شهوة التوحد وهندسة الإفناء: رأس السنة أم رؤوس الأسنة

الأحد 2014/12/28
بين ياءين ثمة ما يحوّل المسافة قيافة روح مأخوذة بالمفاجآت

بين ياءين: “يا النداء” و”ياء الملْكية”، تطوى المسافات ويحل القُرب ولا قول لقرب دون ذكر البعد ضمناً، فهما حضور وغياب بالتناوب، إنما في لقاء ياءين، تكون المباغتة والتعجب والمصرَّف للغريب والعجيب فيما ليس نداء ولا ملكية، فالنداء استدعاء، والملكية استقصاء واحتواء، إنما أكثر من شأن نفسي وبوح باللجيّ فيه “يَيْ”، أكثر من “يي يي ياي”، حيث الألف تتوسط الياءين وهما لاتهدآن مداً وصدىً .

في ياء النداء تنبسط جغرافيا في مقام تضاريسي ما، فهي أكثر من ثنية أرضية، إنما تتناثر تواريخ، وأيد تقاوم، وأخرى تبطش، وأفواه تتمرد على صمتها، وأعين تعتلي آفاقاً، وخطى تعبر أودية وهِوى، بقدر ما تتسلق مسافات عصية الأعالي، وفي أول البدء، في البدء “يا مال الشام يالله يا مالي”.

أقولها وأصول بها، وأعوّل عليها، وأحوّل باسمها قدراتي في التراكيب اللغوية وفي الحدوس صوب الآتي القريب بفرح يتوجس خيفة من صدمة شبح أو مشبح أو يحول دون إطلاق سراح “يا” من كينونتي الـ”صارت ” نداء كافة، لاحتواء جغرافيا انعجنتُ بها عبر ما لا يحصى من المكاييل والمقاييس والأوزان وحساب المسافات عواطفَ ومشاعر ومخيالات وترحالات في الثانية الواحدة، وعلى مد النظر والروح تكون غائية “يا”، وفي ملتقى الروح الفردية والروح الجغرافية للمتردد التليد “بلدي”، “شعبي”، “وطني”، كما تتعزز آصرة الياء الأخيرة وليست الأخيرة في كل ما يلغي النأي والنعي، ما يفعّل السعي والوعي في “بلدي، شعبي، وطني”، وها هي “يا” تمتد ويتردد صداها والملحق مطوّح بي وراء أبواب متجهمة ..


بين ياءين


ألاحظني متنقلاً بين ياءين، لا تستقران كما هو الشهيق والزفير، كما هو الهوى الضوئي في سرعة الانتشار، أو الماء اللعوب في النفاذ، ياء جغرافية أسلستُ لها قياد روحي، وما زلت على موعد مع الأجمل فيها، “يا.. يا ..يا”، وياء حنين إلى المكان وأهليه “أهلي، بلدي، حبي، ميلادي، شهادي، أبديتي..”.

بين ياءين ثمة ما يحوّل المسافة قيافة روح مأخوذة بالمفاجآت “ونحن في عهدة مفاجآت منذ حين من الدهر!”، حيث يلوح “رأس السنة “، وحيث خوفي من الرؤوس التي تقطَع، وتهشَّم، أو تخترَق، أو تشوى، أو يتلاعَب بها بأحجام وهيئات، لذكور وإناث، وإيروسيات غير معهودة في السجل المجتمعي الأهلي من النسَب الجغرافي والثقافي ذاته، و”رؤوس الأسنّة” كما لو أنها تلخّص ما كان يلهِم بألف معنى ومعنى.

” يا” تبقي الـ”هناك ” هناك، حيث البعد والإقصاء والإرجاء والإخفاء والدم الراثي لذويه، وتبقي الـ”هنا” طوع اللاّمكان، كون المكان فقد شهوة التوحد، جرّاء ألغام هي كمأة ميتات، وليس مغذيات، وخطاطات تحتكرها صواريخ تمارس هندسة الإفناء، كما هي البراميل المتفجرة التي أقصت السماء ذاتها عن موقعها، وارتدت حداداً على شقيقتها، والصحيح “أختها التوأم” الأرض وما يؤرضها بطوائفها الطائفة.

