شهادة العذرية تثير جدلا داخل المجتمع الجزائري

فتح قرار دائرة الطب الشرعي، القاضي بتجميد منح شهادات العذرية للفتيات المقبلات على الزواج، مقدمة لتحول كبير في مسائل هامة تتعلق بترقية حقوق المرأة في البلاد، وطي صفحة التحفظ والتقاليد الموروثة، تماشيا مع البنود المعدلة في قانون الأسرة، حيث سيتم لأول مرة وقف توثيق الحياة الخصوصية للمرأة، ووضع حد لحصر بعض التقاليد لمصير العائلة المستقبلية بجرة قلم.
الثلاثاء 2016/04/05
تعديلات تطوي صفحة التحفظ والتقاليد الموروثة

الجزائر – ذكرت مصادر مطلعة لـ“العرب”، أن الحكومة الجزائرية ماضية في تطبيق التعديلات الأخيرة على قانون الأسرة، برغم الانتقادات والتوظيف السياسي اللذين تمارسهما بعض القوى الإسلامية، فبعد وقف إصدار شهادات العذرية للفتيات المقبلات على الزواج، ينتظر أن يتم رفع شرط الولي في إبرام عقود الزواج، لتجد المرأة الجزائرية نفسها لأول مرة في حياتها، محررة من قيد الولي الذي كان يحسم مصيرها ومستقبلها.

وكان مصدر من دائرة الطب الشرعي، قد كشف مؤخرا عن وقف إصدار شهادات العذرية للفتيات المقبلات على الزواج بطلب من الزوج، وذلك تماشيا مع تدابير قانون الأسرة الذي دخل حيز التنفيذ، وأن السلطات الوصية أبرقت لمصالح الدائرة تعليمات في هذا الشأن بوقف إصدار مثل هذه الشهادات المثيرة للجدل.

وقال رئيس مصلحة الطب الشرعي بمستشفى مصطفى باشا بالعاصمة، الأستاذ رشيد بلحاج “إن مصالح الطب الشرعي جمدت منح شهادات العذرية، بحكم التعديلات الأخيرة لقانون الأسرة، وأن هذه الشهادات التي كانت مطلوبة بكثرة بالنسبة إلى الفتيات الراغبات في الزواج، لإثبات عذريتهن، من طرف الكثير من الأزواج، لا سيما في المناطق الداخلية، لن تصدر بعد الآن”.

واستثنى المتحدث إصدار الشهادات التي تتم بأمر من الجهات القضائية، بغرض إجراء التحقيقات العدلية في حالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية، وفرار بعض الفتيات من بيوت أهلهن، وحالات التشرد، والانخراط في الشبكات الإجرامية.

وأكد مصدر مسؤول من وزارة التضامن الوطني والأسرة لـ“العرب” أن “القرار جاء لتكريس التعديلات المدرجة على قانون الأسرة، الرامية إلى الحفاظ على خصوصية المرأة وحريتها وحرمتها”.

رفع شرط الولي في عقد الزواج، والمناصفة، هي مقدمات للانخراط الطوعي في اتفاقية سيدوا

وتتجه الحكومة الجزائرية إلى تطبيق التعديلات التي أدرجتها على قانون الأسرة، وإعداد قوانين تتكيف مع الدستور الجديد، لا سيما في ما يتعلق بمبدأ المناصفة، إلى جانب رفع التحفظ الجزائري على بعض بنود اتفاقية سيداو الدولية المتعلقة برفع التمييز عن المرأة، وذلك برغم المطبات المنتظرة والانتقادات الشديدة للأوساط الإسلامية.

وسبق لوزيرة التضامن والأسرة وقضايا المرأة، مونية مسلم سي عامر، أن عبرت عن تمسك الجزائر بقرار رفع التحفظات عن بعض بنود اتفاقية سيداو الدولية، بغرض مواكبة المكتسبات التي تحصلت عليها المرأة في الدستور الجديد، وشددت على أن رفع التحفظ لن يمس المواد التي تتنافى مع الشريعة الإسلامية.

