شهادة أسير ألماني على حكم المهدية في السودان

"سجين الخليفة" كتاب يكشف انتهازية أصحاب الخطاب الديني في تسيير وتوجيه الناس.
السبت 2020/06/13
القوات البريطانية تهزم دراويش المهدي في معركة أبو طليح

لم تتم حكاية الثورة المهدية في السودان فصولها كما يقولون، فما زالت بحاجة إلى دراسات وافية، ويمثل كتاب “سجين الخليفة” لتشارلز نيوفيلد إطلالة جانبية مهمة على أحداث الثورة، ويكشف بذكاء انتهازية أصحاب الخطاب الديني للوصول إلى السلطة.

ثورة المهدية بالنسبة إلى البريطانيين حدث استثنائي انغرس في وجدانهم سنين عددا. وليس أدلّ على ذلك من أن الشاعر البريطاني الكبير روديارد كيبلنغ (1865 – 1936) كتب في إحدى قصائده عن الثائر السوداني محمد المهدي الذي قلب السودان رأسا على عقب، وسمّاه الأشعث، ووصفه بأنه يقفز بين الأحراش حاملا ترسا وحربة، وقال له “أيها الفارس اللعين والمقاتل المصطفى، إليك يا ذا الشعر الثائر، تهانينا فقد كسرت المربع البريطاني”.

مثلت الثورة مُنذ قامت في مارس 1881 انطلاقا مبكرا لرجال الدين لانتزاع السلطة، إذ دعا محمد أحمد المهدي زعماء القبائل لمبايعته بعد أن رأى النبي محمد في المنام وأخبره أن يبدأ دعوته ويستولي على السلطة.

بالفعل ثارت القبائل معه وطردوا الإدارة المصرية، ثُم حققوا انتصارات متوالية على القوات البريطانية التي ذهبت إلى هناك بقيادة تشارلز غوردون، ومعها فلول الجيش المصري المنهزم مع أحمد عرابي، وانتهى الأمر بحصار قوات المهدي للخرطوم واقتحامها وقتل غوردون نفسه، ثم توفي المهدي لاحقا وخلفه عبدالله التعايشي الذي حمل لقب الخليفة.

من هُنا تكتسب أي شهادة بشأن تلك الأحداث أهمية قصوى لتفتح لنا نافذة على أحداث غرائبية مثيرة، ربما مثلت استثناء في تاريخ الاستعمار للمنطقة العربية، ويمثل كتاب “سجين الخليفة” لتشارلز نيوفيلد شهادات لم تطلع عليها الأجيال الحديثة. لقد كان من المفيد أن يتيح مشروع “غوتنبرغ” البريطاني لنشر الكتب القديمة والنادرة ذلك الكتاب للباحثين للاستفادة من شهادات لم تطلع عليها الأجيال الحديثة.

يحكي الشاهد عن سجناء معه وكيف كان الخليفة عبدالله التعايشي يوظفهم لتحقيق انتصارات جديدة لدولته

صدر الكتاب سنة 1899 في لندن عن دار شابمان ـ هال، في 25 فصلا ونحو 330 صفحة، ويحكي تجربة ذاتية لرجل أعمال ألماني الجنسية هو تشارلز نيوفيلد كان على اتصال بالجيش البريطاني، وحصل على إذن للدخول لشراء صفقة صمغ عربي مُغرية، لكنه وقع في الأسر لدى قوات المهدي، وظل سجينا اثني عشر عاما في أم درمان خلال فترة التعايشي.

يمتاز الكتاب عن غيره من شهادات متنوعة بشأن السودان في زمن الخليفة بعدة سمات تجعله مرجعا مُهما، أولاها أنه شهادة رجل مدني غير بريطاني، ما يجعله أكثر حيادا تجاه الأحداث. كما أن مؤلف الكتاب هو نفسه شاهد العيان المباشر على الأحداث، إذ يحكي ما رآه وعاشه، لا ما نُقل إليه أو استنبطه، ما يُرجح مصداقية الشهادة. فضلا عن ذلك ضم الكتاب صورا فوتوغرافية قديمة ونادرة تم تصويرها آنذاك بإتقان، رغم بدائية فن التصوير الفوتوغرافي، وتوزعت على فصول الكتاب المختلفة.

