شوقي البرنوصي.. قرأنا الاسم في الغلاف فهل نجد تشايكوفسكي في الرواية؟

للشاعر والمترجم التونسي يؤكد أن الرجل الصالح مفهوم مغلوط، و"مأزق تشايكوفسكي" نقد جريء لأعراف المجتمع وموديلاته ومقاييسه.
الأربعاء 2019/01/16
الفنان يعيش وجودا مزدوجا

باتت الرواية العربية تقتحم العوالم الدفينة للفرد، ومن خلالها تذهب إلى نقد البنى الاجتماعية ككل. ومما نلاحظه في السنوات الأخيرة بروز شخصية المثلي كبطل روائي، شخصية مرفوضة اجتماعيا بحجج شتى، ولكنها أظهرت خصوبة سردية كبيرة، في إمكاناتها لتعرية الكثير من المناطق المسكوت عنها. “العرب” التقت الكاتب التونسي شوقي البرنوصي للحديث أكثر عن روايته الأخيرة التي يعاني بطلها المثلي من وجود مزدوج، وللحديث عن الدور الاجتماعيّ للرواية والعلاقة بينهما.

صدرت للشاعر والمترجم التونسي شوقي البرنوصي هذا العام روايته “مأزق تشايكوفسكي” عن منشورات سوتيميديا، والتي يبحث ويسائل فيها الهوية الجندريّة والعلاقة مع المحيط العام العدوانيّ تارة والعبثي تارة أخرى.

أول ما يلفت النظر في الرواية هو عنوانها، ولاحقاً حضور موسيقى تشايكوفسكي في مساحات الحياة اليومية، كما في عربة القطار ذات الإيقاع الثابت المضجر والميكانيكي.

الوجود المزدوج

نسأل بداية البرنوصي عن الموسيقى وعلاقتها مع المتخيّل المثاليّ وسبب اختياره للعنوان، فيجيب أنه في رسالة تشايكوفسكي إلى السيّدة فون ميك راعيته، نقرأ "يعيش الفنّان وجودا مزدوجا: وجود إنسانيّ اعتياديّ ووجود فنيّ ولا يتزامن مسارا هذين الوجودين دائما. إذا كان الأمر كذلك، أكرّر أنّ الشرط الأساسيّ للقدرة على الابتكار هو القدرة على التخلّص من بعض المخاوف من الأوّل لأجل تكريس نفسه كليّا للثاني".

 هذا ما جعله يحاول في رواية “مأزق تشايكوفسكي” تشخيص ازدواجيّة شخصيّة مروان التونسيّة الصرفة التي تملّكت تشايكوفسكي في إبداعاته، وكان ملاذها موسيقاه حين يختار بين رغبتين: نزوعه المثليّ ومحاولة إرضاء المجتمع.

من خلال الرواية أراد الكاتب نقد موقف المجتمعات العربيّة من الأشخاص المختلفين، ومفهوم التسامح وقبول الاختلاف

ويضيف الكاتب “المعلوم أنّ راعية تشايكوفسكي تخلّت عن رعايته بعد اكتشافها لمثليّته وتنكّرت للموسيقار تماهيا مع نواميس المجتمع الروسي آنذاك. ساهمت الموسيقى في خلاص تشايكوفسكي من حياته البائسة والروتينيّة كموظّف في وزارة العدل. حاول مروان في هذه الرواية أن يتخلّص من روتينيّة علاقته -مأزقه الأكبر- مع زوجته وانعزاله عن مجتمع لن يفهم رغبته وهو المختصّ في الميكانيكا، وذلك في رحلته للقاء صديقه القديم. فاضطرابات وتغيّر إيقاعات موسيقات تشايكوفسكي سرّ عبقريّته، لذلك رافقت بطل الرواية للتماهي مع اضطرابه وتحضيره للوصول إلى وجهته الجديدة”.

يتأمل مروان بطل الرواية عيوب العالم من حوله، سواء تكوينه الرمزي أو المادي، وكأنه نزق عدميّ، أو مصاب بـ”غثيان” ما، إلى حد أننا نراه حبيس تفاصيل مبتذلة وعدوانيّة تشغل وعيه وتهدد حضوره، خصوصاً أنه يعيش دورين، علنيّا منصاعا للنظام القائم وأعرافه، وسريا شبقيّا متغيرّا.

هنا نسأل البرنوصي عن الوعي بعيوب العالم وعلاقته بالمناخ السياسيّ والوضعيّة البشريّة، فيعقب بقوله إن هذا الوعي مرتبط بتكوين الشخص الثقافي والسياسيّ والاجتماعيّ. لهذا جعل بطل الرواية مثقّفا وقارئا للروايات وطبّاخا ماهرا وميكانيكيّا.

