شهاب غانم شاعر وعالم يقتفي آثار شهداء الإمارات

الأحد 2015/09/20
غانم موسوعي شهد النهضة وعمران الإنسان

حين عرفت شهاب غانم عن قرب، أحسست أني أعود إلى الجذور الحضارية الأولى التي نمت بواسق في اليمن، ثم نشرت أفنانها سرحة وارفة الظلال، يفيء تحتها الطامحون إلى قطوف دانية، ومشاعر حانية، وهم ينعمون بكون الإيمان يمانياً.

كان التعارف بيننا قصائد تتلى، فتنساب رقة حين ينشدها، وتجتاز الآذان إلى القلوب والعقول دون إذن أو تردد، فقصائد شهاب يجتمع فيها أمران، أولهما ما قاله هوايتهد “البساطة هي الجمال”، والثاني ما قاله ابن المقفع “ما يقرؤه الجاهل فيظن أنه يحسن مثله”، وانظر في قوله عن الناس وتشبيههم بالأكياس:

“والناس مثل الأكياس، لكن، بعيون، وبآذان، وبإحساس

ما الفرق إذن بين الناس

أو قل بين الأكياس

الفرق الفارق في الروح، وفي العقل، وفي الإحساس”.

وهذا النص على بساطته يلخص فلسفة متكاملة في رؤية شعرية للبشر، تقرؤه بسهولة ويسر، فإن أمعنت النظر وجدت أن الشاعر يقدم فلسفة بسيطة للأسرار الكبرى في الكون البشري.

وقد يقول قائل إن مثل هذا النص لا يحمل صوراً شعرية، وإنما هو يتكئ على البعد الحرفي والجرس الموسيقي، لكن الصورة في التشبيه بين الناس وبين الأكياس كافية أن تطلق أعمق ما في الإحساس.

المهندس الشاعر

وحين عرفت المزيد عن صديقي شهاب، ازددت شعوراً بالاعتزاز، كنت ظننت في البدء أنني أمام شاعر مطبوع، متخصص في شؤون اللغة العربية، متمرس باللغة الإنكليزية، وكنت قرأت بعض ترجماته الشعرية إلى العربية ومنها إلى الإنكليزية، لكنني سرعان ما عرفت أنه مهندس كبير، حائز على البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة أبردين بأسكوتلندا منذ العام 1963 ثم البكالوريوس في الهندسة الكهربائية، وعلى الماجستير من الدرجة الأولى في تطوير موارد المياه من جامعة روركي بالهند العام 1975. وحائز أيضاً على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كارديف في ويلز في بريطانيا في العام 1989.

عرفت أنه تسلم عدة مسؤوليات هندسية إنشائية كبيرة في حياته فقد كان مديراً للدائرة الهندسية لميناء جبل علي بدبي، ثم أول مدير عام لمدينة محمد بن راشد للتقنية، وقد جمع مع هذه المسؤوليات الصناعية والهندسية رئاسة تحرير مجلات هندسية وأخرى أدبية، وهو بذلك يقدم نموذجاً للعالم والأديب الشاعر، ويذكرنا بعلمائنا الموسوعيين الأوائل الذين جمعوا بين الطب والهندسة والرياضيات والفلسفة والشعر والأدب.

بين شط وآخر

وإذا كانت البساطة بوصفها الجمال هي مفتاح شخصية شهاب غانم، فإن الوراثة هي السر في ذلك، ذاك أنه لا يكتفي بأن يذكرنا بعلمائنا الموسوعيين في سعة الاطلاع وتعدد المواهب والاهتمامات، والمزج بين العلم والفنون، وإنما يذكرنا كذلك بالسلالات الإبداعية في تاريخنا الأدبي والإبداعي على ندرة وجودها عامة، فنحن نذكر أسرة زهير بن أبي سلمى التي قيل فيها “ما اجتمع الشعر في أهل بيت كما اجتمع في بيت زهير، فأبوه شاعر وزوج أمه الشاعر الكبير أوس بن حجر، وخاله بشامة بن الغدير، واختاه سلمى والخنساء شاعرتان كبيرتان، وابناه بجير وكعب بن زهير (صاحب البردة) ومن أحفاده عقبةُ بن كعب”.

