شهداء ليسوا شهداء

الخميس 2016/08/11

الكثيرون منا يؤمنون بفكرة الاستشهاد دفاعا عن مقدّس، سواء كان وطنا، أو دينا، أو عرضا، أو مالا، أو كرامة. ولكن الكثيرين منا أيضا لا يفرقون بين شهادة وشهادة. بين من يموت وهو مختار لموته بوعي كامل وباختيار حرّ، وبين من يموت وهو جاهل ومستغفَل يسوقه إلى الموت وجيه ليزداد وجـاهة، وقويٌ ليزداد قوة، وثريٌ ليزداد ثراء، وحاكم فاجر ليزداد ظلما وفجورا وحقارة.

وبمقاييس جميع المدارس الفكرية والفلسفية، والرسالات الدنيوية والسماوية، يُعدّ من يموت من أجل حاكم، أو رئيس حزب، أو قائد ميليشيا، مُستغفَلا، مضحوكا عليه، ومثواه جهنم ونيرانها التي تطـّلع على الأفئدة، وليست الجنة، كما أوهموه، وأنهارها ولبنها وعسلها وحورها العين.

ووفق هذه النظرية يكون قتلى جميع فرق الجهل الطائفي والعنصري والحزبي والعشائري، وأحزاب القتل على الهوية، لحساب الخليفة، أو الولي الفقيه، مغفلين، قتلوا أنفسهم قبل أوانها، دون سبب منطقيّ ومعقول.

ودافعي إلى هذه المقدمة المطولة هو أن “الأخ المؤمن” عمار الحكيم يطلب من وزارة التربية العراقية إدراج تدريس “الشهادة” في مناهجها الدراسية بجميع مدارس العراق.

تخيلوا رجل دين يُفترض أنه موكَّل بنشر ثقافة الحياة، وحقن دماء المسلمين، يريد أن يعلم الناشئين كيف يموتون، لا كيف يعيشون.

هذا مع العلم بأن وزارة تربية العراق الديمقراطي (الجديد) تشجع، منذ سنوات، أو تتغاضى، بعبارة أوضح، عن جيوش من معلميها الغارقين في الجهل والعصبية الطائفية والعنصرية، وتتركهم يلوثون قلوب الأطفال، قبل عقولهم، بالخرافات والأساطير والقصص المزورة الملفقة.

بل إنها تنفق المليارات من الدنانير على طباعة أطنان من الكتب والكراريس وتوزعها على مدارس العراق، والأجدر بها أن تحرق، وأن يحاكم مؤلفُها وناشرها، لأنها سموم قاتلة أخطر وألعن ألف مرة من المخدّرات التي تأتينا من إيران.

ولا تقل مسؤولية الأحزاب السياسية والمدارس والجامعات الإسلامية الأهلية، وأجهزة إعلام الطوائف المتقاتلة، كلها، عن مسؤولية وزارة التربية العراقية عن خسارة الوطن لقوافل شهدائها الذين يُدفعون إلى الموت، كل يوم، لخدمة جياع مال وجاه محنكين ماهرين في استثمار غباء الأغبياء، وجهل الجهلاء، وغفلة المغفلين.

ترى، كم عدد الذين قتلوا في حروب الأحزاب العراقية المتقاتلة، من نهاية الخمسينات وإلى يومنا الأغبر الحالي؟

كم هم الذين ماتوا خدمة لهذا الحزب، أو ذاك الزعيم، أو تلك العقيدة، سجنا، أو اغتيالا، أو سقوطا في حروب غبية دفع العراقيون أثمانها الباهظة، ومازالوا يدفعون؟

ليس للعراق مثيل في المتاجرة بأرواح مواطنيه سوى دول متخلفة مثله، قليلة، تساق فيها الجموع إلى المحرقة بأوامر قائد، أو نداء زعيم، أو راية شيخ، أو فتوى إمام.

أما بالمقابل، في الدول التي تحترم نفسها، فإن أول وأهمّ وأقدس الواجبات لدى حكوماتها، بكل وزاراتها ومؤسساتها الصحية والسياسية والتعليمية والمالية وحتى العسكرية، ولدى رؤساء أحزابها وقادة الفكر والصحافة فيها، هي الحفاظ على حياة المواطن، أيّ موطن، صغيرا كان أو كبيرا، غنيا أو فقيرا، ومن أيّ دين، وأيّ قومية، وأيّ مذهب. وأنتم ترون وتسمعون ماذا تفعل حكومات تلك الدول حين يحدث لواحد من رعاياها أيّ مكروه في أيّ بقعة من العالم، وكيف تهبّ لنجدته بوضع كل ما لديها من علاقات دبلوماسية واقتصادية، وحتى عسكرية إذا لزم الأمر، لضمان سلامته ولكي يعود إلى وطنه وأهله بسلام.

فأين هذا من ذاك؟ وإلى متى يظل سماسرة السياسة والدين عندنا، يسوقون شبابنا ورجالنا ونساءنا إلى “الشهادة” الباطلة، كما الأغنام، ولا يخافون ولا يستحون؟

كاتب عراقي

9