يا بلدي، يا أهلي، يا شعبي الذي لا أعرف كيف أنقّب في بورصة مشاعره، وتذرّره واحتراباته، في عصفه المتزاحم داخله، وأنا منه وإليه ودون ذلك تختفي “الياء”، كما تتلاشى ضروب الملْكية.

يا سنة الحزن المدنف، يا سنة الفرح المقصوف، يا سنة العاهة المستدامة، يا سنة الأمل المطعون خلفاً وأماما


النسب الجغرافي


أراني دون أن أراني كما يجب أن أراني، ولكم أشتهي أن أراني خارج ما أراني، وكلّي انتشار في جغرافيا مسعورة ومهدورة، وغرباء يرطُنون بلغات برسم إخاء مشبوه، كما هي شبهة الياء في “الدعي”، كما لو أن عقداً جنونياً لا يُرى يحيل إليه ما هو قائم، ولكنه التلبس بالجنون المصعَّد بوبائه الملغّم للياءين.

يا شام، يا حمص، يا حماة، يا حلب، يا إدلب، يا الرقة، يا دير الزور، يا الحسكة، يا قامشلو، أو قامشلي، أو قامشلية، حيث التصريف المرن كما هو الحضن الرحب لأمّ لا يحاط بحبها الأمومي، وهو يوائم بين الجميع.

يا كل المدن والنواحي والمناطق والضواحي والقرى، يا كل الجبال والسهول والوديان والهضاب والتلول والمنحدرات، يا كل البحيرات والأنهار والينابيع وحنفيات الماء المداومة على النشاط، يا كل النجوم التي تعرف مواقعها وموازيها على الأرض، يا كل أصوات الكائنات والجمادات، يا الليالي والنهارات.. يا ويا ويا، يا يائي، لكم أطلقت سراح روحي وحمَّلتها ما لم تعهد من قبل، وكلّي يقين أن سكينة تعبر بها كل الجهات، والذين آلفت وجوههم، روائح أجسادهم، ألوان تحياتهم الصباحية والمسائية، وقد تناثر عمري في مصافي الجهات هذه ودون استثناء “سُوري”، وفي الحال يحضر “سوري : من السور”، أرأيت كيف النسب الجغرافي والاعتباري يحمل معه ما يحصّنه؟ أرأيت كيف يستولد الاثنان ما يعمّق في بلاغة الروح التي تسم الجميع مدونة وملونة “سُوَري”، أكبر من كل كتاب معهود ومسنود؟ يا للمصحَّف هنا وهناك!


أوردة الشام


بين مهابة حرف “الياء” من أغوار الروح المستميتة عن جسدها في الريح، ومهابة حرف “الألف”، ثمة القوة الجامعة بين الأرضي والسماوي، بين مرتقى الوجع “يي”، ومتنفس الحريق المندلع فيه وألسنة “ااا”، تستقر الياء في عدم استقرارها الجغرافي وأنا أحلّق بكامل روحي المؤاسية صوب جزم من سنوات عمر تقاسم أوردة الشام عن قرب وشرايينها، وأنا أصافح عن قرب أكثر لوائح تترى من وجوه من كنت أعانق، وفي المدى وبين مديي “يا” و”ياء الملكية”، دفق عتابات، ومتابعة مواعيد همساً، خوفاً من شبح طائش، وبي، وفي واعية الجسد إجمالاً ثمة منافذ أصداء:


شام أهلوك أحبابي وموعــــــــدنا

أواخـر الصيف آن الكرم يعتصَر

قد غبت عنهم ومالي بالغياب يــــد

أنا الجناح الذي يلهو بـــه السفر

يا طيب القلب، يا قلبي تحمّلني هـمُ

الأحبة إن غابوا وإن حضـــروا.

