شوقي شمعون رسام الصحراء باعتبارها تجربة عيش

عالم الرسام اللبناني شوقي شمعون يتسع كلما تقل عناصره.
الأحد 2021/07/25
شوقي شمعون.. إنسانيته القلقة تنافس جمالية لوحاته المستقرة

نادرا ما ينفتح فنانو “التقليلية” على مشاهد تشخيصية وطبيعية. فـ”التقليلية” التي تشير تسميتها إلى استعمال الأقل من الألوان ومن المواد ومن العناصر تعطي ظهرها لكل ما من شأنه أن يربك هدأتها واستقرارها والنتائج الخالصة التي تصل إليها من حيث اللون الواحد الذي يملأ المساحة بصمته المطبق.

ربما لم يكن اللبناني شوقي شمعون راغبا في أن يكون تقليليا خالصا غير أن مَن ينظر إلى لوحاته لا بد أن يسحره صفاؤها وخلوّها من أي نوع من الصخب اللوني. لون واحد لا أكثر. غير أن ذلك ليس كل شيء. لا يكتفي بتلك الصرامة اللونية التي يمكن أن تنتهي عندها اللوحة فهو يبحث عمّا يعبّر عنه على المستوى الإنساني. إنسانيته القلقة تنافس جماليته المستقرة.

يرسم شمعون بشرا لكن بطريقة إيحائية تنطوي على نظرة صادمة ويرسم البحر باعتباره ذروة الصفاء كما أنه يرسم الطبيعة لا باعتبارها مصدرا للتجريد بل لأنها تلهم الشعر.

بالشعر يكون العالم أجمل

 “العالم شعر” بالنسبة إلى شمعون. “إذا نُزع الشعر من الرسم تسيل الأصباغ فارغة من أيّ معنى أو قيمة جمالية“. كان ذلك واحدا من أهم الدروس التي تعلمها الفنان من التجريدية التعبيرية وبالأخص من جاكسون بولوك. لقد لعبت إقامته الأميركية دورا حاسما في تنظيم طريقته في التفكير في الرسم، وهي طريقة شاعر قبل أن تكون أسلوب مهندس في ترجمة ما هو عصي على القول أو الظهور.

بأناقة شاعر لا يُخفي رغبته في التمرد والشغب يرسم شمعون وهو يفكر في أن يكون العالم أجمل وأقل قهرا وأن يكون المشهد الحياتي إنسانيا بسعة ما يحلم به الإنسان. غالبا ما تكون رسومه مستلهمه من أحلامه. وهو ما يُضفي عليها طابعا استفهاميا غامضا. يرسم شمعون بشرا بحجوم صغيرة في مواجهة مساحة لونية هائلة. من جهته فإنه لا يعتبر ذلك استصغارا للإنسان. ذلك أمر طبيعي إذا ما قسنا المسافة.

ولكن الأمر يمكن ألاّ يكون كذاك دائما. فالإنسان في مواجهة أحلامه يبدو صغيرا. فكيف يمكن قياس المسافة إذا ما تعلق الأمر بالحرية؟ وإذا ما عرفنا أن الصحراء قد لعبت دورا عظيما في تشكيل أفكار الرسام عن الإنسان ومحيطه يمكننا أن نستغرق في تأمل تجربته من جهة صلتها بالماورائيات وهو ما صار الرسام يتعمق في دراسته.

يرش الفنان الرمل على سطوح لوحاته، يعجنه بالمواد ليثني على تلك القوة الماورائية التي تكمن في الصحراء وتهبها سحرا لا يمكن فك أسراره.

 الرسم والنسيان

الصورة

 ولد شمعون في البقاع بلبنان عام 1942. التحق بمعهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، وحصل عام 1972 على دبلوم الدراسات العليا. ومن بعدها حصل على منحة لدراسة الفن في الولايات المتحدة. عام 1975 حصل على درجة الماجستير من جامعة سيراكيوز بنيويورك. وحتى عام 1979 كان شمعون زميلا متفرغا في برنامج الدكتوراه بجامعة نيويورك وركز يومها على علم الجماليات.

منذ عام 1974 قام بتدريس الفن في لبنان والولايات المتحدة. وأقام أكثر من أربعين معرضا شخصيا في نيويورك وبيروت وهونغ كونغ ومدن أميركية وعربية وأوروبية أخرى.    

