شوارع تونس تكتظ بالبهلوانيين من بعد المتظاهرين

المهرجان الدولي لفن السيرك يرفع من معنويات الشارع التونسي وسط أوضاع اقتصادية متردية زادتها الجائحة تعقيدا.
الخميس 2021/06/24
فن يجمع تحت خيمته الصغار والكبار على حد السواء

فنون السيرك في العالم العربي تكاد تكون غائبة، ويُنظر إليها كحالة زائدة عن الحاجة، ولا يتم استدعاؤها إلاّ في الافتتاحيات وما شابه ذلك، رغم تجذّرها في الثقافة الشعبية، لكن جمعية “بابا روني لفنون السيرك” في تونس استطاعت أن تؤسّس مهرجانا دوليا ينعقد بصفة دورية، وتلفت الأنظار إليها في المحافل الدولية، رغم ضعف الإمكانيات المادية والجو العام الذي تعيشه البلاد.

تونس- جائحة كورونا لم تمنع جمعية “بابا روني لفنون السيرك” في تونس من تنظيم الدورة الرابعة للمهرجان الدولي لفن سيرك الشارع، وذلك انطلاقا من الخميس وإلى غاية التاسع والعشرين من يونيو الجاري، وبحضور سبعة بلدان هي تونس وفرنسا وإيطاليا والسويد والشيلي وكولومبيا والأوروغواي.

وقال مدير المهرجان هيثم القصداوي إن التونسيين في أمسّ الحاجة إلى الترفيه في ظلّ حالة الانغلاق التي فرضتها الجائحة. وأضاف في تصريح إذاعي أنه سيتم احترام البروتوكول الصحي والحرص على التقيّد بإجراءات الوقاية واحترام مسافة التباعد الجسدي.

جرعة فرح

السيرك الشبابي الواعد هو الأول من نوعه في العالم العربي

هذا الإصرار على إقامة المهرجان الأول من نوعه في العالم العربي، بموعده، يشعّ بارقة أمل وتفاؤل في البلد الذي تهزه تجاذبات وانقسامات سياسية بسبب أوضاع اقتصادية متردية، يعكس حقيقة مفادها أن تونس، بلد الألف مهرجان ومهرجان، تمضي في عالم الإبداع والثقافة وفنون الفرجة، غير عابئة بالأزمات.

ماذا يعني أن تجوب عروض المهرجان الدولي لفن سيرك الشارع في دورته الرابعة خمس محافظات هي تونس وبن عروس وسوسة والكاف ومنوبة وزغوان، وتُفتتح بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة؟

هذا يقيم الدليل، وببساطة شديدة، على أن الشارع التونسي الذي تحركه التظاهرات والاحتجاجات والصدامات مع رجال الأمن، يمتلك، أيضا، متسعا للاحتفاليات ويبحث عن جرعة فرح، ولا يزال مخلصا للثقافة والفنون رغم موجة العبوس والتجهّم.

إنه الرهان الذي كسبه الآباء المؤسّسون فجر دولة الاستقلال، وانتقده المتشائمون والسوداويون آنذاك، بذريعة أن الثقافة حالة رفاهية زائدة عن الحاجة، وتحت سؤال استنكاري يقول: ماذا يفعل شعب متعب مأزوم بفنون الفرجة والاستعراض؟

يأتي هذا المهرجان الذي تأسّس عام 2018، والمتزامن مع فعاليات ثقافية وترفيهية متنوعة للتأكيد بأن صنّاع البهجة حاضرون في مواجهة صنّاع الأزمات ومشعلي الحرائق الاجتماعية والسياسية.

بهلوانيون يجوبون شوارع المدن التونسية، مهرجون وقارعو طبول ومدربون على المشي فوق الحبال، يستنهضون الفرح لدى الصغار والكبار، ويذكّرون اليائسين والقانطين بأن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، وسط هذا التجهّم العام.

وتذكّر هذه الاحتفالية التونسيين بأيام زمان، والخيام التي كانت تنصب في الأحياء الشعبية، والألعاب التي يقيمها فنانون محليون وأجانب في الساحات العامة، حتى أمست تقليدا اجتماعيا في الأعياد والمناسبات، لا يمكن نسيانه بسهولة.

عالم الإبداع والثقافة وفنون الفرجة

أهالي تونس احتفاليون بطبعهم، وميالون للتجمهر وإحياء المناسبات مهما كان مصدرها، وصُنفوا في تسعينات القرن الماضي من قبل جهات دولية متخصصة كجماعة من أكثر الشعوب سعادة واحتفالية في العالم، فمن أين جاءهم هذا التجهّم؟ وكيف خمدت تلك الجذوة أو كادت؟

الإجابة قد تبدو واضحة، وحتى بديهية لدى الكثيرين: الأوضاع المعيشية والأزمات الاجتماعية التي تسبّب فيها الساسة الفاشلون، وزاد عليها كورونا الخ.. لكن هذا الاستعداد الجيني للفرح والاحتفال لا يمكن له أن يختفي ببساطة، ويمسي جثة هامدة لا حياة فيها، ثم إن التاريخ يخبرنا بأن أفضل طريقة لمقارعة الأزمات هي المزيد من الاحتفال كحالة سخرية مثلى من الأقدار. كذلك كان يفعل قدماء المصريين والإغريق والرومان وشعوب أفريقيا.

