بهذه الأفلام وغيرها، ووصف صناعة السينما المصرية والجزائرية والفلسطينية بالقوية، لكنه في الوقت نفسه ينتقد ميل تلك السينما إلى إلقاء اللوم على الغرب والعولمة حول ظاهرة الإرهاب، دون محاولة النظر في الجوانب الداخلية المحلية لهذه الظاهرة القادمة من بلدانهم لتتخذ بعدا معولما.

وبالمثل انتقد النظرة الشخصية للسينما الأميركية، التي لم تسع إلى الانفتاح مع السينما الشرق أوسطية لتقديم صورة كاملة عن هذا الخطر، الذي أضحى يتهدّد الجميع.

التوازن يقتضي التعاون

بعد تفجيرات سبتمبر 2001، أصبح تنظيم القاعدة العدو الأول للولايات المتحدة، وبدأ الأميركيون ينظرون للمسلمين على أنهم خطر يمكن أن يهدد أمنهم القومي. ممّا شكل أرضية خصبة في هوليود للعمل على إنتاج أفلام تدور حول فلك تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية الإسلامية الأخرى، على غرار فيلم “الحصار”، (أنتج سنة 1998) وفيلم قواعد الاشتباك (2000). وقد علّق صموئيل باتوي على هذه الأفلام قائلا “إنّ سينما هوليوود استبدلت المخاوف الأميركية من الماركسية بالخوف من التطرف الإسلامي”.

أمّا السينما الأوروبية حول الإرهاب، وعلى خلاف الأميركية، فقد كانت تتناول موضوعات مكافحة العنف. وقد ألهمت الحرب الباردة السينمائيين الأوروبيين لتقديم منتج أكثر إبداعا. كما تمتلك الأفلام الوطنية الأوروبية خصائص الأفلام العالمية فهي في الغالب متعددة اللغات وتقدم صورة متوازنة عن الإرهابيين. وأصبحت الأفلام الوطنية الأوروبية بعد الحرب الباردة أكثر واقعية.

الأفلام في أوروبا والهند والشرق الأوسط أكثر اتزانا في سردها للوقائع حول الإرهاب من أفلام هوليوود

ومن خلال التعاون بين صانعي الأفلام من أوروبا الغربية ومصر والجزائر استطاع صناع الأفلام الفلسطينيّين الوصول إلى الجماهير الغربية. ونظرا لشجاعة صنّاع السينما الأوروبيين والعرب ولتجربة التعاون هذه، تمكّن الجمهور الغربي من مشاهدة أفلام تتحدّى الخطابات الوطنية حول الإرهاب والرأسمالية والعولمة. لكن وفي الوقت الذي تعاون فيه الأوروبيّون مع صناع السينما في الشرق الأوسط لإنتاج أفلام حول التطرف الإسلامي، لم يقم الأميركيون باتخاذ هذه الخطوة حتى الآن.

ويخلص الباحث صموئيل باتوي في نهاية دراسته إلى أنه من خلال صناعة الأفلام العالمية، أصبحت الجماهير في جميع أنحاء العالم على معرفة أكثر بأسباب الإرهاب ومصادره بشكل عام، والتطرف والإرهاب الإسلامي بشكل خاص، فعندما يتعاون صناع السينما الغربية والشرق أوسطية، تكون النتيجة فيلما عالميا يتحدى الخطابات الغربية حول الإرهاب.

ويمكن القول إن الأفلام العالمية حول التطرف الإسلامي ساعدت على توضيح أن ما يروّج له المتطرّفون من أنّ “الإسلام يبرر استخدام العنف” لا علاقة له بالحقيقة. وربما لو أنّ صناع السينما الأميركيين، مثل صنّاع السينما الأوروبيين، تعاونوا مع منتجي الأفلام في الشرق الأوسط، لكان بإمكانهم إنتاج أفلام عالمية تصور الموروث الديني الأميركي لكي يتم استيعابه من قبل المسلمين بشكل مقنع.

ولذلك فإنّ السينما العالمية يجب أن تنبع من الشرق والغرب على حدّ سواء، لتقدّم انتقادات أكثر توازنا لظاهرة الإرهاب. وقد يكون هذا المنتج بين الثقافات وسيلة فعالة لنقل رسائل لمواجهة دعاية المتطرفين الإسلاميين. وهذا بدوره يخلق الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى تأثير الأفلام العالمية في تصورات وآراء الجماهير، حيث أنّ التأثير العالمي يحتاج إلى أفكار وأساليب ومعالجات متجدّدة ومختلفة، ويتطلّب سينما تسعى إلى التجديد والتطوير المستمر، وتلعب على تحويل القضايا المحلية إلى موضوع عالمي.

7