شميسة النعماني: الشاعرة هي كل شيء وأحيانا لا شيء على الإطلاق

الشاعرة العمانية شميسة النعماني ترى أن القصيدة صورة من صور الصراع النفسي الذي نعيشه ونحن نحاول فهم الكون الذي نعيش فيه.
الخميس 2018/08/09
الأنثى يجب أن تصرخ إذا تساوت مع العدم

تقف الشاعرة العمانية شميسة النعماني مثل مناضلة تضع أصول الثورة ضد النسقية الذكورية المطلقة، مطالبة المرأة بأن تكون ما تريده هي لا ما تريده القبيلة، لتفضح من خلال نصوصها النسق الديني كاشفة حقيقته الهزيلة، متخذة من تنوّع حالاتها الشعرية موئلا في الذهاب بقصيدتها للكينونة الوجودية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعرة.

صدرت مؤخرا عن دار مسعى الكندية بالتعاون مع الجمعية العمانية للكتاب والأدباء المجموعة الشعرية للشاعرة العمانية شميسة النعماني حاملة عنوان “سأزرع في الريح قمحي”، وتأتي هذه المجموعة بعد مجموعتها “ما تبقى من اللّون” الصادرة عام 2014، وبعد كتابي “أربعون عاما من مفكرة الشرقية شمال”، و”الخطاب الصحافي في حرب ظفار: جريدة عمان 1972- 1975” عام 2016. وتشتغل حاليا على كتاب حول رواد الصحافة والإعلام في سلطنة عمان بالتعاون مع أستاذ مشارك في قسم الصحافة بجامعة السلطان قابوس.

صوت المرأة

بداية، تحدثنا النعماني عن مناخات مجموعة الأخيرة قائلة “بين المجموعة الأولى والمجموعة الثانية أربع سنوات، لم أتوقف خلالها عن الكتابة أو النشر في الصحف والمجلات ومواقع التواصل الاجتماعي، ولكني لم أشتغل على إصدار مجموعة لقلقي الدائم من ذلك، وفي المجمل العام فأنا مُقِلّة في الكتابة. ولذا فإنه حينما تتوزع مناخات المجموعة على أربع سنوات فإني أعتقد أن هذه المدة الزمنية كفيلة بإيجاد مناخ من التنوع في النصوص؛ لأن اكتساء حُلة الفصول النفسية والتأثّر بمحيط الحياة يساهم في ولادة قصائد جديدة”.

تضع النعماني من أول نص في المجموعة بعنوان “لا أحد” الحشودَ معرّفا لهويتها الذاتية، لكنها في المقابل تقول “لا أحد”، وكأن الشاعرة (المرأة/ النسق) هي كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه.

هذا الإعلان الشعري يحرس ذات الشاعر من شراسة العالم الذي يغيّبه رغم ظهوره لتصل في النص نفسه إلى القول “أنا جمع أعمارٍ يقلّصها الزمان بحزنه في لا عدد”. مستشرفة في ذلك كله حال الشاعر (الفنان) حين يتلاشى في الكون ليزرع في الريح قمحه.

حراسة ذات الشاعر من شراسة العالم
حراسة ذات الشاعر من شراسة العالم 

وتوضّح النعماني بأن “لا أحد، هي صرخة الإنسان/ الأنثى حين تجد أنها تتساوى مع العدم، وحين تشعر أنها فقاعة صابون قابلة للانتهاء في أقرب ثانية من عمر الزمن، وحين لا يُنصف كينونتها العالم المحكوم بالزيف والظلم والخديعة والمظاهر، هي ‘لا أحد‘ ذلك الذي يشبه ‘بعض إنسانٍ تشظّى قبل أن يرث الجسد‘ لأنه مولودٌ بفجيعته، وتتقاطع في القدر مع المنارة التي ‘خانها الحُرّاس فانهارت وما بقي البلد‘، لأن القيم تلوثت وأصبحت الخيانة أساسا والأمانة شذوذا”.

تقول الشاعرة “أشعر جازمة بحقيقة وجودية وهي أننا ‘أحد‘ و‘لا أحد‘ في الوقت ذاته دون أن أملك تفسيرا لهذا الشعور، فمن نحن سوى صور مكرّرة لمن قبلنا ولمن سيأتي بعدنا وكأننا ‘أحد من لا أحد‘ أو ‘لا أحد من أحد‘. فالقصيدة صورة من صور الصراع النفسي الذي نعيشه ونحن نحاول فهم الكون الذي نعيش فيه”.

في مقابل هذا الإعلان الشعري “أنا لا أحد” نواجه الشاعرة العاشقة التي ترمم القلب بالحلم، وتأمل في كينونتها الحرة، لكنها مطوّقة بعالم محكوم بالتاريخ والأنساق التي لا يمكنها الانفكاك عنها.

تقول “أو قالت الأنثى لعاشقها ‘أحبك‘ في الملأ، فارتجفت موازين، وتباكت عاداتٌ، وانبرى من قبره السّلف العتيقُ”. إنها محاولة الشاعرة للتوازن في مجتمعها الشرقي الذكوري بين واقعيها الشعري والحقيقي.