ولم أكن لأشير إلى الوراثة الإبداعية لو أن شهاب غانم، كان قد ورث وحده دون إخوته الشعر والأدب وحب العلم عن أبيه وعن جده لأمه، لكنني حظيت بمعرفة شخصية أعتز بها مع الشاعرين اللامعين الطبيبين البارعين، البروفسور د. قيس غانم الذي ترأس لعدة سنوات جمعية أطباء الأعصاب في كندا (وهو طبيب وروائي وشاعر) و نزار غانم الذي يعمل أستاذا في كلية الطب بصنعاء، وله العديد من الكتب والأبحاث وله اهتمام ومعرفة واسعة في مجال الموسيقى في اليمن والخليج والسودان، وقد عرفت الكثير عن الشقيق الراحل عصام غانم الذي كان أستاذا في القانون وشاعراً مطبوعاً، أما شقيقتهم فهي عزة غانم أول برفيسورة في اليمن.

شهاب غانم يدرك أهمية هذه الوراثة والبيئة الأدبية العلمية في تكوينه ، وهو يقول “كان من حسن حظي أن أنشأ تحت ظلال والدي العالم الشاعر الدكتور محمد عبده غانم، أوَّلَ خِريج جامعي في الجزيرة العربية، ووالده السيد عبده غانم رئيس نادي الإصلاح في مدينة التواهي، وجدّي لأمي رجل النهضة الأول في عدن المحامي محمد علي لقمان مؤسس الصحافة العربية والإنكليزية الحديثة، ومؤلف أول رواية يمنية عنوانها ‘سعيد’ وصديق المهاتما غاندي”.

والحديث عن شهاب غانم يتطلب دراسة أكثر من ستين كتاباً وديواناً وبحثاً في مختلف اللغات، فضلاً عن الأعمال الكاملة التي صدرت عن هيئة السياحة والثقافة في أبو ظبي، وقد أضاف إليها الشاعر عدة دواوين جديدة، بعضها من شعره وبعضها من ترجماته، ولكن الرحلة الشعرية تبدأ معه من ديوانه الأول “بين شط وآخر” الذي صدر في دبي عام 1982 مع أنه نشر قبله الكثير من القصائد المتفرقة إلا أنه تأخر في إصدار الديوان، وهو يذكر أنه تأخر عملاً بنصيحة والده بأن يتريث في الظهور الأول، الذي يمكن أن يصنع منه شاعراً ويمكن أن يقضي عليه، وهذه نصيحة لكل الشعراء الشباب.

وقد تنوعت المضامين الشعرية عند شهاب غانم ، لكنها بقيت تدور حول الجوهر الإنساني، وهو الذي تجسده القيم الفاضلة، فنحن أمام شاعر إنساني أخلاقي، يتقدم للبشرية بقلب مفتوح على المحبة، ويدعو إلى السلم العالمي، ويعجب من هؤلاء البشر الذين وصلوا إلى درجة عالية من التقدم العلمي لكنهم لم يستفيدوا من أخطائهم ومن جرائمهم الكبرى في الحروب:

ستون كتابا وديوانا وبحثا في مختلف اللغات، تشكل رصيد شهاب غانم الفكري والعلمي والأدبي، فضلا عن الأعمال الكاملة التي صدرت عن هيئة السياحة والثقافة في أبو ظبي، لكن الرحلة الشعرية تبدأ معه من ديوانه الأول {بين شط وآخر} الذي صدر في دبي أوائل الثمانينات

هو قرن الحواسيب

والطاقة النووية

والنعجة دولي

وقرن اقتحام القمر

يا لجهل البشر

كيف حربان كونيتان

بذاكرة الناس لم تترك أثرا

يا لجهل البشر

بل لشر البشر”.