جاءت مقدمة الكتاب تقليدية، وفيها ركز الشاهد على ما دعاه إلى الكتابة، مشيرا إلى رغبته في توضيح ما جرى له بالفعل وسرده بعد أن شاعت روايات خيالية بشأن أسره، ووصل الأمر إلى حكايات نشرتها بعض الصحف الأوروبية بتعرضه للقتل سنة 1887 ما سبب ألما بالغا لأقاربه ومعارفه.

ونشر البعض الآخر قصصا مختلقة تشير إلى أنه كان آخر شخص تحدث إلى غوردون قبل مقتله، علاوة على اتهامات له بتجسسه لصالح الإنجليز، وغيرها من الاجتهادات التي دفعته إلى ضرورة تقديم شهادته الشخصية مباشرة.

بداية الحكاية

روديارد كيبلنغ: أيها الفارس اللعين والمقاتل المصطفى، إليك يا ذا الشعر الثائر، تهانينا فقد كسرت المربع البريطاني
روديارد كيبلنغ: أيها الفارس اللعين والمقاتل المصطفى، إليك يا ذا الشعر الثائر، تهانينا فقد كسرت المربع البريطاني

حكاية الرجل تبدأ في مطلع سنة 1887عندما كان في مدينة أسوان، جنوب مصر، والتقى بشخص اسمه حجال ضيف الله، شقيق إلياس باشا محافظ كردفان بجنوب السودان، وعرض عليه مشاركته في صفقة صمغ عربي ضخمة تزيد عن ألف قنطار بسعر مُغرٍ، وقال له إن مالك الصمغ خائف من أن تتم مصادرة بضاعته عند نقلها إلى الحدود المصرية.

كان كُل ما يحتاج إليه ضيف الله الوصول إلى رجل أعمال أوروبي على علاقة جيدة بالسلطة البريطانية الحاكمة في مصر لتسمح له بإدخال الصمغ. وبالطبع لم تكن قصة المهديين في حسبان رجال الأعمال الأجانب العاملين بين السودان ومصر، إذ كانوا يعتمدون على شيوخ القبائل داخل السودان، والسلطات البريطانية داخل مصر لتيسير نقل بضائعهم. المهم أن نيوفيلد حصل بالفعل على إذن من الجنرال سيتفنسون القائد العام للقوات البريطانية في مصر، لكن القائد البريطاني طلب منه أن ينقل مع قافلته المتجهة إلى كردفان رسائل إلى الشيخ صالح ولد سالم شيخ كبابيش، دعاه فيها إلى جمع الرجال لقتال من يسمون بـ”الدراويش”، أي المهديين.

ما جرى بعدها لم يكن غريبا في مثل هذه الأثناء، إذ وشى الدليل الذي أستأجره نيوفيلد به إلى أحد قادة المهديين، وهو ولد النجومي في دنقلة، حيث دبر كمينا للقافلة وقام بمصادرة كافة ما تحمله من بضائع وقرر إعدام الحرس وأسر نيوفيلد وخادمته ثُم أرسله مكبلا بالسلاسل إلى سجن أم دُرمان.

وُضع الأوروبي المُرفه في عنبر مُزدحم بسودانيين ومصريين مربوطة أقدامهم بسلاسل حديدية. كانت الوجوه حوله بائسة وتحمل مزيجا من الخوف والانكسار، وبدا الكثير من السجناء متوعكين وكان هناك مَن يعانون من مرض الجدري إلى درجة الاحتضار.

وشاعت في المكان روائح كريهة، ما جعل الأسير يؤمن بأن نهايته اقتربت، ولم يطق الثري المكان فأغمي عليه وأفاق ثم أغمي عليه مرات حتى شعر بالحُمى تغزو جسده، ولم تفارقه الكوابيس.

وبعد أيام جاءه رجل مصري اسمه حسن جمال ليسأل عن حاله، ثُم سمحوا له بإحضار خادمته الإثيوبية حسينة، وتم إلحاقها بخدم حريم الخليفة لتُعد له الطعام وتساعده.

الكتاب يمتاز عن غيره من الكتب بعدة سمات تجعل منه مرجعا مُهمّا أولاها أنه شهادة رجل مدني غير بريطاني

يتذكر السجين اسم سجانه، إدريس الساير، ويصفه بأنه غليظ وقوي البنية يحمل في يده سوطا، ويهابه الجميع، وقيلت في شأنه أساطير عديدة، منها أنه كان أحد اللصوص وقطاع الطرق قبل أن يلتحق بالمهدي ويجعله حارسا لسجن يضم الأشقياء واللصوص.

