شهادات عن ريشة عمر حمدي صائد الأضواء الهاربة

الاثنين 2016/12/05
أعمال مالفا بعثت الحياة من جديد في الفن الانطباعي

فيينا - تروي مجموعة من الفنانين والنقاد والكتّاب، سيرة حياة وإبداع الفنان التشكيلي السوري عمر حمدي المعروف في العالم باسم مالفا، الذي رحل عن عمر ناهز الرابعة والستين، مؤخرا، في العاصمة النمساويّة فيينا، بعد معاناة طويلة مع مرض عضال.

ويحكي الكتاب الموسوم بـ”مالفا”، والواقع في 128 صفحة، على لسان المشاركين فيه، عن أعمال عمر حمدي الفنيّة، إذ غطى عدة عقود من تجربته الفنية التي تجاوز عمرها نصف قرن من الزمن، وبدأها في مسقط رأسه بمحافظة الحسكة السوريّة (مواليد عام 1951) ثم تابعها في دمشق، ثم في فيينا التي أقام فيها منذ العام 1978 وحتى رحيله.

يتألف الكتاب، الصادر عن “صالة آرت فورم”، بفيينا، من نصوص نقديّة حول تجربة حمدي، عائدة لكل من أسعد عرابي، أديب مخزوم، طارق الشريف، محمود شاهين، سعد القاسم، صلاح الدين محمد، سعيد الرفاعي، بشار العيسى، محمود علي السعيد، أسعد الكفري، غازي الخالدي، ناديا خوست، سلوى صبري وسعد الله الطويل.

ويرى أسعد عرابي أنه على الرغم من أن عمر حمدي نهل في تجربته من حساسيّة انطباعيي باريس وروافدهم، ومن مدرسة فيينا الغنائيّة، ظلت مقاماته اللونيّة نسيج ذاتها، وعندما مال إلى التجريد، عجنت خصائصه المتميزة شتى هذه التوليفات في قبضة إبداعيّة واحدة تكشف عن موهبة نادرة في التعامل مع اللون.

أما أديب مخزوم فيرى أن أعمال الفنان بعثت الحياة من جديد في الفن الانطباعي. وتحوّل بحثه نحو لونيّة الأضواء الهاربة والمتبدلة على سطح الأشياء، وفي مرحلته التجريديّة، خلقت مناخاته اللونيّة حولها أجواء الطرب، وإيقاعات النغم عبر غنائيّة اللمسة التي شكلّت امتدادا طبيعيّا لتحليقاته الانطباعيّة السابقة المرتكزة على المنظور الجوي. ومن جانبه يؤكد طارق الشريف على أن عمر حمدي استعان بالصياغة التعبيريّة للوحة الفنيّة التي ساعدته على رصد معاناة الناس، وذلك عن طريق الأشخاص الذين رسمهم والأرض تُحيط بهم من كل جانب.

كما أشار محمود شاهين إلى أن جملة من القضايا أرّقت الفنان طويلا منها: أمه، الحزن، شوق السفر، الانعتاق المسكون برغائب غير واضحة، عيون المتعبين من شعبه، هؤلاء المزروعون كالصدفة النادرة في بريد الفرح. هذه الأشياء أرّقته من جهة، ومن جهة ثانية، شكّلت حافزه الأقوى لأن يعطي ويستمر بالعطاء، حتى وصل إلى المرحلة التي شكّل فيها مع اللون كلا واحدا. أما سعد القاسم فقد أشار بدوره إلى أن وفرة الألوان في البلاد البعيدة، استجابت لما يمتلكه عمر حمدي في مخيلته المبدعة من مخزون لوني ثري.

كما استجابت لوحاته لميله إلى مساحات اللوحات الكبيرة، تحلق فيها عين المشاهد بحرية وسلام، فكان لأعماله عن الطبيعة إغواء تعجز العين عن تجنبه. وهذا ما يؤكده صلاح الدين محمد، الذي أشار إلى أن مالفا (عمر حمدي) ابن بيئة خاصة جدا، لم تعد معهودة في عالم اليوم، لهذا فإن زيتياته تمتد جذورها إلى البيئة السوريّة في خصوصيتها: تراثها، فلكلورها، وقيمها الجماليّة المنفردة.

ومن جانبه يشير سعيد الرفاعي إلى أن حركة الفرشاة في لوحة الفنان تبدو مرئيّة في اتجاه تارة، وتارة أخرى في اتجاه آخر، متصلة، منقطعة، هادئة، وعنيفة، أي تتحرك حسب حالة الفنان الداخليّة، والحركة هذه هي أساس اللوحة وذات الفنان. الريح، الماء، الصدى: أقانيم مرئيّة في استقرار بلا حدود، والرمز لون، هذا اللعب الفني المجبول بالألم، والمتداخل مع القيم التصويريّة الحديثة للوحة.

ويؤكد بشار العيسى أن عمر حمدي علامة في الفن التشكيلي السوري، علامة شاذة تكوينا ثقافيا وموروثا حضاريا وأسلوبا فنيا. علامة تأخذ قيمتها من تكوينها وليس من إعلامها، فيما يذهب محمود علي السعيد إلى اعتبار الواقعيّة التعبيريّة لدى عمر حمدي تتمحور بشكل بؤري ناشط حول إنسانيّة الموقف الإنساني، وبخاصة المسحوق منه، عبر بلورة جليّة لتموضعات الوجوه بأشكال وهيئات متباينة.

أما أسعد الكفري فيوضح أن المتلقي يحس بالخوف أمام لوحة عمر، لكنها تمنحه دفئاً آخر: مسالما، شاعريا، وعاطفيّا إلى حد العنف. هذه القساوة تطل من اللون الأحمر حين يسيطر على أنحاء اللوحة، رغم تركه لبقعة بيضاء متلاشية مع كثافات لونيّة في فراغ داكن، في أعمال يحتشد فيها التوتر.

وترى ناديا خوست بدورها أن عمر حمدي يدفعنا إلى التساؤل: هل التعبير عن عبق التراب والزمان وألوان البلاد، حق للفن في التجذر والتنوّع؟ بينما يشير سعدالله الطويل في مشاركته-شهادته في الكتاب، إلى أن الكتابة عن فنان مثل عمر حمدي (مالفا)، تعني تحمل مسؤوليّة نقديّة متميزة تتوازى وقيمة أعماله، وبالتالي أهميّة هذه الأعمال في المرحلة الفنيّة المعاصرة، وهي تتنفس رغم السلطة الإعلاميّة التي تمارسها الحركات العالميّة المعادية.

15