ولا أقول إن شهاب غانم رثى الحضارة البشرية كما فعل إليوت مثلاً، ولا أخذته رؤية متشائمة أو عبثية كما فعل بيكيت وأمثاله، ولا ضاع عنه انتماؤه كما حدث لويلسون، فلديه من الإيمان بالله وبالإنسان ما يجعله يكتفي بالانتقاد لما هو شر من صنع البشر، وبالإشادة بما هو خير، وهو في قصيدته عن الموت والحضارات يعمق إيمانه بالسلام ويذكّر الناس بالخالق العظيم الذي حرر الإنسان وبين له طريق الخلاص، ذاك أن العبودية لله وحده تعني التحرر الكامل من عبودية الإنسان للإنسان:

“إياك نعبدُ خالقي

من قلبِ قلبِ الخافقِ

فلأنت ملءُ مغاربي

ولأنت ملءُ مشارقي

وهواكَ يَنْبوعُ الصفاءِ

لكلِ قلبٍ عاشقِ

وهواك مفتاحُ الوجودِ

وبابُ كلِ مغالق

فلك الركوعُ.. لك السجودُ

من الفؤادِ الواثقِ”.

وهذه ليست قصيدة دينية محضة، إنما هي قصيدة نجوى خلاص روحي، هذه الروحانيات موجودة في كل قصائد شهاب، لأنها هي التي تحرك شاعريته، فالروح عنده هي مصنع الإبداع والإلهام.

عفاش والحوثيون

وبين مضامين شعره تبرز الروح الوطنية، فهو يتحدث عن اليمن وعن الإمارات التي عاش فيها جلّ حياته وحمل جنسيتها بإخلاص، كما تبرز انتماءاته الكبرى للعروبة التي تجري نسغاً في عروقه، وللإسلام الذي تشدو به روحه، وللقيم الكبرى التي صارت ثوابت عقله، وللإنسانية التي هي عالمه الأرحب والأوسع.

حين يتحدث عن عدن وعن صنعاء تشعر أنه يتحدث عن أمه وأبيه، وهو يرى أن أحبّ كتبه إليه هو كتابه الشهير “صورة مدينتين”، ويقصد بهما صنعاء وعدن، واللافت أنه يفضل من بين كتبه كتابه “الصناعة في دولة الإمارات” وهو في هذا الموقف يستعيد شخصية المهندس والمتخصص في إدارة الموارد البشرية، وحديثه فيه تأريخ لنهضة دولة الإمارات وقد عاصرها وأسهم فيها من منتصف السبعينات، وهو اليوم يعيش وفاء للبلدين معاً ولا سيما مع امتزاج الدم العربي (اليمني والسعودي والإماراتي) دفاعاً عن اليمن، وقد كتب مؤخراً قصيدة سياسية يرثي فيها شهداء الإمارات الذين قدموا دماءهم من أجل اليمن ومن أجل العرب والإنسانية التي ترفض الظلم والعدوان ويقول في قصيدته “البطن الثالث” مخاطباً من سمّاه “عفاش” ويقصد المخلوع صالح، ومعه الحوثيين الذين يدمرون اليمن:

شهاب غانم يقدم ذاته على صورة العالم الموسوعي الأديب، فهو شاعر متخصص في شؤون اللغة العربية، متمرس باللغة الإنكليزية، حائز على البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية من جامعة أبردين بأسكوتلندا منذ أوائل الستينات، ثم البكالوريوس في الهندسة الكهربائية، وعلى الماجستير من الدرجة الأولى في تطوير موارد المياه، وحائز أيضا على الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كارديف في ويلز في بريطانيا

“كيف اتفق الحوثيون مع عفاش؟

كيف اتفق النهاشون مع النهاش؟

فالحوثيون يرون أن الحكم يكون حتى يوم الدين

محصوراً في أحد البطنين

والعفاشيون

يريدون بأن يبقى حكم اليمنيين

في البطن الثالث

الوارث يتبعه الوارث

عفاش وسلالته من نهابين

من سرقوا ستين

من مليارات الدولارات

والشعب يعاني من بؤس وشتات

ويعاني فقراً.. جوعاً.. جهلاً.. مرضاً..

عبر السنوات

لا ينجز إلا تخزين القات

ومشاهدة الرقص على رأس الثعبان

كيف ترى اتفق الطرفان

على ذبح الإنسان

وتدمير البنيان؟

السر: أنو شروان

لكنْ لن يجنوا غير الخسران

هم وصفوا بـحثالة

تتمرغ في أوحال عمالة

هيهات تبيع بلاداً ذات أصالة

تدعى يمن الإيمان”.

