شهر عسل ترامب الفاشل مع الأميركيين والعالم والإعلام

الجمعة 2017/02/10

تبدو صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب شبيهة بصورة مذيع المزادات التقليدية، كما تُظهره السينما المصرية، على الأقل، وهو ينادي “ألا أونه.. ألا دوه.. ألا تري”، يعرض فيها بضاعته الأميركية، وينتظر من الحضور التسابق على شرائها بأعلى سعر، لكن بعد مسلسل إعلاني تهون معه عبارة جورج بوش الابن “من ليس معنا فهو ضدنا”، عقب 11 سبتمبر 2001. فنظرية إرضاء ذوق المستهلك قد تجاوزها الزمن، حيث تقود الإعلانات اليوم المستهلك من جفونه ليشتري ما لا يلزمه، حتى توسع في الائتمان وتكديس الديون في بطاقاته المصرفية.

نطق بوش الابن في عهديه باسم “المحافظين الجدد”، وهيأت له الظروف أن يبحث عن العدو الخارجي. وفي قول آخر؛ أجبرته صدمة “ثلاثاء أيلول الأسود” على البحث عن ذلك العدو. والمحافظون الجدد هم جماعة من اليمين المسيحي المتطرف المؤمن بقوة أميركا وأحقيتها في الهيمنة على العالم. لكن هؤلاء لم يكونوا جنرالات، بل ساسة وكتاب ومفكرون ومحاربون قدامى.

ليس لدى ترامب “محافظون”، وهو غالبا معاد لمثل هذه الجماعة إن كانت لا تزال موجودة وقوية. وهو خلافا لبوش يعتقد أن العدو في الداخل؛ ولذلك أصدر مراسيمه ضد المهاجرين واللاجئين. كما يعتقد أن النظام السياسي التقليدي أحد أعداء أميركا لكونه يعيق تقدمها وهيمنتها على العالم.

في المقلب الآخر من العالم، يشبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اليوم، بوش الأمس، الذي ذهب إلى أوكرانيا القريبة بحثا عن العدو، وأكمل طريقه نحو سوريا، والبحر المتوسط، ليبني سدا أمام العدو الذي يهمّ بالهجوم على روسيا.

الشيء الوحيد الذي قد يجمع ترامب بجورج بوش الابن هو تعيينه قطب إكسون موبيل النفطي، ريكس تيلرسون، وزيرا لخارجية إدارته، بمعنى أن الشغف الشهير لبوش بالنفط مشترك مع ترامب بالتعدي مع كبير دبلوماسييه.

أما ما يتفرد به ترامب عن بوش فهو الكاريزما الكارثية التي تشكل وحدها فيلقا إعلاميا من النوع الذي يخلط السم بالعسل. ولذلك فهو لا ينتظر نصيحة من مستشار إعلامي قبل التفوه بما من شأنه إثارة الجمهور. وليس آخر ضحايا لسانه السليط سوى أرنولد شوارزنيغر، الممثل والسياسي الجمهوري، وحاكم كاليفورنيا السابق. فترامب لم ينسَ بعد أنه كان نجم التلفزيون قبل أكثر من سنة بقليل، حين انتقد شوارزنيغر على هبوط شعبية برنامجه التلفزيوني (Celebrity Apprentice)، بعد أن بدأ الأخير تقديمه خلفا لترامب منذ نهايات 2015، فرد شوارزنيغر في تغريدة مصورة مقترحا على الرئيس تبادل المناصب.

في الواقع، يبدو أن ترامب سيحتاج وقتا أطول قبل أن يخلع رداء الإعلامي المحترف، ورداء رجل الأعمال، ويستقر على كرسي مكتب البيت الأبيض. فما كان يُفترض أن يفعله في شهره الأول بالتصالح مع الأميركيين الذين لم ينتخبوه جاء بنتائج عكسية عليه، فاستعدى حتى جزءا من ناخبيه.

صحيح أن السياسة في العلاقات الدولية قلما تهتم بالجانب الأخلاقي، لكنها لا تجاهر بمعاداة الجمهور حتى لو كانت تمتلك الأسباب. مع الإقرار أن البيانات الإعلامية العلنية تختلف عن قرارات الكواليس التي تقترب من التجارة، على اعتبار أن السياسة صفقة تجارية تتم ترجمتها في النهاية بأرقام.