وحدها الثقافة والفنون كفيلة بالحفاظ على هذه الروح الوثابة والتواقة للاحتفاء بالحياة.. وهنا كان يجب عدم التراخي والتفريط في المكتسبات الثقافية التي يزخر بها هذا البلد ذو الثروات الطبيعية المتواضعة.

عمل دؤوب

بالعودة إلى ما أقدمت عليه جمعية “بابا روني لفنون السيرك” في دورتها الرابعة للمهرجان الدولي لفن سيرك الشارع، فإنه ستقام لفائدة المولعين ورشات تطبيقية يؤمنها فنانون أجانب، وهو ما سيساهم في تأصيل هذا الفن وتطويره وفق المعايير الدولية، وبعيدا عن القوالب التقليدية التي ألغت بعضها جمعيات حقوقية مثل اضطهاد الحيوانات أو استغلال ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويعتبر المهرجان الدولي لسيرك الشّارع بتونس الأول من نوعه الذي ينتظم في العالم العربي وفي القارة الأفريقية. وما ينفك يلاقي إعجاب المتابعين ممّا يضطّر هيئات الإشراف على المهرجانات الصيفية، في كل مرة، إلى برمجة عروض إضافية لفن السيرك، نتيجة الطلب المتزايد من قبل العائلات التونسية، باعتباره فنا يجمع تحت خيمته الصغار والكبار على حد السواء، ويشعر الجميع بالبهجة والانشراح كلغة عالمية تعتمد مهارات الجسد في مخاطبة الجمهور.

التاريخ يُخبر التونسيين بأن أفضل طريقة لمقارعة الأزمات هي المزيد من الاحتفال كحالة سخرية مثلى من الأقدار

وجاءت هذه التجربة التونسية الرائدة عربيا وأفريقيا في الوقت الذي لا يزال فيه فن السيرك في تونس يطالب بالاعتراف به، خاصة بعد اندثار المدرسة التونسية لفنون السيرك التي أسّسها الفنان المسرحي محمد إدريس، صلب مؤسسة المسرح الوطني في العام 2005.

النقاد والمتابعون في تونس يشيدون بجمعية “بابا روني لفنون السيرك”، ويرون فيها عملا دؤوبا يسعى إلى نشر ثقافة السيرك لتكون رافدا من روافد الثقافة التونسية وحتى تكون تونس سفيرة فنون السيرك في العالم العربي، بعد أن وقع تهميش هذا الفن والنظر إليه كزائد عن الحاجة فيتم استدعاؤه فقط في افتتاح المحافل الدولية والتظاهرات الثقافية الكبرى.

ولفت سيرك “بابا روني” في تونس الأنظار إليه في السنوات الأخيرة من خلال مشاركته في تظاهرات فنية عديدة، وذلك لما يميّز عناصره الشابة من خفة ومرونة وقدرة على مواكبة أحدث ابتكارات فنون السيرك في العالم.

ويؤكّد المتخصّصون أنه، وعلى الرغم من بساطة الإمكانيات المتاحة، إلاّ أن اللبنات والأبجديات الأولى لنشوء هذا الفن كانت متوفرة لدى أعضاء هذا الفريق المتحمس للنسج على منوال المدارس المعروفة في العالم، كالمشي والتأرجح على الحبال، واستعمال الدراجات ذات العجلة الواحدة، والألعاب النارية المختلفة، والاعتماد على العضلات لبناء هرم بشري، وغير ذلك من الحركات البهلوانية التي تعتمد المهارات وحدها وتستثني الحيوانات المروّضة من عروضها.

ويعود تأسيس جمعية “بابا روني لفنون السيرك” إلى العام 2008 في منطقة المحمدية جنوب العاصمة للمحافظة على وجود هذا الفن وتكوين هواته وتطوير أدواته ومقاربته الجمالية إلى جانب تقديم عروض فرجوية في كامل محافظات البلد.

وتلقى الشباب المؤسّسون لهذه الجمعية تدريبات في بلدان متطورة في هذا المجال كألمانيا، ممّا ساهم في تنمية قدراتها وصقل مواهبها وطوّر معارفها من خلال الاحتكاك بفرق متعددة من كامل أنحاء العالم. وشارك هذا السيرك الشبابي الواعد في جل المحافل الفنية والمهرجانات الدولية كما مثّل تونس في الأيام الأورو متوسطية لفنون المسرح.

16