شهوة الحديث عن الديمقراطية في دول الخليج

الثلاثاء 2013/10/22

الديمقراطية، في تطبيقاتها المشهودة حول العالم، لعبة بين قطبين: الحكومة والشعب، يشتركان في دفع ثمنها وتحمل أعبائها وقبول نتائجها، فهل الخليجيون الآن مستعدون لهذه اللعبة، التي يتحدثون عنها قبل وبعد ما يسمى الربيع العربي؟

ما يبدو لي أن الخليجيين يتعاملون مع بضاعة الديمقراطية باعتبارها هبة مستحقة أو (سلعة) تدعمها الحكومة، مثلها مثل سلعة البنزين والماء والكهرباء في هذه الدول. ولذلك هم يحملون فقط على حكوماتهم، وينسون أنفسهم كلما طابت لهم شهوة الحديث المترف عن الديمقراطية وضرورة توفر شروطها وأدواتها في دولهم.

وهذا يعني أن الإنسان الخليجي، الذي يعيش في دول ريعية تحلب النفط وتصب مداخيله في مشاريع تنموية سريعة تنفذها شركات وعقول أجنبية، غائب عن الوعي بطريقة الحياة التي يعيشها، والتي لا يتوافر لها الحد الأدنى من طبائع الحياة وقيم العمل والإنتاج التي تطبقها وتعيشها شعوب أخرى.

وقد يصح هنا أن نقول بأن السعوديين في السنوات الأخيرة بدأوا في إدراك خطورة بقائهم في ظل ريعية الدولة، وأصبحوا يفكرون بشكل أفضل بطريقة حياتهم وخطأ اعتمادهم على ما يشبه المداخيل المجانية التي كانت تأتيهم- رغدا- بدون جهد علمي أو عملي.

لكن هذا التخلص السعودي البطيء من ربقة الدولة، أو الأب الراعي الحنون، لا يعني أنهم أصبحوا قريبين من طبيعة الشعوب المتقدمة التي مهدت مع حكوماتها الطرق السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى وصلت إلى ديمقراطيتها، وحققت فعلا لا قولا رقابة الشعب على أعمال الحكومة.

وإذا كان السعوديون، رغم المتغير الاقتصادي الواضح في حياتهم، فإن شعوب دول الخليج الأخرى كذلك، التي لا يزال مواطنها في المجمل منعما، تبتعد بقدر أكبر عن تهيئة طرقها لممارسة الديمقراطية. ومثل هذا الكلام قد يعترض عليه الكويتيون الذين أسسوا أول برلمان منتخب في المنطقة في العام 1963، لكن اعتراضهم سيلقى صدى يخالف توقعاتهم حتى من داخل الكويت نفسها.

هناك كويتيون الآن، على المستوى الشعبي ومن داخل السلطة أحيانا، يطرحون تجربتهم الديمقراطية للنقاش وينظرون إليها كتجربة فاشلة عطلت التنمية وفككت النسيج الاجتماعي وكرست الطائفية والقبلية أكثر من السابق، أي أكثر من الوقت الذي كانت الكويت فيه تدار بحكمة شيوخها وسماحة أهلها وولائهم وحبهم فقط لكويتهم.

وهذا يعني أن ديمقراطية الكويت ليست تلك الديمقراطية المنتجة التي يعرفها العالم، بل ديمقراطية خاصة نشأت على أركان اجتماعية هشة. وقد تعطلت أو تأخرت بسبب تلك الطائفيات والقبليات، وربما حتى المشاحنات الشخصية الفئوية التي طالما ضيعت المكاسب الشعبية، السياسية والاقتصادية، تحت قبة البرلمان نفسه.

وإذا كانت الحالة السياسية والاجتماعية الكويتية، رغم طول التجربة البرلمانية، لم تتخلص من فخاخ القبيلة ومزالق الطائفية، فإن هذا يصدق حتما على باقي دول الخليج التي لم تمتلك تجربة الكويت ولو لبضعة أيام.

ولو تأملنا حال هذه الدول، خاصة بعد ثورات الربيع العربي وما أفرزته من هواجس ومطامح شعبية، فسوف نجد تماثلا بينها قل نظيره في أنحاء كثيرة من هذا العالم.

ومن صور هذا التماثل أن هذه الدول خلال عقود اغتباطها بثروة النفط وإدارتها على أساس الاقتصاد الريعي فوتت على نفسها وشعوبها فرصة بناء ثقافة (المواطنة) التي تُعد شرطا أساسيا للممارسة الديمقراطية في عالم اليوم.

