شهرام أميري العالم النووي الإيراني وقصة شنق معلن

الأحد 2016/08/14
إيران تعدم بطلها القومي لإخفاء أسرار مفاعلاتها

باريس - المكان هو مطار الخميني في العاصمة الإيرانية طهران. والزمان هو الخامس عشر من يوليو عام 2010، تحطّ طائرة تحمل على متنها عدداً من الركاب، يلوّح حسن قشقاوي نائب وزير الخارجية الإيراني آنذاك، لأحد الرجال والذي يتقدم بخطوات واثقة باتجاه صالة كبار الشخصيات.

عدد كبير من الصحافيين وعدسات المصورين تلاحق الرجل وهو يسير رافعاً شارة النصر، وراسماً على وجهه ابتسامة، ذلك الرجل ليس سوى شهرام أميري الذي قيل إنه عالم نووي إيراني، وإنه عاد حراً لأرض الوطن بعد أن تحرّر من الأسر.

هكذا أطلقت وسائل الإعلام الإيرانية العنان لخيالها لنسج أحداث تناسب تحويل حكاية أميري إلى فصل من فصول المقاومة والبطولة. لكن أميري قال للصحافيين “أنا ليست لي أيّ علاقة بالمواقع النووية. ولم أقم بأيّ أبحاث في المجال النووي. أنا باحث بسيط أعمل في جامعة مفتوحة أمام الجميع وليس فيها أيّ سرّ”.

قيل إن شهرام أميري كان يؤدي مناسك العمرة في المملكة العربية السعودية في يونيو العام 2009 وبينما كان في طريقه للمسجد، تقدمت منه مجموعة من الرجال الذين لم يكونوا سوى عملاء للاستخبارات الأميركية، وقاموا باختطافه بمساعدة المخابرات السعودية، ثم وضعوه في طائرة حربية طارت به حتى أوصلته إلى الولايات المتحدة، وتحديداً إلى مدينة تاكسون في ولاية أريزونا.

تعرض أميري، حسب الرواية الإيرانية، في الشهرين الأولين، لأسوأ عمليات التعذيب الجسدي والمعنوي. أما هو فأضاف إلى تلك الرواية الكثير من التفاصيل البوليسية في كل مرة أتيح له أن يتحدث عن “معاناته” وأشهر المأساة الطويلة التي مرّ بها، كما قال في أول ظهور له بعد أشهر من اختفائه من خلال مقطع فيديو، مضيفاً “أخذوني إلى منزل يقع في مكان ما لم أعرفه، وأعطوني حقنة مخدر، وكان هناك محققون إسرائيليون حاضرين أثناء استجواب المخابرات الأميركية لي”.

عرضت وسائل الإعلام الإيرانية مقطع الفيديو وبدأت حملتها على الولايات المتحدة، العدوّ الذي اختطف عالماً إيرانياً ليحصل منه على أسرار حساسة، التزمت واشنطن الصمت بداية، ثم قالت بأن أميري جاء إليها بمحض إرادته، وإن لا ضغوط مورست عليه. مضيفة أن الرجل تقدم بطلب لجوء إليها وإن طلبه قيد الدراسة حالياً. وقد ظهر أميري بعدها في مقطع فيديو جديد ليعلن أنه لجأ إلى واشنطن لإتمام دراساته والحصول على الدكتوراه.

صناعة الوهم

عاد أميري ليظهر في مقطع فيديو آخر، قائلاً “أنا شهرام أميري مواطن من الجمهورية الإسلامية، قبل دقائق نجحت في الإفلات من قبضة عملاء استخبارات أميركيين في فيرجينيا”. ومثلما فعلت في المرة السابقة، تولت وسائل الإعلام الإيرانية بث حديث مواطنها المخطوف، وعادت لتطالب واشنطن بالإفراج عنه.

المعلومات التي تتهم طهران أميري بتسريبها يبدو أنها ستظل أسرارا، بعد إعدامها له

قالت وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك هيلاري كلينتون “إن أميري حرّ في السفر وكان حراً في الحضور إلى الولايات المتحدة”، دون أن تشرح كيفية وصوله إلى بلادها على الأقل لتفنّد رواية الخطف الإيرانية.

