شهداء الإمارات.. شهداء العروبة

الجمعة 2015/08/14

عندما تودع دولة الإمارات العربية المتحدة شهداءها الأبرار ممن يقضون في ساحات الوغى دفاعا عن عروبة اليمن وحريته وكرامته واستقلالية قراره الوطني، يشعر أحرار وشرفاء الأمة، من المحيط إلى الخليج، بأنهم يقاسمونها مشاعر الفخر بتضحيات أبنائها في سبيل الحق والعدل والسلام، فإذا بعرس الشهيد يتجاوز حدوده القُطرية ليتخذ بُعده العروبي الواسع، وإذا بشهداء الإمارات هم شهداء الأمة جمعاء، دماؤهم نور على درب العزة والشموخ، وأسماؤهم خالدة بما أنجزوا في دنياهم من صالحات الأعمال يدرك قيمتها كل عربي أصيل يستوعب رمزية اليمن في تاريخ وحضارة وثقافة وانتماء العرب، وهي رمزية كان الشيخ زايد، رحمه الله، أبرز من أشاروا إليها في تاريخ العرب الحديث، عندما أكد أن كل عربي هو يمني بالضرورة، وأن لا عروبة لمن لا جذور له في تراب اليمن.

وعند افتتاحه للقسط الأول من مشروع إعادة بناء وترميم سد مأرب أواخر عام 1986 بمبادرة منه، قال الشيخ زايد “ما أعظمك يا أرض الآباء والأجداد”، ما يؤكد اعتزاز حكيم الأمة رحمه الله بجذوره اليمنية الصافية.

لست ممن يأتون بجديد إذا تحدثت عن قومية المشروع الذي أرساه الشيخ زايد في ديسمبر 1971 بتوحيد الإمارات السبع، أو عن طبيعة الفكر العروبي للزعيم الخالد ودوره في خدمة قضايا الأمة ومواقفه التاريخية، أو عن عقيدة القوات المسلحة الإماراتية منذ توحيدها في السادس من مايو 1976 التي عبر عنها زايد عندما قال “إن روابط الدم واللغة والعادات والتقاليد والتراث والآمال والمصير الواحد التي تجمع أفراد القوات المسلحة بدولة الإمارات مع إخوانهم بدول مجلس التعاون وتعكس أصدق مشاعر الإخلاص والمسؤولية بين أبناء الأمة الواحدة».

وعندما أعلن “دولتنا جزء من الأمة العربية يوحد بيننا الدين والتاريخ واللغة والآلام والآمال والمصير المشترك ومن حق أمتكم عليكم أن تشاركوا آمالها وآلامها، فكل خير تنالونه لا تقصر قيادتكم في إسدائه إلى أبناء أمتكم، وكل شر تتعرض له هذه الأمة لابد أن نسهم في دفعه بأموالنا ودماء شبابنا وسلاح جنودنا”.

كما أن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، القائد العام للقوات المسلحة، تحدث عن عقيدة القوات المسلحة الإماراتية في كلمة بمناسبة الذكرى الـ34 لتوحيد القوات المسلحة في مايو 2010 وقال إن “هذه العقيدة ترتكز في ثوابتها على الانتصار للحق والدفاع عنه، ورفض العدوان والتصدي له، وتكريس القانون وإعلاء شأنه، واحترام الآخرين وحقوقهم، والحرص على سيادة الوطن وعزته وكرامته”.

وبترجمة هذه العقيدة على أرض الواقع، يكون لدولة الإمارات دور طليعي في حماية اليمن وتحرير إرادته من المتمردين وتحصينها من التدخل الخارجي، وتدوين ذلك بالدم الطاهر على صفحات التاريخ، امتدادا مع عمق الترابط التاريخي والحضاري والثقافي والجغرافي والقيمي بين بلدين شقيقين وشعبين لهما ذات الملامح وذات الدماء التي تجري في شرايين أبنائهما، وقد وضع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة، النقاط على الحروف، عندما قال “إن النجاح في اختبار الأزمة اليمنية لا بديل عنه وهو خيارنا الوحيد لأجل بلدان الخليج ولأجل اليمن، وإن التحدي مهما كان صعبا فنحن قادرون عليه لأن البديل منطقة مضطربة وتهديد مستمر للخليج وأمنه واستقراره من خلال يمن ممزق ومنقسم”.

وأضاف “من واقع عروبتنا أولى علينا جميعا أن ندرك أن صيانة الفضاء العربي بعيدا عن التدخلات والمطامع هو مكسب مشترك علينا أن نسعى إليه مجتمعين”، إشارة إلى أن لا مجال للتلاعب لا فقط بالجغرافيا السياسية والأمن والاستقرار في منطقة الخليج، وإنما كذلك بالجغرافيا الحضارية والثقافية والاجتماعية التي تعطي لليمن عمقه الإستراتيجي على أكثر من صعيد، بما في ذلك الصعيد الروحي والأخلاقي، حيث أن العرب، وإن كانوا يهتمون بموقع اليمن الإستراتيجي المؤثر، فإنهم كذلك مدعوون إلى رد ولو القليل من جميل العروبة إلى مبعثها الأول الذي كان الشيخ زايد قد تحدث عنه في أكثر من مناسبة.

رحم الله شهداء الإمارات، فقد استشهدوا من أجل أمتهم في منبت جذورها الأولى.

كاتب صحفي تونسي

9