شهوانية الكتابة

الخميس 2016/04/14

ينشغل بعض أدباء السرد والشعر على حد سواء بثيمة الإيروتيك، وبات شيوع هذا النمط من الكتابة – عربيا – أمرا لافتا للأنظار على مدار الوقت بما يشكّل ظاهرة تقريبية للنوع الثقافي الخارج من علبة المجتمع، وهو ما جذب نوعيات قرائية متعددة ومختلفة الثقافات المجتمعية على حساب الكثير من السرديات الروائية ذات القيمة الفنية العالية. وبالتالي كما لو كان هناك تكريس لهذا اللون من الكتابة عمدا في استثارة القارئ وتسهيل قصة الكتابة له، أو في احتمال عكسي آخر هو تشجيع القارئ على هذا اللون من الكتابة لأسباب اجتماعية ونفسية لا يمكن أن نفصل عنها الهاجس الجنسي في مأزومية الفرد الشرق أوسطي والعربي بوجه خاص.

كاتبات عربيات معروفات استهواهنّ هذا النوع الأدبي وتجرأن عليه بطريقة مثيرة سرديا، ومثلهنّ كتّاب آخرون اقتحموا، شعرا وسردا، هذا المفصل المسكوت عنه في الأدبيات العربية الحديثة ليكتبوا، متشابهين وغير متشابهين نصوصا إيروتيكية بعضها لامس جوهر المفردة من حيث تاريخيتها وفهمها لهم، وبعضها اختزل المفردة إلى شهوانية الكتابة وإباحيتها بمحمولها البورنوغرافي الواضح، وهو أمر يخرج من أسطوريته الدينية والاجتماعية المحافظة ليفتح ملف الجنس بشكله الصريح.

ليس الإيروتيك بمعناه الحصري الذي يتم تداوله نسقا عابرا في الثقافة العربية عموما ولا هو ابتكارا لغويا وصوريا محدثا أو غريبا على الأدبيات العربية القديمة المعروفة بجرأتها في هذه الموضوعة والتي استبقت عصورها الأدبية والمعرفية بكثير من الأشواط، لكن مثل هذا الموضوع يتجدد عادة، ليبدو دائما وكأنه من المحرمات التي ينالها الحظر أو التوبيخ أو تُرفع عليها العصا الدينية كدالّة مفروضة لها أحقية الاعتراض فتخرج مفاهيمية الفقه التعليمية والسماوية والوضعية والاجتهادية السطحية كسوط مشرع على رقاب الكتب. وهو حالة يُفترض أنها أصبحت بالية في حرية الحياة الجديدة بعد أن قطعت أشواطا من الفكر والمعرفة والتثاقف المجتمعي شرقا وغربا.

يمكن القول، وبعد ثورات الربيع العربي الرمادية، إن المسألة الدينية انفتحت إلى آخرها بلا عباءات سود أو بيض، وهو انفتاح لم يعد مشروطا بشيء ولا مُلزما لأحد، ليكون الدين في مواجهة الحضارة الإلكترونية مع انتقال هذا العصر إلى أنواع الانفوميديا والميديا والاتصالات العملاقة السريعة وانفتاح الحياة على الثقافات بين الشعوب من دون وسائط رقابة ولا وسائط تنقلات وضرائب سلطوية مباشرة، ولم تعد تنفع خطابات المعممين الملتوية ولا بيانات السماء المصنوعة تحت قباب وأقبية سرية، لذلك انفتحت مع هذا المد الإلكتروني وسائل الكتابات المتحررة من عقد معروفة كثيرة وأولها موضوعة الجنس بشكلها العام قبل أن نقيّدها بمصطلحات كثيرة كالإيروتيك أو الخلاعة أو الإيروس بالذهاب إلى مصادرها التاريخية الإغريقية والرومانية والعربية القديمة. ويخرج المسكوت عنه في هذه الثقافة بطريقة تضع العديد من الأسئلة والاستفهامات أمامها.

الإيروتيك مشهد من مشاهد ثقافة إنسانية قديمة تفصح عن مجتمعيتها وأنساقها الأخلاقية والثقافية والتراثية المحلية وعاداتها ونظرتها إلى الجنس والجمال والشبق والمرأة والمجون مثلما تكشف إلى حد جيد المؤشرات المدينية السائدة في زمنها، ومن المؤكد أن عصور ما قبل الإسلام شاعت فيها مثل هذه المعطيات شعرا على وجه الخصوص، بل شاعت حتى أكثر من ذلك التاريخ في العصور اليونانية والمسيحية بشكل خاص عبر الفنون النحتية والشعرية والملاحم المعروفة. مثلما شاعت في العصور الإسلامية العباسية على نحو معروف.

الإيروتيك بفنيته الأدبية يمكن أن يصنع أدبا راقيا.

كاتب من العراق

14