"شهر في الريف" قصة عاشق يهوى امرأة منذورة لغيره

حب يتنقل وسط دائرة ثلاثية تهز الواقعين فيها في مسرحية درامية لا تخلو من مواقف هزلية ساخرة.
الاثنين 2018/04/09
دوامة عشق مستحيل

نشأ الروائي الروسي إيفان تورغنييف (1818-1883) في وسط بورجوازي، وتنقل عبر عواصم أوروبية كبرلين ولندن، قبل أن يستقر في باريس حيث تعرّف على أهم أدبائها، من غي دو موباسان، وفلوبير، وألكسندر دوما، وإدموند غونكور إلى جورج صاند، وإميل زولا، وفيكتور هوغو، ولا سيما بروسبر ميريمي الذي تعاون معه على ترجمة أشعار بوشكين إلى الفرنسية.

وظل يتنقّل بين فرنسا وروسيا، حيث سبق إلغاء القنانة ومنح الفلاحين الذين يعملون عنده مساحات واسعة من أراضيه، وانتخب عام 1878 نائبا لرئيس المؤتمر الأدبي الدولي الذي عقد في باريس، ومنحته جامعة أكسفورد درجة الدكتوراه الفخرية في الحقوق المعرفية عام 1879، ثم انتخبه صندوق الأدباء في روسيا عام 1880 ممثلا عنه للاشتراك في الإشراف على تنظيم الاحتفال بإزاحة الستار عن تمثال بوشكين في موسكو.

وعُرف تورغنييف ككاتب قصة ورواية، حيث طوّر الاتجاه الواقعي وبرع في تصوير النماذج الأنثوية والطبيعة الإنسانية، رغم أنه ألّف أيضا إحدى عشرة مسرحية، نذكر من بينها “عدم التبصّر”، و”بلا نقود”، و”خبز الآخر”، و”العالة” و”الأعزب” و”الريفية” وأشهرها “شهر في الريف” للمخرج ألان فرانسون، والتي تعرض حاليا على خشبة مسرح “ديجازي” الباريسي، وإن كانت لا تشذّ عن بقية مسرحياته، فمعظمها ذو طابع اجتماعي نفسي، فيها تصوير دقيق للمعيش اليومي وللطبائع البشرية مع التركيز على تقلّب المواقف النفسية.

 

بعد أن أبدع في إخراج روائع تشيخوف "الأخوات الثلاث"، و"العم فانيا"، و"إيفانوف"، و"بلاتونوف" و"بستان الكرز"، ها هو ألان فرانسون يقبل على مسرحية "شهر في الريف" لعملاق روسيّ آخر، هو إيفان تورغنييف، أحد رواد سبر الضرام الداخلي الذي يهز البشر، على خشبة مسرح “ديجازي” بالعاصمة الفرنسية باريس

وخلافا لعالم تشيخوف حيث يتواصل العشاق وينتحرون، يذكّر عالم تورغنييف بمناخات الفرنسي ماريفو، فكل شيء يقوم على توازن هش، ويتم في نوع من الاتزان والرصانة، على طريقة الصالونات البورجوازية، حيث لا يتعدّى أقصى تعبير عمّا يلاقيه المحب من شوق ملامسة عجلى، مُختلسة في غفلة من العواذل، ورغم المواقف العاطفية المؤثرة، فهذه المسرحية لا تخلو من مواقف هزلية ساخرة.

وكل فرد يمكن أن يحمله ذلك الاندفاع الغامض المفاجئ الذي ينتأ في أعماق ذاته إلى حالات معقّدة، وهو ما حصل للحسناء المدلّلة الثرية نتاليا، في منتجع اصطيافها حين أهملها زوجها ليهتمّ بشؤونه الخاصة فانتابها قلق ثم فراغ يحاول أحد العشّاق ملأه.