جائزة طاغور

كتب شهاب منذ سنين عن بيروت، “الحسناء المعتادة أن تسترخي تحت الأنغام، أمست لا تجد مكانا لتنام، إلا فوق الألغام”، وكتب عن أطفال الحجارة، وتنوعت قضاياه الشعرية حتى يمكن القول إنه كتب في كل ما يتعلق بقضايا الإنسان، ولعل من أجمل ما كتب تلك القصيدة الطريفة التي داعب بها حفيدته “الهنوف”، وفي هذه القصيدة تبرز قدرة شهاب غانم على الكتابة الشعبية، فضلاً عمّا فيها من روح السخرية والفكاهة، ولا يمكن أن يتجاهل الباحث في شعر غانم أنه شاعر الغنائية العذبة، كثير من شعره ملحّن ومغنّى، وبعض قصائده غناها سامي يوسف بالعربية والإنكليزية وغنى أشعاره فنانون كثر.

شخصية شهاب غانم المترجم تحتاج إلى بحث واسع متخصص، فقد تمكن من أن يكون جسر تواصل بين الثقافات، ونصف نتاجه الأدبي ترجمات، مع إصراره على أنه هاو للترجمة وليس محترفاً، وهو يرى أن الشعر قابل للترجمة خلاف ما كان يعتقد الجاحظ، ولكن لا بد أن يكون المترجم للشعر شاعراً كي يحسن التقاط الجوهر الشعري، وقد ترجم شهاب بعض أشعاره إلى الإنكليزية، وترجم أشعار شعراء كبار عن الإنكليزية.

المهم هو جهده الكبير في ترجمة إنتاج شعراء وشاعرات الإمارات إلى الإنكليزية وعنها إلى العربية، فبعض الشاعرات في الإمارات كتبن بالإنكليزية، وقد تنبهت لهذا الجهد الضخم دوائر ثقافية كبرى في العالم، حتى بات شاعرنا سفيراً فوق العادة لثقافات الأمم وهو يتنقل بين البلدان في العالم، يتابع المؤتمرات واللقاءات، ويعقد في دبي مهرجان “القلب الشعري” السنوي العالمي، ويسهم بقوة في جعل الشعر الإماراتي حاضراً متألقاً في خارطة الشعر في العالم.

نال شهاب غانم العديد من الجوائز الكبرى تقديراً لجهده الذي بلغ أكثر من ستين كتاباً، لكن أهم هذه الجوائز هو “جائزة طاغور للسلام 2012” فهو أول عربي ينال هذه الجائزة الدولية التي تمنح في العادة لكبار الشخصيات العالمية، وتم اختياره شخصية العام 2013 وكان قد نال جائزة العويس مرة للإبداع ومرة وأخرى للترجمة، كما نال مرتين جائزة معرض الشارقة، وجائزة راشد للتفوق العلمي، وتمّ تكريمه على صعيد محلي وعربي ودولي، ومؤخراً نال قلادة السلام في العام 2012 من منظمة سوجي جاكاي اليابانية.

والحديث عن العالم الصديق شهاب غانم يحتاج إلى بحث كبير يشمل مناحي إبداعه وثقافته وجهده الدولي في حوار الثقافات والتقريب بين الحضارات، فضلاً عن إبداعه الشعري وترجماته، وعن مؤلفاته التي كان آخرها قاموس الأمثال الإنكليزية وما يعادلها في العربية، وهو أضخم إنجاز من نوعه في الثقافة العربية ويضم ألفاً وخمسمئة مثل، وقد اشتغل عليه شهاب غانم خمسة عشر عاماً، ومن حسن الحظ أن ابنه الدكتور المهندس وضاح غانم بدأ يظهر وريثاً للعائلة الأدبية، وقد نال مؤخراً درجة الدكتوراه في الحوكمة من جامعة براوفورد من بريطانيا، وكان قد اشتغل مع والده على كتاب “تفسير الفاتحة” بالإنكليزية، وهو فاتحة جهد متصل يتابعه سليل أسرة علم وأدب.

8