شهرزاد سورية تكتب الرواية التي لن تكتمل

الاثنين 2015/03/02
مها حسن تقف إلى جانب اللاتي مازال الكثير في خواطرهن

دمشق- لا تكتسب الحكاية وجودها إلا من سردها، ومن اتخاذ القرار بالروي وتدوين هذه الحكاية، وشخوص هذه الرواية لا يخرجون إلى حيز الوجود إلا عبر رسم عوالمهم وحياواتهم كتابة أو مشافهة، وإلا ستبقى هذه القصص حبيسة العدم لتضيع أو تنسى.

في روايتها الأخيرة “الراويات”، الصادرة عن “دار التنوير”، تقدم الروائية السورية، المقيمة في باريس، مها حسن سلسلة من الحكايات التي تتداخل لتشكل في النهاية موقفها المتشبث بأهمية السرد وقول الحكاية.

رواية “الراويات” وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية لهذا العام، وفي هذا المقال سنطرح بعض التساؤلات النقدية المرتبطة بتقنيات السرد التي استخدمتها الكاتبة.

منذ أول صفحة في الرواية -الإهداء- نرى حسن تقف إلى جانب اللاتي لم تسنح لهن الفرصة لأن يقلن ما في جعبتهن، لتبدأ بعدها برسم عوالم الرواية التي تتداخل لنرى أنفسنا واقفين أمام سلسلة من روايات مجتزأة الأحداث، تدور حول السرد وحول هوس الأنثى بالكتابة، فحياة الأنثى التي تروي لا تكتمل إلا بهذا الفعل، ودونه تضيع في عوالم النسيان، فالحضور ضمن الحكاية أكثر خلودا من الحضور الواقعي.


تكنيك شهرزاد


لم تحضر شهرزاد في “الراويات” إلا عبر صوتها وأسلوبها السردي وفي النهاية عبر المكان المتمثل في “مقهى شهرزاد”، لكن المفارقة أننا نقف لحظات ضائعين أمام ما يحدث، ما هي القصة التي تستحق أن تقال؟ الشخصيات تتحدث عن السرد وفعل الكتابة بوصفه خلاصا لنرى تعدد وجهات النظر في رواية القصة كما في الرواية الثانية.

إلا أن هناك انقطاعات في السرد تجعل القارئ يقف أمام فجوات في الزمن والأحداث التي تجعل الرواية لا تكتمل، إذ أن كل شخصية في الرواية لديها قصة جاهزة لتقولها، لكننا لا نعرف من هذه القصص إلا القليل، لتبدو مقطّعة، كما تشير الراوية نفسها في أول رواية، وكأننا نقرأ من المنتصف في رحلة سردية لا تبدو متماسكة أحيانا.

الصفة الغرائبية التي نشهدها في بعض الروايات والعنف الذي تشهده الشخوص الأنثوية تجعل من نهاية الرواية طوباوية

ضمن الحبكات الفرعية التي تحويها “الراويات” نشهد الكثير من المصادفات، والتي تجعل الأحداث تسير بسذاجة، فالبطلات يعشن في عوالم وردية أحيانا كأنهن مصابات بالفصام، صحيح أن هناك خطابا ذكوريا عنيفا ضدهن إلا أنهن يعشن في عالم مواز، عالم الأحلام، فشهرزاد كانت تروي لشهريار لتنقذ نفسها من الموت، لكن الراويات هنا يروين لمجرد الحكي والكتابة وهنا يعود السؤال: أي من القصص تستحق أن تروى وأن نسمعها؟

الصفة الغرائبيّة أو السحريّة التي نشهدها في بعض الروايات، والعنف الذي تشهده الشخوص الأنثوية تجعل من نهاية الرواية طوباوية نوعا ما، حيث تجتمع “الراويات” ويتعرفن على بعضهن ليعشن في بيت يتفرغن فيه للفن والكتابة، ويتحول المقهى بصورة ما إلى مجلس للحريم، بصورة مناقضة لما تحاول الراويات في البداية أن يؤسسن له وهو حضورهن المتفرد وثورتهن التي تتمثل في الكتابة كي يصل صوتهن عاليا.

تقنية شهرزاد المستخدمة وتكنيك السرد القائم على تداخل الحكايات هل تكفيه 190 صفحة فقط؟ هذا التساؤل يطرح لغياب الأثر الذي يجمع الحبكات الفرعية ويبرر حدوثها، إذ لا توجد حكاية كبرى، بل نحن أمام تنقيب في سبيل البحث عن الحكاية، لكن ما حدث هو النهاية المفاجئة لأغلب الحكايا التي نراها تنتهي بجملة أو جملتين لكل حكاية تختزل النهاية، وتشبك الشخصيات مع بعضها وكأنها ملخص كتب على عجل، بالإضافة إلى وجود الفصول المجانية في مقدمة كل رواية، والتي لا يوجد مبرر واضح لها لتبدو يتيمة ضمن سياق السرد.


رواية التناقضات

الرواية وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية لهذا العام


تتداخل الأصوات في الرواية بدرجة كبيرة، إلى درجة أن نضيّع معها الراوي، حتى مها نفسها يظهر صوتها في الرواية الثانية حين تتقدم من ساباتو/ فرانكو لتوقيع كتابها وتصرح باسمها مها، ومع نهاية الرواية نكتشف أن الراويات يتحدثن بذات اللسان، كلهن متشابهات في لغتهن، فمن الصعب التمييز بينهن، جميعهن يغرقن في عوالم التوحد والهلوسة.

التساؤل يكمن، لم نقرأ هذه الروايات؟ ما الدواعي لتدوينها؟ ما الذي حدث سابقا ويستدعي حضور هذه الشخصيات أمامنا على الورق؟ الكتابة فعل اقتحام للعالم والتأسيس للحضور عبر النص المكتوب، قد يكون هذا مبررا للكتابة، وهو الذي تتحدث عنه الراويات، إلا أننا ندخل في تناقض حين تتباين الأهداف، فتارة نرى التركيز على أهمية الكتابة والنص المكتوب لتنزاح الأهمية لاحقا نحو المشافهة، ورواية الأحداث بعيدا عن الكتابة بوصفها تتحول إلى فعل تجاري، الموقف من الكتابة والصوت-الرواية الضبابي يوقع القارئ في حيرة.

هناك تشابه بين سيرة شهرزاد وبين الراويات على صعيد المكان الذي يخيّله السرد، إلا أن الفرق أنه في سرد شهرزاد تتضح معالم المكان لنا وتبدو منطقية عند الانتقال من المكان المتخيل “بلاد الواق الواق” مثلا، إلى المكان الواقعي للسرد “بغداد”، إلا أننا في الراويات ننتقل فجأة من مكان متخيل وهو قرية “حور العين” إلى مصر والقاهرة مع إغراق في وصف التفاصيل الواقعية لتعود بعدها الحكاية إلى الضياع، تداخل الخرافي مع الواقعي يحمل شعرية من نوع ما، إلا أنها مرة أخرى بحاجة إلى أكثر من 190 صفحة كي تؤسس للغرابة وبذر الإرهاص للسرد بحيث لا يبدو هذا الانتقال فجّا أو غير مبرّر في بعض الأحيان.

كل هذه التساؤلات مرتبطة بتقنية تلقّي الرواية، وقد لا تكون منطقية إلا في ظل قراء ما، فكل قراءة لنص فيها سوء فهم، أو إعادة تأويل له، ترتبط بشخصية القارئ ورؤاه، فالمفهوم البنيوي لموت المؤلف يستمرّ حتى يتحوّل إلى انبعاث للقارئ.

14