والمواطنة في أبسط شروحاتها هي ضمان حقوق وواجبات متساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن أصولهم أو أجناسهم أو أفكارهم أو حتى مراجعهم الدينية، التي متى ما حدث فيها تمييز، فإن بعض المواطنين يأخذون حقوقا أكثر ويتحملون واجبات أقل، وبالتالي تكون مغانمهم أكثر من غيرهم من المواطنين الآخرين.

وهذا ما هو حاصل في كل دول الخليج، التي لم تستطع إلى الآن صهر شعوبها في بوتقة المواطنة، التي تصدق عليها، أيضا، في هذه الدول شهوة الحديث في المناسبات، دون أن يكون لها وجود فعلي على الأرض أو في خلق علاقات صحية ومنتجة بين تيارات المجتمع.

ولذلك أصبح من الواضح أن تعتقد هذه الجماعة أو تلك الطائفة أنها معزولة أو قائمة بذاتها وليس لها علاقة بباقي الجماعات والطوائف الأخرى، وأن تتصرف على أساس من عزلتها وذاتيتها المفرطة في رفض الالتقاء (بالآخر) الذي يشاركها الأرض، ويُفترض أنه يشاركها المكسب والمصير الوطني نفسه.

كذلك فإن من صور التماثل الأخرى بين شعوب دول الخليج، حين تمارس شهوة الحديث عن الديمقراطية، القصور المزمن في النظر إلى الحريات المدنية للأفراد، فالخليجي يتربى على الخوف من الحرية. ولذلك متى وجد غيره من مواطنيه يمارس حريته فإنه يقمعه ويصادر حريته بأساليب مختلفة وتحت ذرائع متعددة.

وإذا كانت الحرية، بمفهومها المدني والاجتماعي، من الدرجات الأولى لسلم الديمقراطية فكيف يتخيل الخليجي أنه سيمارس هذه الديمقراطية وهو يطارد حريات الأفراد حتى في أذواقهم وملابسهم ومشاعرهم فضلا عن مذاهبهم وأفكارهم؟

ثم إن هناك أخيرا وليس آخرا تماثل خليجي يتعارض تماما مع شهوة حديثهم عن ديمقراطية دولهم، وهو بطء عملية الإصلاح السياسي لدى أنظمة هذه الدول، فمجالس الشورى المعينة أو نصف المنتخبة ملتبسة على المواطن، النخبوي وغير النخبوي، من حيث مكانتها وتأثيرها في دورة العمل السياسي العام. وهو في الغالب الأعم لا يرى لها فائدة تذكر إن بقيت على حالها ولم تتحول إلى مجالس منتخبة بالكامل، لكنه سرعان ما يعيد النظر إلى تجربة الكويت القريبة، وتجارب دول عربية أخرى لديها مجالس منتخبة لم تنقل مواطنيها، ولو بنزر يسير، إلى حال أفضل، لا على صعيد المشاركة السياسية ولا في حياتهم ومعيشتهم بشكل عام.

ولطالما استرجع الخليجيون تجربة العراق الحديثة في ممارسة الديمقراطية بعد الإطاحة بديكتاتورية صدام حسين. وهو استرجاع لا يخلو من أسى ويأس من قابلية دولهم للديمقراطية بعد أن أصبح العراق- خاصة في ظل مزاعم الديمقراطية الكاملة- مسرحا هائلا ومظلما للطائفية والقتل والتفجير والتدمير، وبات نسيجه الاجتماعي ومستقبله الموحد مهددا بالتفكك والاضمحلال.

وبالتالي لابد أن يعود الخليجيون في كل مرة يتحدثون فيها عن الديمقراطية إلى نقطة الصفر، التي تنعدم فيها تماما شروط بناء الدولة الديمقراطية الحقيقية، وأهمها البناء السليم في دول الخليج لقيم الإنتاج والعمل وتفكيك الانتماءات الفئوية، العرقية والقبلية والطائفية، وبناء واحترام قيمة المواطنة، والنظر إلى الحريات السياسية والفردية على أساس كونها من فروض بناء الدولة الحديثة.

ومع توفر هذه الشروط لابد أن تلتقي إرادة أنظمة وشعوب المنطقة على البناء التدريجي للمؤسسات الديمقراطية، الذي يبدأ من فصول التعليم وبيوت الثقافة والإعلام.

وما عدا ذلك، أي ما عدا توفر هذه الشروط لبناء الديمقراطية، هو مجرد أحاديث خليجية تَرفية ومفرغة من معانيها ومضامينها.

ويبقى الأمر إلى حين في حدود شهوة الحديث كما هو الحال، للأسف، مع أغلب القضايا المصيرية الخليجية.


كاتب سعودي

9