مسائلة الدوافع الدفينة في الذات
مسائلة الدوافع الدفينة في الذات

ويضيف “تمنحنا قراءة الروايات عمقا في قراءة الشخوص والشخصيّات وفهم كينوناتها، ينمّي الطبخ حسّ التذوّق وموهبة خلط مكوّنات للحصول على نكهة مميّزة. كما يثبت علم الميكانيكا أنّ كلّ حركة لها قوانينها ومعادلاتها. تشترك هذه النقاط الثلاث في الاعتناء بالتفاصيل. إنّ تأمّل مروان للعيوب التي حوله جعلته يتسأل حول مفهوم الرجل ‘الصالح’. هل أنّ المثليّة وحدها خطيئة تمحي كلّ محاسن الشخص؟ أم أنّ شخصا مترعا بالعيوب وليس مثليّا تجعله رجلا صالحا؟ لماذا يتبجّح الناس ‘العاديّون’ بعيوبهم في حين يعجز هو عن إعلان نزوعه المثليّ رغم أنّه رجل مثقّف وصالح. تصنع أعراف المجتمع موديلات ومقاييس واجب إتباعها حتى يحصل الشخص على شهادة في أنّه مثاليّ”.

ويتابع “أما أنا فأردت من خلال الرواية نقد موقف المجتمعات العربيّة من الأشخاص ‘المختلفين’ ومفهوم التسامح وقبول الاختلاف الذي نتبجّح به. مجتمعات تصنّف الناس وفق تفاصيل مبتذلة ذات علاقة بالجنس أو الجسد ولا تحكم على الأشخاص وفق حسّها الإنساني ودرجة تحضّرها وثقافتها”.

كشف الحقائق

يحاول البرنوصي في الرواية أن يسائل الدوافع الدفينة في الذات، وكأننا نشاهد بطل الرواية يفكر أمامنا ونستمع لأثر تحديق ما حوله به، ويعّقب البرنوصي بقوله إن “رحلة مروان في ذلك القطار هي بحث عن ذاته، فعزلته التي خلقها بموسيقى تشايكوفسكي جعلته يفكّر في نفسه ورغباته وشواغله”.

 ويضيف “انطلقت من بعض الأمور الذاتيّة حاولت التخلّص منها عند كتابة هذه الشخصيّة. أنا أمقت التدخين مثلا وأرتاد أغلب الأماكن التي ذكرتها مثل مقهى البارناس ودار الصحافي، وتخيّلت أحداثا وشخوصا وقعت في تلك الأماكن ولا يمكنني أن أكبح جماح الخيال. أماكن وأحداث دفعتني لكتابتها بلغة بسيطة وضخّ نسق آخر بروح مغايرة فيها، الدكتور علي بابا مثلا طبيب موجود وله بعض المناوشات مع مرتادي دار الصحافي ورمزيّة اسمه توحي بوجوب سبر أغوار الكهوف المظلمة وأسرارها للمجتمع التونسي -والعربي عامّة- خاصّة تلك المتعلّقة بالجنس والأخلاق”.

دور الرواية هو تعرية الحقائق الصادمة وإعادة التوازن بين طبقات المجتمع، وبين المرأة والرجل وبين فئات كل جنس

تتغير هوية الراوي الجندريّة في مأزق تشايكوفسكي، ونتلمس ضياعه بين دورين، فهو تحت تهديد دائم بالعنف الواقعي والرمزيّ بسبب مخالفته للدور الرسمي، ويقول البرنوصي لإيضاح ذلك إنه أعاد كتابة الرواية خمس مرّات، منذ حصول مخطوطها على جائزة حورس للرواية سنة 2015، وحينها كان صوت الذكور هو المهيمن، بعدها أدرك اختلال التوازن بالرواية، إذ لم يكن هناك صوت آخر يمكنه كشف جوانب أخرى من الشخصيّة وخاصّة في علاقتها الزوجيّة، ما دفعه لتجسيد دور المرأة في المجتمع التونسيّ، والتي أفصحت في الرواية عن بعض التفاصيل الصادمة عن وضعيّتها في مجتمع يعتبر رائدا عربيّا وعالميّا في مجال حقوق المرأة.

ويضيف “تكمن الإشكالية الأساسيّة في نظري في الاختلافات وسط الجندر نفسه، ففاطمة الصحافيّة المعروفة تكتشف بالصدفة أنّ 300 ألف امرأة في تونس دون بطاقة تعريف وطنيّة. وهنا يأتي دور الرواية في تعرية تلك الحقائق الصادمة وإعادة التوازن بين طبقات المجتمع، وبين المرأة والرجل وبين فئات كلّ جنس، إذ آتي على ذكر المخنّثين في فصل من الرواية، فالشخصيّة الرئيسيّة لها نزوع مثليّ وتكره المخنّثين، وهذا التناقض الصريح كاف للقول إنّ رفض الاختلاف مسألة يتوجّب علينا التعمّق فيها لتخفيف حدّة العنف وسط المجتمع”.

14