وفي هذا الصدد تعلّق النعماني قائلة “لعله من الجيد الاعتراف أنه من الصعب الموازنة بين ازدحام الشعور بالحرية الداخلية ورغبة التحليق اللامنتهي الذي تتصف به الشاعرة عادة وبين المجتمع الشرقي المتكئ على الكثير من الأفكار الرثّة والعادات البالية والرؤى المريضة تجاه المرأة عموما، وهذا لا ينطبق على المرأة الشاعرة فقط وإنما كل امرأة تؤمن بالاستقلال والحرية الذاتية وتكتسب قوتها من داخلها لا من خارجها. ولأن الشاعرة مرهفة الإحساس فإنها تُصيخ السمع لروحها أكثر من الشخص العادي وهو ما يجعلها في أزمة نفسية كلما تصطدم بالواقع الذي لا نستطيع سوى محاولة مجاراته لنعيش وفق نمطه مع بعض التمرد الذي لولاه لانتهينا من الداخل وتآكلت أرواحنا”.

الشعر يتقدم

ترى ضيفتنا أن التركيز على الشكل الشعري ليس مهما بالنسبة إليها، فالأهم -بحسبها- هو إيصال الصوت الداخلي ونثره عبر الكلمات وعبر موسيقى الشعر الطافحة بالجمال، وهو الأمر نفسه الذي جرى في مجموعتها الأولى إذ احتوت على الشكلين؛ العمودي والتفعيلة.

وتستأنف رأيها بالقول “أجد نفسي في كتابة التفعيلة أكثر ويتدفق الشعر إلى روحي عبر غيومها أكثر وهو ما انعكس على شيوع النص التفعيلي في المجموعة. وقد قرأتُ لآخرين مجموعات كثيرة احتوت على أكثر من شكل ولا أجده مربكا، بل متكاملا؛ لأن الشعر قيمته في جوهره لا في شكله وتوزيع تفعيلاته. أما أن تكون المجموعة ذات مناخ شعري واحد فأعتقد أنه أسلوب مغرٍ بالاهتمام به والتفكير في اتباعه في إحدى المجموعات القادمة”.

النعماني اهتمت بشكل متفرّد بتاريخ حرب ظفار
النعماني اهتمت بشكل متفرّد بتاريخ حرب ظفار

شميسة النعماني متخصصة في الحقل الإعلامي، وترأس قسم الصحافة بدائرة الإعلام في وزارة التراث والثقافة، وقد نالت في الصحافة شهادة الماجستير. هذا الاهتمام دفعني إلى سؤالها عن قراءتها الشخصية لحرية الرأي والتعبير في ما يخص الصحافة العمانية على وجه الخصوص، ولا سيما بعد مجموعة استدعاءات طالت المثقفين العمانيين على خلفية رأيهم السياسي.

تجيب “قيمة حرية الرأي والتعبير في عموم العالم كله في الوقت الراهن تعاني من التضييق على مساحاتها وحرمانها من الحق الطبيعي في أن تكون متاحة لكل فرد، ويمكنه دون خوف أن يكتب وينشر ويتحدث ويناقش ويطرح ويعتب وينتقد ويقترح ويتقصى الحقائق ويطالب بمعرفتها، وقد أشارت منظمات العالم الدولية المعنية بحرية الصحافة إلى هذا الانحدار الحاصل في حق الفرد في التعبير. وأشهر قضايا الصحافة العمانية في السنوات الأخيرة هي إغلاق جريدة الزمن نهائيا إثر طرحها لقضية شائكة تتعلق بالقضاء، ورغم عدم معرفتي بخلفيات الحدث قضائيا لكن إيقاف أي صوت صحافي هو أمر يمثل مُشكلة في عصرٍ رفعنا فيه سقف توقعاتنا الإعلامية، وفي عصرٍ استطاعت فيه وسائل التواصل الاجتماعي أن تكون صوتا صحافيا لكل مواطن دون الحاجة إلى إذن حكومي أو تصريح رسمي أو شهادة أكاديمية”.

وفي معرض حديثنا عن تاريخ حرب ظفار الذي اهتمت به بشكل متفرّد تقول النعماني “وقعت حرب ظفار من عام 1965 إلى 1975، وأُصدرت جريدة عمان عام 1972، ما يعني أن جريدة عمان عاصرت الحرب في نصفها الثاني وتَشَكَّل خطابها الصحافي إزاء الحرب كما تستدعي المرحلة التي مرّت بها السلطنة آنذاك”.

وتضيف “الخطاب الصحافي سابقا كان أقوى من الآن، وأكثر ثراء وعمقا، بينما يعاني الخطاب الصحافي حاليا من السطحية والفقر المعرفي؛ لعدم امتلاك الكثير من الصحافيين لأدوات المثقف الحقيقي وأهمها القراءة المستمرة والتحليل المنطقي”.

وتشير النعماني في ختام الحوار إلى أن “المشهد الشعري العماني بشقيه الفصيح والشعبي ناشط ومتجدد بأقلام الشعراء ولا سيما البارزين فيه، وإذا حددتُ الحديث عن الفصيح لكونه المجال الذي أكتب فيه فأستطيع القول إنه حديقة غناء تبزغ فيها كل يوم زهرة جديدة سواء كقصيدة أو شاعر أو صورة فنية أو منتج شعري، وهو مشهد مُشرِّف وله صيته في الفعاليات العربية والدولية، لكن هذا المشهد الفاعل حتى خليجيا وعربيا فإنه يعاني من غياب النقد بشكل شبه كلي، فالشعر يتقدم ولا يواكبه نقد مستمرّ وحقيقي ومتمكن، ما يجعل الشاعر يكمل مشواره دون الاستماع إلى صوت آخر حول نصوصه”.

15