شهرزاد تتحدى المحظور في الرواية النسوية العربية

الاثنين 2013/10/28
ابراهيم محمود وكتابه النقدي:قراءة في 150 تجربة أدبية نسائية

ينطلق السوريّ إبراهيم محمود في كتابه "زئبق شهريار.. جماليات الجسد المحظور"، من أسئلة تتمحور حول ماهيّة عمل الروائيّة العربيّة ومدى منافستها وتفوّقها، رابطاً بين شهرزاد الحاكية الراوية وشهريار المستمع للحكاية المستمتع بها، مستهلّاً بتصادم الليل والنهار، وتداعيات التصادم والتلاقي بين النقيضين المتكاملين، حين يكون الرجل حكاية المرأة التي لا تنتهي، والسؤال المستمرّ عن مكانة المرأة في كتابة الرجل، مُحيلاً إلى إمكانيّة ترقّب انقلاب استثنائيّ بعكس الحالة، حيث أنّ كلّاً منهما ينتقل من عالم الحكاية إلى عوالم الرواية المتجدّدة.

ينهض البحث على استشراف عالم الرواية في خضمّ الحكاية واستجلاء الجنسانيّة التي تتقاسم الآخرين بدرجات متفاوتة، كما لو أنّ كلّ طرف ظلّ للآخر ورهينه في الوقت نفسه. ويتحرّك في ظلال "ألف ليلة وليلة" منطلقاً من بؤرة الحكاية التي يمثّل شهرزاد وشهريار طرفيها، والحكي والليل والرغبات الدفينة والمكبوتة تحوم حول الحكاية وتندسّ في النفوس مترقّبة اللحظة الحاسمة التي تبقى مؤجّلة كلّ ليلة إلى الليلة التالية، لتكون الحكاية صلة الوصل بين العوالم، وبثّاثة الأمل ومكمن الحيلة والوسيلة معاً.

يذكّر الناقد في سياق بحثه وتنقيبه عن جماليّات الجسد المحظور في رواية المرأة العربيّة، بأنّ الروائية العربيّة تتماهى مع شهرزاد من حيث كونها مأخوذة بشهريار، مشدودة إليه برغباته وليس العكس كما هو المتصوَّر في المجمل تاريخيّاً.

كما يكتب أنّ شهرزاد الأنثى وقّعت على بياضٍ لشهريار الذكر وأنّها شدّدت على أنّ أنوثتها، كما عرّفت بها وبصيغتها الليلويّة، سابقة عليها كامرأة وأنّ شهريار أبان من خلال السرد المولَّف عن الخدعة حيث تكون الذكورة لاحقة عليه كرجل.

الكتاب حمل نماذج روائية نسائية مختلفة

يركّز محمود في كتابه على نماذج روائيّة نسائيّة مختلفة، تتجاوز المئة والخمسين، يحاول أن يُبرز كيف أنّ الحضور الشهرياريّ منتشر في جملة الروايات التي يدرسها، وكيف أنّ الروائيّة العربيّة تُظهر مقدرة على الإبداع وحتّى منافسة الرجل في فنون القول المختلفة، ويوضّح أنّ المحظور المدروس مندرج في حيّز الجسد في الثقافة العربيّة المتداولة وفي سياق الجنسانيّة.

كما يقدّم من خلال دراسته كيف أنّ الروائيّة العربيّة أكّدت ذاتها المختلفة بجرأة ملحوظة من خلال كتابتها الجريئة التي كشفت من خلالها قدرتها على المنافسة والمجابهة.

يقسّم الكتاب إلى سبعة فصول هي على التوالي: أمالي العائلة في النقود االعائليّة، فنّ العيش في وهم الجسد الموصوف، بانوراما المشهد الجنسيّ، دوري بطولة الأسماء الجسديّة في مرتبتها الأولى: أختام الجسد المفصليّة، محاضر غوايات الرائحة، أجساد في مرايا + مرايا في أجساد، جسد شهرزاد جوّاباً للآفاق. يدرس في كلّ فصل عشرات الروايات، مقارناً ومقارباً.

يتتبّع إرث شهريار في جماليّات الجسد المحظور نسائيّاً، ويؤكّد أنّ الجماليّات المتنوّعة واردة من خلال نماذج معروضة، منها ما يرجع إلى عدّة عقود، ومنها ما هو معاصر، وهذا يتيح، حسب ما يكتب، إجراء مقارنة ضمنيّة لمعاينة نسبة الكشوف المعرفيّة في حساب المفاهيم التي تتركّز على الجسد الذي يحضر كرهان الروائيّة الأثير الذي لا يخضع لتفسيرات جمّة بقدر ما يستجيب لتأويلات كثيرة.

يبرّر الكاتب تسميته لبحثه بأنّ الزئبق ذا الخفّة مشهود له بالخطورة والحساسيّة والانتثار والفاعليّة في الحياة، وأنّ ميزان الحرارة يقدّمه لنا من خلال حركة محميّة في فضاء معلوم كريستاليّ الرؤية، لكن وجوده عازلاً يهدّد بالموت، فهو دالّ على حقيقة إنّما في نطاق مصنّع وكأنّ ثمّة صوتاً يتصادى في فضاء المتخيَّل وهو بما أنّ الوضع مستتبّ فهو هادئ، لكن أيّ خلل، ينذر بالخطر الوشيك.

ويقارب عبر التحليل تشظّي المعاني وحتميّة المواجهة التي لابدّ منها حين اندلاق الزئبق الحكائيّ خارج ميزانه المحفوظ؛ ميزان ضبط القيم، يخرج من الصدور إلى السطور، ليفرض ميزانه الخاصّ به.

يلاحظ القارئ أنّ الكاتب "أو ربّما الناشر" يُسقط في العنوان الفرعيّ على الغلاف التكملة التي يثبتها في الصفحة الأولى وهي: "في الرواية النسويّة العربيّة"، بحيث يبدو العنوان معمّماً، في حين أنّه مخصّص.

وهنا يمكن التساؤل، هل جاء ذلك لتشويق القارئ أم للبحث عن تعميم مفترض، ولاسيّما أنّ المحظور جذّاب واستفزازيّ بحضوره وصِداميّته، أم أنّ ذلك استحضار لخدعة شهرزاديّة يواجه بها شهريار الكاتب متلقّيه للإبقاء على رغبة الاكتشاف مستعرة؟.

14