شوفينية المدن

الأربعاء 2017/02/08

لا ينتسب الكتاب والفنانون عادة إلى مدنهم إلا مجازا، فانتماؤهم في العمق هو لأفكارهم عن المدنيّة والتمدّن، ولجبلة الفضاءات المتناقضة التي تسكن أعماقهم وخيالاتهم؛ قد تكون عواصم كبرى بعيدة المنال، أو مجرد قرى تفيء إلى سكينتها المؤبدة، فالإقامة الوجدانية شيء لا علاقة له بالانتماء والهوية والوثائق الشخصية، هو ارتباط بالناس وبالذاكرة وحرارة العيش. وعادة ما لا يعتني الروائي والرسام والسينمائي كثيرا بالأصول، بقدر ما ينغمسون في التفريعات الحياتية الممتدة عبر شبكات العبور المنجمة. لكن من يصل كل تلك الأسماء الشهيرة بأصولها هم المتلقون، ممن تتملّكهم غبطة ملتبسة في الإحساس بالمواطنة المشتركة.

وقد يكون زهو الناس العاديين بتقاسم الانتماء بريئا ودونما مآرب مغرضة، بينما يسعى السياسي في بقاع الأرض كلها إلى إيهام الناس بالانتماء لهم والعمل لما فيه رفعتهم، وليس ثمة أفضل من المبدعين كيانات جاهزة لبيان رفعة المدن مهما جحدتهم وتنكرت لإنجازاتهم. النسب هنا دعامة أساس لبناء شوفينية المدينة، التي تمتد من أسماء الشوارع إلى النصب والتماثيل والشواهد وهندسة العمران، حيث تتلاشى تدريجيا قيم الوطنية المنفتحة لحساب الأصل المحلي والقرب من المزاج السياسي والعقيدة الفكرية، فلا يجب أن ننسى أن أعتى الزعماء والقادة، حتى في أعرق الديمقراطيات، مروا بتجارب المجالس البلدية، ولبثوا لسنوات طويلة أحيانا عمداء لمدنهم، وحوّلوا مصيرها لجزء من مصيرهم الشخصي. فالسياسي، في المحصلة، لا تهمه القيمة إلا من حيث هي قدر في ميزان الربح والخسارة، لن يلتفت إلى رامبرانت إلا بوصفه منتسبا لأمستردام، ولا للوركا إلا من حيث هو من غرناطة، ولا لفولتير وموني وبروست وسارتر إلا من حيث هم باريسيون.

لذا لا أُفاجأ كثيرا حين لا يعرف أغلب سكان المدن إلا اليسير عن تلك النصب واللوحات التي أثثت ساحاتها ومتاحفها، وحين اختلستُ صورة للوحة “لاس منيناس” لبيلاسكيس في مدريد، فلأُثبت لحظة دون شعبية خارقة لعمل أسطوري، حيث يمر الزائرون خفافا ليلاحقوا الصور التي لا تنتهي، لا يوجد تجمهر أو عكوف، تبدو اللوحة تفصيلا لكيان اسمي مهيمن على المدينة المثقلة بالعمران المبهر، فثمة تمثال لبيلاسكيس في مواجهة المتحف المحتضن للوحاته، وآخر لغويا في الحديقة المقابلة، كما أن أهم شارعين بالمدينة يحملان اسمي الفنانين المدريديين، بينما يدوب بيكاسو في الفراغ، لا أثر له في الفضاء العام للعاصمة الملكية، هو القادم من مالقة الجنوبية المولعة بالفلامنكو والنبيذ ومصارعة الثيران، تقبع لوحته “لاغيرنيكا” الأكثر شهرة بين كل أعمال الفنانين الإسبان في متحف أقل مجدا وشهرة، ويحمل، نكاية فيه، هو الجمهوري الأصيل، اسم “الملكة صوفيا” الوافدة من اليونان.

كاتب من المغرب

15