رغم ذلك فقد كانت صفات اللصوصية والسلب مغروسة في شخصيته إلى درجة أنه كان يُعذب بسوطه أي شخص يعتقد أن لديه شيئا له قيمة. وكثيرا ما كان الساير يجمع المساجين ليلقي عليهم خطبة دينية أو يبلغهم أوامر الخليفة أو يحذرهم من الهرب.

مشهد السجن نفسه لا يغيب عن ذهن نيوفيلد، فهو مكان مزدحم بمئات الأجساد، وممتلئ بالقاذورات والحشرات، تنتشر فيه الأمراض، ويكثر العراك ليلا حتى أنهم كانوا يجدون جثثا كل صباح لمن لا يحتملون البقاء.

يتذكر المؤلف كيف كان السجناء لا يجدون طعاما إلا الذي يرسل إليهم من أقاربهم ومعارفهم، وكانوا يأكلون منه الفتات، أما معظم الطعام فقد كان من نصيب الحراس. وكان مما لفت نظره أن السجناء يتكافلون في ما بينهم فيأكلون معا، وحتى أولئك الذين لا يجدون مَن يرسل إليهم طعاما لا يموتون جوعا.

ثمّ يعتاد السجين على عالمه الجديد ويتحدث مع زملائه ومعظمهم من المصريين الذين سقطوا في الأسر خلال معارك سابقة عن احتمالات خروجهم أحياء من ذلك القبر.

الصفحة الأولى من كتاب سجين الخليفة
الصفحة الأولى من كتاب سجين الخليفة

يقول الشاهد في كتابه “كان بعض السجناء من قدامى عساكر الجيش المصري الذين أسِروا عند سقوط الخرطوم وغيرها من المناطق كانوا ينتظرون يوما وراء يوم، وأسبوعا وراء أسبوع، وسنة وراء أخرى، ولديهم آمال كبيرة في أن ترسل الحكومة التي حاربوا من أجلها إليهم قوات لتحريرهم، لكن مع الوقت خبت الآمال تماما”.

كان النظام المتبع مع السجناء الأصحاء الخضوع لفترة تعليم وتلقين لمبادئ المهدية، على أن يتم تحرير مَن يؤكد اقتناعه وثقته في المهدية باعتبارها طريق الحق الأول، وساعتها يتم تعيينه ضمن جيوشها لقتال الأعداء.

خضع السجين الأوروبي لدروس تلقين من أحد أقارب الخليفة، ليُخبره بأن الملائكة كانت تحارب مع جيوش المهديين، وساهمت في قتل الجنرال غوردون، وبعد فترة عرضوا عليه اعتناق الإسلام وقبول الطريقة المهدية، فقرر اعتناق الإسلام، لكنه رفض الطريقة المهدية. وكتب عن ذلك “كنت أعرف جيدا ما يعنيه قبولي التام وإيماني بالمهدية، سيطلقون سراحي لكنهم سيجعلوني مسؤولا عن بعض القوات، بالطبع لم تكن لدي رغبة في أن يعثر علي في الميدان بعد القتال بجبة المهدية، وأنا مقتول برصاصة بريطانية”.

خلال محاولات التجنيد تم عمل جولة للسجين الأوروبي وسط سجناء آخرين إلى قصر غوردون، وبقايا هياكل عظمية لجنوده ليخبره رجال الخليفة أنهم سيفتحون القاهرة وسيكون مصير البريطانيين فيها مثل مصير غوردون ورجاله، لكنه لم ينجذب ويقبل الانضمام إليهم، ولما شعروا بالفشل في إقناعه أعادوه إلى السجن مرة أخرى.

يحكي الشاهد عن بعض السجناء معه وكيف كان الخليفة عبدالله التعايشي يوظفهم لتحقيق انتصارات جديدة لدولته، فمثلا كان من بين السجناء ثلاثة من أبناء زعيم قبيلة الشكرية، وبعد فترة طويلة في السجن عرض الخليفة عليهم الحرية مقابل إعلان القبيلة تأييدها والولاء التام له باعتباره الخليفة الأحق بالطاعة، وهو ما حصل بالفعل. وبدت شخصية التعايشي المُصدرة من خلال شهادة نيوفيلد، انتهازية، وشديدة المكر والدهاء، وتعتمد القسوة أساسا للحكم.

