شهيدات الجمال والحب

جمال العراقيات وحبهن للحياة وللحرية يثيران من جديد حقد خفافيش الظلام ليواجهن الموت من جديد، ويتساقطن ضحايا بالعشرات.
الثلاثاء 2018/10/16
سعاد العلي معروفة بدفاعها المستميت عن حرية المرأة العراقية

في كتابه “حياة الحيوان الكبرى”، يروي كمال الدين الدميري أنه ظهر في بغداد سنة أربع وثلاث مئة، حيوان غريب كان الناس يرونه في الليل على أسطحهم، وكان يأكل أطفالهم، ويعضّ يد الرجل فيقطعها، ويلتهم نهود النساء. وقد ارتجّت بغداد لذلك. وقام أهل السلطة بمطاردة الحيوان الغريب. فلما قبضوا عليه، صلبوه على الجسر، فارتاح الناس، وهدأ روعهم…

ويبدو أن هذا الحيوان الغريب قد ظهر مرة أخرى، لا في بغداد وحدها، بل في البصرة أيضا. وضحاياه نساء لا ذنب لهن سوى أنهن جميلات، ومحبات للحرية، ورافضات للعبودية، وللخشونة الذكورية، وكارهات لكل ما يمت بصلة للانغلاق، والتحجر، والتزمت…

وخلال الصيف الماضي، توفيت  في ظروف غامضة امرأتان تمتلكان محلين للتجميل، وهما رفيف الياسري، ورشا الحسن. كما تمّ قتل وصيفة ملكة جمال العراق، تارة فارس. وفي البصرة، قتلت في وضح النهار السيدة سعاد العلي المعروفة بدفاعها المستميت عن حرية المرأة العراقية. وفي أكثر من مرة، رفعت هذه السيدة الشجاعة والجريئة صوتها عاليا لتدين الانتهاكات التي تستهدف المرأة سواء أخلاقيا أم جسديا أم معنويا.

وقبل اغتيال السيدة سعاد العلي، كانت البصرة قد شهدت جرائم بشعة حصدت أرواح أربعين امرأة وجدت جثثهن ملقاة في الشارع. كما وزعت مناشير تحذر النساء من وضع المساحيق، ومن الظهور في التجمعات العامة دون حجاب.

ولعل الهدف الأساسي من خلال هذه الجرائم البشعة هو محو بطولات نساء بلاد الرافدين من التاريخ، ومن الذاكرة. ففي العصر الحديث، لعبت المرأة العراقية أدوارا مهمة في حركة التقدم، والتطور، والنضال من أجل  التحرر والانعتاق من القيود التي تكبلها، وتمنعها من المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.

انطلاقا من خمسينات القرن الماضي، تميزت المرأة العراقية بحضور قوي وفعّال في مجالات عديدة خصوصا في المجال الأدبي والفني

وخلال النصف الأول من القرن العشرين، اشتهرت في العراق ثلاث نساء مارسن بمهارة مهنة الطب؛ وهن أنا ستيان، وسائحة أمين زكي، وسلوى عبدالله سالم. وفي عام 1923، صدرت في بغداد أول مجلة نسائية للدفاع عن حقوق المرأة، وعن ضرورة تشريكها في الحياة السياسية.

وفي أواخر الثلاثينات من القرن الماضي، تأسست في بغداد اللجنة النسائية المناهضة للنازية والفاشية. وكانت الأولى من نوعها في العالم العربي في تلك الفترة. وفي عام 1948، شاركت النساء العراقيات في إسقاط معاهدة “بورتسموت”. وقد لعبت النساء العراقيات دورا هاما في الانتفاضة الشعبية التي هزت العراق في عام 1952. وبسببها تم اعتقال 150 امرأة.

وانطلاقا من خمسينات القرن الماضي، تميزت المرأة العراقية بحضور قوي وفعّال في مجالات عديدة خصوصا في المجال الأدبي والفني. فقد كانت نازك الملائكة من أفضل روّاد الشعر الحديث، ومن أوسعهم إلماما بالآداب العالمية، ومن أعمقهم معرفة بالموسيقى والفنون الحديثة. وفي مجال الشعر، لمعت لميعة عباس عمارة التي عشقها السياب.

وراهنا تحتل كل من إنعام كجه جي، وعالية ممدوح، مرتبة مهمة في الكتابة الروائية. وفي المعمار، كانت الراحلة زها حديد تتمتع بشهرة عالمية واسعة. بتخطيط منها، أقيمت معالم معمارية بديعة في كبريات العواصم والمدن.

وفي مجال الفنون التشكيلية، تألقت عراقيات كثيرات أمثال ليلى العطار، ونزيهة سليم، ونهى الراضي، وغيرهن. وهناك عراقيات أخريات أبدعن في عالم المسرح والتمثيل مثل ازادو صموئيل، وآسيا كمال، وأمل خضير. ومؤخرا، أحرزت نادية مراد على جائزة نوبل للسلام لتكون رمزا للمرأة العراقية الصامدة والعنيدة في زمن الرعب والإرهاب الأصولي…

ولكن ها أن جمال العراقيات وحبهن للحياة وللحرية يثيران من جديد حقد خفافيش الظلام ليواجهن الموت من جديد، ويتساقطن ضحايا بالعشرات. وهو ما يذكّرنا بقصيدة “الكوليرا” للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة التي تقول فيها:

موْتى،  موْتى، ضاع العدد/ موتى، موتى، لم يبق غد/ في كل مكان جسد يندبه محزون…

14