في ياء النداء تنبسط جغرافيا في مقام تضاريسي ما



ذاكرة المكان


الكرْم، وليس أجساد الضحايا، ليس انطواء المرايا حزناً على أهليها، ولا تشتت خطى الأهل بعيداً عن الجيران والأحباب والأصحاب. هنا بيت عزيز يجاوب عدة كيلومترات من الهدوء، هنا فسحة صاحب تسند مساحة معتبرة من الشاعرية، هناك منزل أصدقاء يزنّر مسافات بما فيه الكفاية من البوح الملهِم، هناك زاوية مواعيد، ترفل بأردية من الراحة المنعشة للروح، هناك، عشق يثبت من رباطة جبل، أو حلم يضفي على بردى استمرارية في سرد ذكريات بقّينية، هناك اشرئباب قامة دمَّر، وفي الإثر تشبك الهامة يدها في يد قاسيون، هناك صحو “المهاجرين” نزولاً صوب “جسر فيكتوريا” وظلال الباعة العارضين واللقاءات السريعة ذات النكهة، و”محطة الحجاز” وهي تزيد في “هيل” ذاكرة المكان التي تفوح في الجوار، أبعد من “شارع النصر”، وأكثر كشكولية مما هو ممتد في حاضنة “سوق الحميدية”، أبعد من العزلة الضاربة والخانقة لسيف “يوسف العظمة” وتلفّحه بالبرد القارس وشحوار القتلة الطارئين على المكان وأهليه.

هناك، هنا، حيث التوحد “هناك هنا، أي هناك كهنا، وهنا تشد” كاف القرب والمخاطَب: “هنا:ك”، حيث شَعر الشام يشكل سحابة خيمياتية حتى مطلع الثريا وهي تغطي كامل حدودها وأبعد من الحدود ذات الحواجز القانصة، شعر يضج بالعطر الأرضي، عطر لغات لا تستنسَخ، حيث تتصافح أيدي العربي والكردي والجركسي والتركماني والسرياني والأرمني، أيدي الطوائف التي تتحرر من ربقة ذاكراتها الضيقة، وفي المحصلة تكون العلامة الفارقة ذات الاقتدار: السوري، السوري، السوري..


رؤوس الأسنة


يا سنة الحزن المدنف، يا سنة الفرح المقصوف، يا سنة العاهة المستدامة، يا سنة الأمل المطعون خلفاً وأماماً، يا سنة عبرت سنينها، يا سنة الدم الذي ضلّ سبيله إلى مثواه الأخير، يا سنة موصولة بأكثر من سنة تخيف الأموات على غير المعتاد، والأحياء على غير المخطط، سنة منتظرة يتخوّف من الثانية التي تعقبها على عتبة التالية، سنة، يُخشى من قولة “أخرى”، رؤوس أسنّة قاذفة وضاربة ومتفجرة وقانصة..

كم من عيش سيكون لسنة أخرى، وقد تزاحمت داخلنا حيوات لم تعد تؤجَّل، حباً بالمكان قبل اندحاره الأخير والصادم قياماتياً، خوفاً من أسياد المكان الذين فقدوا صلاحية البقاء منذ زمان زمان، وليس حباً في المزكّين أسياداً يصعب البت في مراياهم التي تتقدمهم هنا وهناك ومدوناتها .

وعليّ أن أعزّي روحي، بقدر ما أعزز روحي هذه، وبين العزاء والتعزيز، يقترب رأس السنة “2015”، وقلبي الذي يشمل كامل جسدي، يخفق بسرعات غير معهودة خوفاً من تطاولات رؤوس الأسنَّة.

يا رأس السنة أسلم لنا، ويا رؤوس الأسنة أما كفاك ذبحاً وطعناً واشتغالاً فينا ؟.. يا يا.. يايي…


كاتب من سوريا مقيم في دهوك

11