لجأ أميري إلى السفارة الباكستانية في واشنطن باعتبارها تمثّل مصالح إيران في الولايات المتحدة إثر قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أعقاب ما يعرف بالثورة الإسلامية في إيران وحادثة احتلال السفارة الأميركية في العاصمة طهران. أطلّ بعدها الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية رامين مهمان براست ليعلن في مؤتمر صحافي أنه “بفضل الجهود التي بذلتها الجمهورية الإسلامية وتعاون سفارة باكستان في واشنطن، غادر شهرام أميري الأراضي الأميركية متوجهاً إلى إيران عن طريق بلد ثالث”.

وقال نائب وزير الخارجية الإيراني حسن قشقاوي “أميري سيعود إلى الوطن عن طريق قطر. سيكون المسؤولون والمواطنون في استقباله في مطار الإمام الخميني الدولي”.

نقلت إيران وقتها تصريحات لرئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي يطالب فيها الولايات المتحدة بالاعتذار من الشعب الإيراني بسبب اختطاف المواطن الإيراني شهرام أميري، معتبراً أن قضية اختطاف أميري هي واحدة من مئات العمليات المشابهة التي تقوم بها الولايات المتحدة في العالم الأمر الذي يعكس سياسة إرهاب الدولة التي تمارسها أميركا.

الجاسوس الخائن

وصل أميري إلى طهران وظلّ يعامل معاملة الأبطال. نفى أن تكون السلطات الإيرانية قد مارست أيّ ضغوط على عائلته لإجباره على العودة. وظهر على التلفزيون الحكومي ليروي حكايته وبطولاته.

لكن شهر العسل بينه وبين سلطات بلاده ما لبث أن انتهى بشكل مفاجئ، حين أعلن والده أن ولده قد اعتقل، واقتيد إلى مكان مجهول. بعد أشهر قالت السلطات الإيرانية إنها حكمت عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة التخابر مع جهات أجنبية وتهديد الأمن القومي.

السيناتور الجمهوري الأميركي توم كاتن يؤكد خلال مقابلة له مع قناة سي بي إس الأميركية أن الرسائل التي قام بتسريبها موقع ويكليكس والخاصة بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عندما كانت تشغل منصب وزيرة خارجية بلادها يتضمن بعضها مراسلات لمساعديها ومستشاريها مع الجاسوس الإيراني شهرام أميري

كان أميري قد نفى أيّ علاقة له من قريب أو من بعيد سواء بالبرنامج النووي أو بأيّ نشاط تقوم به الحكومة، مشيراً إلى أنه مجرد محقق في المجال النووي بجامعة “مالك أشتر” الصناعية، علماً أن الجامعة المذكورة تتبع مباشرة للحرس الثوري الإيراني، وهذا ما كان قد أكده في وقت سابق بروجردي نفسه، حين قال إن الأميركان كانوا يظنون في البداية أنهم قاموا “باصطياد شخص يمتلك معلومات نووية كبيرة قبل أن يتبين لهم لاحقاً أن الذي قاموا باختطافه هو باحث وأستاذ جامعي عادي وحينها أدركوا بأنهم ارتكبوا خطأ كبيراً”.

لكن ما الذي حدث

بعد مغادرته الأراضي الأميركية قال مسؤول أميركي يوصف بالنافذ، إن الرّجل غيّر رأيه وعاد لبلاده تاركاً وراءه خمسة ملايين دولار تلقاها مقابل معلومات تتعلق بشأن ملف إيران النووي وصفها المسؤول الأميركي الذي رفض الكشف عن اسمه بأنها مفيدة.

وكانت شبكة التلفزيون الأميركية إيه بي سي قد أوردت بالمقابل نقلاً عن “مصادر في الإدارة الأميركية” قولها إن أميري منشق، وهو يتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه”. وهو ما أكده من قبل أيضاً المتحدث باسم الخارجية الأميركية حين قال إن أميري موجود في الولايات المتحدة بمحض إرادته.