عالم الأعمال يقتضي ذلك، والميزانية الختامية للشركة الناجحة تعبر عن نجاح صفقات العام الماضي، أو فشلها، لكن حسابات الدول تختلف قليلا عن ذلك، فالموازنة المتوازنة ليست شرطا لازما لتكون سياسة الدولة المالية، أو الكلية، ناجحة. لأن الدولة ليست مجرد مستثمر، وإذا كانت كذلك فالحكم على نجاح الاستثمارات قد يستغرق وقتا طويلا، وأطول حتى من بضع سنوات حسب معادلات “استرداد رأس المال”. بل قد لا تنتظر الدولة المستثمرة استرداد رأسمالها، فالإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية، غالبا لا يعبر عن مردوده بمجرد أرقام، فهي أقرب إلى المكاسب المعنوية، أو غير المباشرة، مما يشبه ابتسامة المريض بعد استشفائه، أو ابتسامة محبيه. ومن هنا يأتي سعي الدول المتقدمة إلى توفير “حق السعادة” لمواطنيها.

عالم ترامب، حسب وعوده الانتخابية، وحسب صرير قلمه اللاهث في أول أسبوعين من رئاسته، يؤشر إلى ذلك. لكن الرجل سارع إلى استعداء المواطن الأميركي، قبل استعداء العالم الخارجي، على الرغم من عدم اكتمال تشكيل طاقمه الحكومي.

ومن العالم الخارجي، أمام عيني ترامب، الآن، الصين وروسيا وإيران. أما في الداخل فهنالك شبح الأقلية الديمقراطية المذعورة في مجلسي الكونغرس.

الصين لا تزال تختبئ وراء الابتسامة الصفراء، فلا تبدو عليها علامات الذعر أو التحدي.

وفي ما يخص إيران التي تبدو نظرياً كهدف سهل بالنظر إلى موازين القوى، فستخضع للمزيد من العقوبات، لا أكثر من ذلك. وليس من المتوقع أن تحدث مجابهة دبلوماسية، أو عسكرية، بين البلدين، بل مجرد توتر حذر ضمن النطاق المعتاد بعد صفقة النووي الإيراني التي لم ترضِ أحدا من الأطراف تماما، لكنها قللت من احتمال مواجهة مباشرة مع مجموعة “5+1”. في ما عدا ذلك، كان الأمر مجرد صفقة تجارية بين طرفين، التزمت فيها إيران بتجميد نشاطها النووي، في مقابل تحرير أموالها المحتجزة للعشرات من السنين، لتشتري بها ما تحدّث بها أسطولها الجوي المدني المتآكل منذ نهايات سبعينات القرن الماضي.

ترامب الصادق الواضح الجلف، والملتزم بوعوده الانتخابية، يعد البلاد بعودة أميركا كأقوى دولة في العالم. بل لتكون الدولة القطب الوحيدة في العالم، مع السماح لأقطاب أصغر أن تلعب كي تتوازن اللعبة، فيزيائيا، ويتقابل القطب الأميركي الفاعل والموجب مع أقطاب سلبية تدور في فلك المصالح الأميركية.

على كل حال، كانت أميركا كذلك منذ أصبح الدولار سيّد العملات في نهايات خمسينات القرن الماضي، لكن أدوات “بريتون وودز” عفا عليها الزمن، وتمّ تجاوز شكلياتها، مع احتفاظ الدولار بمطابعه الأميركية الحرة والمعتمدة التي تسيِّر عالم المال والأعمال والسياسة والضمائر.

إذن، السياسة مصلحة، حتى لو تصادف أن اشتملت على جانب أخلاقي، مثلها مثل الصفقة التجارية التي قد تراعي أحيانا مصلحة الطرف الضعيف. لكنهما معا لا تلتزمان بالجانب الأخلاقي بالضرورة، بل غالبا ما يضع الطرف القوي في أي صفقة أو سياسة، مصلحته فوق كل اعتبار.

في أول أسبوعين من عهده، وضعت قرارات ترامب أميركا، بالمصلحة، في مواجهة العالم الخارجي. لكنه في كل القرارات التي اتخذها كان مرتاحا لكون الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات معقدة مع الأطراف المتضررة، أو معارك مسبقة مع المشرعين الأميركيين، على الرغم من احتمال اندلاع حرب تشريعية لاحقا. هذا، إن لم تكن مراسيم ترامب التنفيذية تكتيكا لإلهاء المشرعين بمعارك جانبية تلهيهم عن مصائب كبرى يحضر لها رجل الأعمال الرئيس.

كاتب وصحافي سوري

8