وهو ما اعتبرته قوى سياسية وأهلية محسوبة على التيار الإسلامي “مراوغة لتخطئة الرأي العام، وأن الحكومة تتصيد الفرص للانقضاض على آخر القيم الروحية والحضارية الراسخة في المجتمع الجزائري، والحديث عن رفع التحفظات الرسمية على اتفاقية سيداو دون المساس بالمقومات الإسلامية، هو من قبيل ذر الرماد في العيون، وأن التعديلات المتعقلة بشهادة العذرية ورفع شرط الولي في عقد الزواج، والمناصفة، هي مقدمات للانخراط الطوعي في الاتفاقية”.

وكانت جمعية علماء الجزائر وبعض النواب الإسلاميين، على غرار النائب حسن عريبي، قد أثارا زوبعة حول التوجهات الحكومية الجريئة، وحاولا قطع الطريق عليها، بحشد القواعد المناوئة ومحاولة التأثير عليها، بتوجيه رسائل إلى الرئيس بوتفليقة من أجل دفعه إلى ثني الحكومة عن توجهاتها.

الحكومة الجزائرية تتجه إلى تطبيق التعديلات التي أدرجتها على قانون الأسرة، وإعداد قوانين تتكيف مع الدستور الجديد، لا سيما في ما يتعلق بمبدأ المناصفة

وكانت وزيرة التضامن الوطني وقضايا المرأة والأسرة مونية مسلم سي عامر، قد تحدثت عن “ضرورة رفع الجزائر تحفظاتها على بعض مواد اتفاقية سيداو الدولية، التي وقعت عليها في سنة 1996 تماشيا مع التغيرات الراهنة، فبعد التعديل الدستوري الجديد ومناصفته بين الرجل والمرأة، وتجريمه العنف الأسري ومختلف أشكال التحرش وغيرها من المكتسبات التي تحصلت عليها المرأة في محيطها الأسري ومجتمعها، باتت لزاما على الدولة إعادة النظر في بعض التحفظات”.

وطمأنت الوزيرة بأن “التحفظات التي سترفع لن تمس بمبادئ الدين الإسلامي المتعلقة بالتبني وإلغاء الولي والميراث وحرية المرأة في التصرف في جسدها”.

لكن في المقابل اعتبرت رئيسة المرصد الجزائري للمرأة شائعة جعفري، أن الهدف الرئيسي من الاتفاقية هو تقنين الزواج المثلي في الجزائر والتخلي نهائيا عن الولي في الزواج، وهو ما تم تطبيقه في الكثير من دول العالم. وأضافت “إن الجزائر لن تستطيع مقاطعة الاتفاقية أو التخلي عنها، لأنها شرعت في تطبيق العديد من اتفاقياتها، التي تمخضت عنها تعديلات قانون الأسرة الأخيرة، لكن بعض الجمعيات النسوية تطنب في توظيف الاتفاقية لأغراض مبالغ فيها”.

وأكدت المتحدثة “إعلان وزيرة التضامن الوطني، عن عدم مقاطعة الجزائر لاتفاقية سيداو مقابل رفع التحفظات على بعض المواد التي تتعارض مع الشريعة، هو إجراء مرحلي فقط، لأن الاتفاقية ستلزم الجزائر مستقبلا بتطبيق جميع بنودها، مثلما حصل مع مؤتمر “بيكين” الذي هو امتداد لاتفاقية سيداو، الذي ألزم جميع أعضائه في المؤتمر العشرين بتطبيق جميع البنود دون تحفظات، خاصة أن الجزائر عضو في هذا المؤتمر، وقد حضرته شخصيا رفقة وزيرة التضامن”.

وتابعت “أنا عضو في لجنة تطبيق اتفاقية سيداو في الجزائر، وأدرك أن هذه الاتفاقية تعمل على المدى الطويل، وهي تقنع وتلزم وتضغط على البلدان الأعضاء فيها، على التطبيق التدريجي والمرحلي لجميع موادها، من أجل إلغاء الفرق بين الرجل والمرأة، وتشجيع مفهوم الحرية الشخصية لدى الجنسين في الزواج”.

وتم اعتماد اتفاقية سيداو من طرف الأمم المتحدة عام 1979، وهي وثيقة دولية لرفع التمييز عن المرأة وتكريس حقوقها، ودخلت حيز التنفيذ منذ عام 1981، وتم التوقيع عليها من طرف جل المجموعة الدولية، باستثناء دول قليلة كالسودان وإيران، في حين أبدت أخرى تحفظها على بعض بنودها رغم توقيعها عليها على غرار الجزائر.

21