بعد ستّة أشهر على اختفاء أميري، الذي قالت طهران وقتها إنها عملية اختطاف، تحدثت بعض وسائل الإعلام عن معلومات تشير إلى أن أميري قد تم تجنيده فعلاً من قبل الـ”سي آي إيه”، أثناء توجّهه في رحلة بحثية إلى مدينة فرانكفورت الألمانية، علماً أنه كان مقرباً من الوفد الإيراني المفاوض في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان ذهابه إلى الأراضي السعودية بحجة أداء مناسك العمرة جزءاً من المخطط الذي تم الاتفاق عليه من أجل نقله إلى الولايات المتحدة الأميركية.

السيناتور الجمهوري الأميركي توم كاتن قال مؤخراً خلال مقابلة مع قناة سي بي إس الأميركية إن الرسائل التي قام بتسريبها موقع ويكليكس والخاصة بالمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون عندما كانت تشغل منصب وزيرة خارجية بلادها يتضمن بعضها مراسلات لمساعديها ومستشاريها مع الجاسوس الإيراني شهرام أميري.

وقال كاتن إن تلك المراسلات التي تعود إلى العام 2010 تتضمن تفصيلات لمساعد كلينتون حول رأيها بالجاسوس أميري. فقد أرسل مستشار كلينتون جايك سوليفان في الثاني عشر من يوليو عام 2010، أي قبل يومين فقط من مغادرة أميري الأراضي الأميركية، رسالة إلكترونية يعلمها فيها بأن أميري ذهب إلى السفارة الباكستانية التي تستضيف مكتب رعاية المصالح الإيرانية في محاولة للعودة إلى إيران.

كتب سوليفان في الإيميل “يبدو أن الرجل توجه إلى مكتب رعاية المصالح لدولته، لأنه مستاء من طول الوقت المستغرق لتسهيل عودته”.

لكن وسائل إعلام أميركية تنفي أن يكون لتسريب البريد الإلكتروني لكلينتون أيّ علاقة بإعدام شهرام أميري في إيران، لأن السلطات الإيرانية لم تصدق منذ البداية قصة اختطافه، وأنها قامت باستدراجه باستخدام الضغوط على عائلته التي كانت بين يدي السلطات في تلك الفترة.

شهر العسل بين أميري سلطات بلاده ما لبث أن انتهى بشكل مفاجئ

أعدم شنقا

المكان مدينة كرمنشاه غربي إيران، والزمان السابع من أغسطس عام 2016، قالت والدة أميري “إن جثة ابنها أُعيدت إلى مسقط رأسه وبها علامات حبل حول الرقبة، تُظهر أنه أعدم شنقا”.

وقد أكدت السلطات الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق أميري، بعدما أدين بتسريب معلومات خطيرة حول البرنامج النووي الإيراني لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سي آي إيه. فيما اكتفى المتحدث باسم وزارة العدل الإيرانية غلام حسين محسني بالقول إن “أميري قام بإمداد العدوّ بمعلومات حساسة عن الجمهورية الإيرانية”.

بعد قرابة ست سنوات من الاعتقال طوت إيران صفحة أميري بإعدامه. لكن لا أحد يعلم ماذا حدث داخل الأقبية المغلقة، وما هي المعلومات التي تقول طهران إنه قام بتسريبها حول البرنامج النووي الإيراني لمن تسمّيهم بالعدو وهي التي نفت أصلاً أن يكون الرجل عالماً نووياً.

ويبدو أن تلك المعلومات ستظل أسراراً تضاف إلى حوادث اغتيال أربعة علماء نوويين إيرانيين ساهموا في تنفيذ برنامجها النووي. وقد اتهمت طهران وقتها إسرائيل والشيطان الأكبر أميركا بالوقوف وراء عمليات اغتيالهم دون أن تطلع رأيها العام على نتائج تحقيقاتها ولا أدلتها، فهو اتهام قد يكون مجازياً وربما يخفي حقائق قد تستغرق سنوات قبل أن تتكشف.

8