شواهد التاريخ

صيانة التراث ليست تقنية فحسب، وإنما هي حالة ذهنية قوامها الارتكاز على خصائص الموجود ودلالته الحضارية قبل اتخاذ قرار بدعمه أو تقويضه وتعويضه.
الخميس 2019/03/28
جامع النوري تحفة تاريخية بالموصل دمرها الدواعش

يلتقي تعريفنا للتراث بالفكرة التي نتمثّلها عن هويتنا. فالتراث هو ما يتركه الأجداد للأحفاد، أيًّا ما يكن، أي أنه جزء من تاريخنا وثقافتنا، ومقوّم من مقومات حضارتنا في وجه من الوجوه. ومن ثَمّ جاء الحرص على صيانته وترميمه والمحافظة عليه، لكي نتركه بدورنا إلى أبنائنا وأحفادنا كشاهد على عصور مرت، ساد فيها من ساد، وباد من باد، وبقيت هي. أي أنها رمز بالنسبة إلينا، ولكنها قد تكون أيضا رمزا لمن يكنّ عداوة لمن تركوها، وموقفا تغذّيه هذه الأيديولوجيا أو تلك. كذلك فعل النازيون بالكنائس الغوطية، ومقاتلو داعش بمدينة الحضر في العراق، وتدمر في سوريا، وطالبان بتماثيل بوذا في بانيان. وكذلك يفعل إسلاميو تونس منذ 2011، حيث عمدوا إلى تدمير عدد كبير من الزوايا الصوفية، المنتشرة في شتى أنحاء المغرب العربي، سيرا على منهج ابن تيمية الذي كان يمقت المذاهب الصوفية وأتباعها. وما زالوا حتى يومنا هذا يقوضون بين الحين والحين معالم أثرية تنتمي إلى عصور سحيقة، ويتناسون أن إزالتها هي تغييب لشواهد تاريخية، هي جزء من الذاكرة الجمعية، وملك مشترك يفترض أن تلتقي حوله مكونات المجتمع، أيّا ما تكن أيديولوجيتها.

والحق أن ذلك ليس مقصورا على الإسلاميين وحدهم، ولا على فضائنا الجغرافي فحسب، بل هو عمل لم تسلم منه بلدان كثيرة. فقد شهدت فرنسا عقب ثورة 1789 مثلا عمليات هدم واسعة، شملت عددا من مؤسسات النظام القديم، ولاسيما القصور التي تمثل ذاكرة سلطة النبلاء، ودُكّ بعضها دكًّا حوّلها إلى مقاطع حجرية. وقد أبدى بعض المفكرين ورجال الدين انزعاجهم من تلك العمليات، فمما يروى أن الأب غريغوار مثلا أعلن في “الكونفانسيون” عام 1794 أن “البرابرة والعبيد هم الذين يكرهون العلوم ويدمّرون الصُّروح الفنية، أما الأحرار فيحبونها ويحافظون عليها”. بعض تلك الصروح صمد، وصار اليوم “ملكا مشتركا” للفرنسيين جميعا.

في تونس أيضا، أزيلت بعد الاستقلال معالم لها صلة مباشرة بالمرحلة الاستعمارية، كتمثال جول فيري، أو تمثال الكاردينال لافيجري أكبر أساقفة التبشير الاستعماري في المنطقة، مثلما أزيلت معالم أخرى لأسباب جمالية كأسوار المدينة العتيقة وأبوابها، ولكن الآثار الأخرى تم تعهّدها بالترميم والصيانة، لأن لها دلالة. 

إن صيانة التراث ليست تقنية فحسب، وإنما هي حالة ذهنية قوامها الارتكاز على خصائص الموجود ودلالته الحضارية قبل اتخاذ قرار بدعمه أو تقويضه وتعويضه. يقول مؤرخ الفن الفرنسي أندري شاستيل (1912-1990) “التراث هو ما استوجبت صيانته تضحيات، ومثّلت خسارته تضحيات أكبر”.

15