شهرزاد تروي في الحرب

ليست الثقافة بمعزل عن هذه التحولات الكارثية أمام جيل جديد يتنفس المأساة ويعيش تضاعيفها ومنعطفات الحياة فيها.
الأحد 2018/09/02
لوحة للفنان وليد نظامي

الجيل النسوي الجديد في السرديات السورية هو الأكثر التصاقاً بموضوعة الحرب، بل هو ظاهرة تفرزها المطابع قبل أن يفرزها الواقع، والحضور النسوي في ميدان السرديات هو البارز في المشهد الثقافي السوري طبقاً لموجة الانتشار الروائية التي اجتاحت العالم العربي لا سيما العواصم التي تعاني من وطأة الحرب.

الكتابات الشابّة في هذا التأنيث السردي لها ما يسوّغها على صعيد الواقع الذي يعاني من الحرب وضغطها النفسي وإرهاصاتها الكثيرة ونتائجها الوخيمة على مستوى البنية الاجتماعية والنفسية وما تركته وتتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على الحالة العامة ويفرز فيها الكثير من السلبيات ويفتح العديد من الأنفاق في سلوكها اليومي.

وهذا أمرٌ طبيعي في أجواء ملبدة بالحرب، وليست الثقافة بمعزل عن هذه التحولات الكارثية أمام جيل جديد يتنفس المأساة ويعيش تضاعيفها ومنعطفات الحياة فيها، وليس أشق من هذا على المرأة التي تعيش التجربة المباشرة بواقعيتها المأساوية في ظل غموض وترقب وتحولات سياسية ونفسية واجتماعية وعسكرية بدا الزمن فيها طويلاً؛ فقد تكون المرأة أكثر حساسية في مثل هذه الحياة الصعبة بالفقدان والغياب والهجر والموت وما فيها من تداعيات إنسانية كثيرة وكبيرة بما يشكّل ردة فعل مفهومة على صعيد الكتابة.

وفي مطالعاتنا الموسمية لظاهرة الكتابة الروائية في سوريا يشدّنا هذا المظهر المؤنث أكثر من غيره، بسبب انتشاره بشكل لافت للأنظار كما لو هو البديل عن السرد الذكوري الغائب نسبيا، أو هو استكمالٌ لغيابٍ ما، لا لملء الفراغ السردي الحاصل ربما، بل هو تجربة مثيرة وصعبة أن تتحمل المرأة السورية وزر الكتابة لا سيما الفن الروائي القائم على المطاولَة السردية وتأثيث الأحداث وإيجاد المكوّنات اللازمة لإنشاء عالَم موازٍ للواقع بصيغ جمالية وفنية مطلوبة، فمع الأسماء المعروفة التي أنتجت الرواية في مراحل سابقة / غلاديس مطر – مها حسن – سمر يزبك – شهلة العجيلي – لينا هويان الحسن / على سبيل المثال / فهناك جيل جديد في الكتابة النسوية الروائية / هالة مرعي، هفاف ميهوب، نادين أحمد، نسرين أكرم خوري، إيناس عزام، سمرا، إيمان أبوزينة، لمى إسماعيل، ليزا خضر، نجاة عبدالصمد، ابتسام التريسي، سندس برهوم، روزا ياسين، ديمة ونّوس، سوسن حسن، وغيرها من الأسماء الجديدة التي تضفي نكهة سردية جديدة في مواجهة سرديات الخراب الواسعة.

التأنيث السردي الذي نطالعه في المشهد الأدبي السوري، سواء إن كان يُطبع في سوريا أم في خارجها يحتاج إلى الكثير من المراجعات النقدية والمتابعات الجدية لكشف الصورة الفنية والجمالية في هذا الإنتاج الغزير الذي يوثق أحرج المراحل في الحياة السورية العامة، لا سيما ما أنتجته المرأة، فهذه قضية اعتبارية لها أكثر من تأويل ومعنى، وفي العادة فإن القراءة بهذا التضمين والحصر بالإشارة إلى مثل هذا التأنيث الأدبي وتأطيره بالفن الروائي يشير إلى أنه خرج إلى المتن العام في سرديات المرأة الجديدة؛ سواء أكانت في داخل الخريطة الوطنية أم في خارجها؛ نأمله أن يكون قد ساهم بقسط جيد في رفد المشهد الأدبي العام، مع أن الطابع العام في ما قرأناه هو سرديات الحزن والفراق والعودة إلى الماضي برفقة الحب كمعادل موضوعي للنص الأنثوي الذي انغمر فيه إلى حد كبير، مع الإشارات المتتالية لطبيعة المجتمع السوري المؤسس على التعدد الديني والقومي والمذهبي بما يشكّل أرضية تاريخية وجمالية يتشبث السوريون بها بالرغم من كل ما حدث في توصيفات سردية يتفق الجميع عليها من الأطراف كلها.

الكاتبة السورية الجديدة التي تواجه مضاعفات الخراب ونتائجه تؤسس إلى حد ما إلى سرد نسوي خارج عن التوصيفات الرقابية في جرأة غير معهودة، ومع تشابه الكثير من الروايات في الموضوعة ذاتها / كما يحصل في الرواية العراقية / إلا أنّ التأنيث السردي السوري له شأن اعتباري بوثائقيته وتوصيفه للحياة العامة بكل ما فيها من عذاب وفقدان وغياب قسري.

10