حكايات كاشفة

اللحظات الأخيرة للجنرال غوردون
اللحظات الأخيرة للجنرال غوردون

قدم الكاتب ذلك من خلال حكايات شهدها خلال فترة السجن، منها مثلا حكاية شيخ دين سوداني اسمه حمد النيل، لم يكن قد شارك في الحرب المهدية ولم ينضم إلى أي طرف، لكنه كان يحظى بشعبية كبيرة، ويقول للناس إن المهدي ومن معه كاذبون، ما دفع الخليفة إلى أن يُلفق له تهمة حيازة تمباك (دخان) في بيته، وكان محرما بأمر المهدي ثُم حكم عليه بالسجن ومصادرة أمواله.

وبقي حمد النيل مسجونا إلى أن اعتلّت صحته وقارب على الهلاك، فقام الخليفة بإطلاق سراحه، لكن تحسن صحته دفع الخليفة إلى أن يأمر بالقبض عليه مرة أخرى ليسجنه حتى الموت.

وحتى قرار الخليفة بالإبقاء على نيوفيلد حيا استهدف إقناع أنصاره بأنه فعل ذلك ليثبت للناس أن ملك ألمانيا يخاف أن يرسل جيشا لتحرير الأسير الألماني، لأنه يخشى بأسه وقوته.

في يوم من الأيام حضر شخصان إلى السجن وطلبا تشارلز نيوفيلد الذي تحول اسمه إلى عبدالله المسلماني، وقالا له إن الخليفة يريده، وتوقع الحاكي نهايته، فودع زملاءه ومضى معهما بسلاسله الثقيلة التي أصابت قدميه بالورم والقروح، غير أنه فوجئ بالخليفة يطلب منه أن يستعرض جيشه، ليرى صفوفا من الرجال والخيول والعتاد، وسأله أحدهم عن رأيه، فقال “إن لديكم الرجال والخيول لكن ينقصكم التدريب”.

أعادوه إلى السجن مرة أخرى ليتم تخفيف القيود عنه ويسمح له بالخروج كل صباح مع السجناء إلى شاطئ النيل للوضوء ثم الاصطفاف في الصلاة والجلوس بعدها لسماع القرآن وتفسيرات المهدي لها.

تشارلز نيوفيلد يكتب العربية في سجنه
تشارلز نيوفيلد يكتب العربية في سجنه

كان الحرس يقبلون بخروج البعض إلى النهر للاستحمام خارج الأوقات المقررة مقابل “بقشيش” يحصلون عليه ممّن هم لديهم أموال، لكن تكرار عمليات الهروب من خلال النهر دفع الخليفة إلى أن يأمر بحفر بئر يوصل ماء النيل دون أن يسمح لأحد بالوصول إلى النهر نفسه.

المهم أن مقام نيوفيلد بالسجن سيطول، لكنه سيحظى بالخروج بعد سنوات بسبب خادمته حسينة التي ستحمل من السجان إدريس الساير، ويُحقق الخليفة في الأمر ليعرض البعض على تشارلز نيوفيلد الإقرار بأن حسينة حامل منه حتى لا يخضع الساير لتطبيق الحد.

وهنا سيقومون بإخراجه من السجن وتحديد إقامته داخل أم درمان، وبالفعل يوافق على الزاوج بـحسينة ويعمل طبيبا لأسرة الخليفة عبدالله التعايشي ليبقى محدد الإقامة داخل أم درمان، ثم يتابع الشاهد قصص هروب الكثير من السجناء ومنهم رودلف سلاطين.

ويحكي بعد ذلك عن بدء إرسال رسائله إلى قادة القوات البريطانية والقنصل الألماني في القاهرة يخبرهم فيها بأنه حي، بعد أن فشل في الهرب، ثم تنتصر القوات على المهديين في عدة معارك وتقبض على الخليفة وتعدمه لتنتهي الحركة المهدية تماما، وتحرر السجناء، ويعود بعدها الأسير الأوروبي إلى حريته.

يستعرض الشاهد آراءه بشأن السودان، قبائله، عادات أهله، سماتهم الإنسانية، وتصوره للناحية الدينية في تسيير وتوجيه الناس، مع قراءة سريعة لفكر المهدي، لينتهي في النهاية إلى أن المهدية لم يقيموا حكما أفضل وأعدل من الحكم الذي أطاحوا به، وأنهى الرجل شهادته بأنه آن الأوان لنرى السودان بنظارات واضحة، وشفيفة، وأن ننظر إليه نظرة مختلفة عن النظرة السابقة.

16