كل شيء هنا يسير في غاية اللطف والرقة، لا قهقهة ولا صراخ، عدا صيحات البهجة حين يصحو الجو وتشرق الشمس، ورغم ذلك، ففي مسرحية “شهر في الريف” ما يشبه السمّ المخفيّ في الأعماق، ما بين قسوة الحب وشرابه المسموم. كان يمكن أن يكون كل شيء متناسقا خفيفا خفة طيارة الهواء التي صنعها الطالب الشاب أليكساي لتلميذه كوليا، الذي دعي لتعليمه، في تلك الضيعة الفاخرة.

وصاحبها أركادي إسلاييف ذو الثلاثين عاما مقاول ومالك أراض يقضي وقته في تسيير أعماله بهمة ونشاط، بينما تظل زوجته نتاليا بتروفنا التي تكبره بتسعة أعوام تعاني الوحدة والسأم، رغم وجود ابنها كوليا (ذي العشر سنين)، وحماتها أنّا سيميونوفنا، ومكفولتها فيروتشكا ذات السبع عشرة سنة، ورفيقتها الخاصة الآنسة ليزافيتا ذات الستة والثلاثين عاما.

وتورغنييف يلح على ذكر الأعمار بدقة، لأنها في اعتقاده شديدة الأهمية في خلجات القلوب وانتشائها وعذابها، ثمة أيضا ميخائيل راكيتين، صديق العائلة، وهو شخص محترم عالي الهمة، بخلاف الدكتور شبيغلسكي (أربعون عاما) أو صديقه الثري بولشينتسوف (ثمانية وأربعون عاما).

وتبدو نتاليا هنا، مثل مدام بوفاري بطلة رواية فلوبير، قلقة تشكو الفراغ وقلة اهتمام زوج مهموم بأعماله وحدها، في بيت عامر إلاّ من الحب والحنان، وهو ما سوف تسعى للحصول عليه من الشاب أليكساي الذي أغرمت به، في وجود منافسة شرسة هي الفتاة فيروتشكا، وإذا بالحب يتنقل وسط دائرة ثلاثية، تهز الواقعين فيها.

تورغنييف يلح على ذكر أعمار شخوصه بدقة، لأنها في اعتقاده شديدة الأهمية في خلجات القلوب وانتشائها وعذابها

فكيف يمكن تعرية الممثلين في مشهد بشكل واضح يفهمه المتفرجون؟ “ليس عن طريق الحركات على أي حال، بل عن طريق نوع من الإشعاع اللامرئي للإحساس، وإرادة الخلق”، كما قال قسطنطين ستانيسلافسكي (1863-1938) أستاذ الفن الدرامي الروسي، ومبتكر طرق أداء الممثل المعاصر.

ومَن أقدرُ من ألان فرانسون على الإمساك بهذا الإشعاع، في نعومته وقوته الصامتة، وهو الذي اعتاد أن يقارب كبار المسرحيين الروس كما فعل سابقا مع مسرحيات تشيخوف.

لا تحدث تطوّرات كثيرة في هذه المسرحية، عدا بعض تيارات داخلية ترتاع وتشتعل، وذلك كاف كي تقع طوال سنين تحت طائلة الرقابة في روسيا القيصرية، لأن وضع البورجوازيات المتزوّجات لا يسمح لهنّ بالتعلّق برجل آخر.

وهذه المسرحية التي كتبت عام 1850، أي قبل مدام بوفاري بسنة، تعلن عن مجيء بطلة فلوبير التي لم تكن راضية عن وضعها، مثلما تلمّح إلى الممثلة بولين فياردو التي عشقها تورغنييف فكان يتبعها حيثما ذهبت، حتى في بيتها مع زوجها ببوجيفال غير بعيد عن باريس، إلى أن اختار الإقامة قربهما هو أيضا في تلك الضاحية حتى وفاته، ومن ثَمّ رأى النقاد في راكيتين صورة من تورغنييف نفسه، صورة عاشق يهوى امرأة منذورة لغيره.

16