عاش شمعون في وادي البقاع حياة ريفية، وفي نيويورك عاش في أقصى حالات المواطنة المدنية. كانت رسومه جسر صلح بين معنيين للإنسانية وهو ما سعى إلى أن يكون مخلصا له في رسومه. لم يتخلّ عن إنسانيته التي هي جزء من بنيته الأساس في مقابل أنه اكتسب تفسيرا لإنسانية من نوع جديد من خلال إقامته في نيويورك. رسومه ليست ريفية كما أنها لا تشير إلى أيّ نوع من أنواع من القطيعة مع ماضيه. لقد اكتشف في نيويورك أنه يمكنه أن يستعيد شريط أحواله من خلال فن معاصر. لا يحتاج المرء إلى أن ينسى لكي يتذكر. شمعون يعيش في الرسم. يفلت الرسم من الذاكرة كما أنه لا يثني على النسيان. تعامل شمعون بعمق مع مسألة الهوية وهو يدرك أنها ستحاصره وتضيّق عليه الخناق يوما ما. أدرك أن حريته هي الأساس ولذلك وضع ذاكرته ونسيانه في خدمة رسومه. إنه مقيم في رسومه. كل عناصر أصالته تصدر عن رسومه. لا شيء آخر.

سيكون عليه أن يكون فنانا عالميا مقيما في لبنان. لا بأس، تلك صفة وليست هوية. وبذلك يكون الفنان قد صنع هويته من مجموعة من العناصر، لم يكن الكثير منها جاهزا.

 شمعون يرسم بشرا لكن بطريقة إيحائية تنطوي على نظرة صادمة ويرسم البحر باعتباره ذروة الصفاء كما أنه يرسم الطبيعة لا باعتبارها مصدرا للتجريد بل لأنها تلهم الشعر

“شوقي شمعون 2006 وحتى الآن” هو عنوان المعرض الذي استضافه مركز بيروت للمعارض عام 2013. معرض استعادي لمرحلة بعينها كما يشير إلى ذلك عنوانه غير أنه يمكن اعتباره خلاصة أسلوبية لتجربة الرسام عبر خمسين سنة من الرسم.

لقد هدأ عالم الفنان. صفا وأصبح أكثر نقاء وصارت مفرداته القليلة أكثر التصاقا بالفضاء الذي تقف أمامه من غير أن تُظهر أيّ محاولة لاقتحامه. ظلت الصحراء تتقدم فيما تقف الكائنات الصغيرة في مكانها أما البحر فإنه يُرسم من داخله لا ليُرى بل ليُعاش.

نوع من الحميمية يقترحها الرسام لتكون سمة العلاقة بين المتلقي وعالم لا ينغلق على تجريديته وفي الوقت نفسه لا ينفتح مستسلما على خارج هو ليس منه. ذلك هو عالم يجمع بين تركيبته الخاصة وما يلتقطه من تأثيرات خارجية، غالبا ما تكون أشبه بالأسرار.     

فبالرغم من أن الرسام ينطلق من علاقته بالمساحات الكبيرة التي تحتل الجزء الأكبر من لوحته من موقف المندهش غير أن أيّ نوع من الارتباك لا يهز تلك العلاقة وهو ما ينعكس على موقف المتلقي الذي يتقدم بثقة كما لو أنه واحد من أولئك الناس الصغار الذين لا يكشف الرسام عن قلقهم.

يرتجل كمَن يتذكر

 ربما يمكن الحديث عن مزاج ارتجالي اخترق عالم شوقي شمعون غير أن ذلك المزاج يعود إلى نوع العلاقة التي أقامها الفنان مع العناصر التي تشكل مصادر إلهامه من غير أن تظهر مباشرة على سطوح لوحاته.

إنه كمَن يتذكر أجزاء من الطبيعة التي عاش تفاصيلها في مراحل مختلفة من عمره. يتذكر غير أنه يكتفي باستعادة حالته يومها لا صور مباشرة لتلك الأجزاء التي تكون قد اختفت وليس في الإمكان استعادتها كما كانت.

يرتجل الفنان وهو في حالة انتشاء تعبيري أشكالا توحي بسيولتها ولا تميل إلى أيّ نوع من أنواع الصلابة. كما لو أنها كانت كذلك دائما.

الصحراء تلعب دورا عظيما في تشكيل أفكاره عن الإنسان ومحيطه، ويمكننا أن نستغرق في تأمل تجربته من جهة صلتها بالماورائيات وهو ما صار شمعون يتعمق في دراسته

ما يُرى يبدو منسجما مع تقنية الرسم المائي، بغض النظر عن حجم ذلك الشيء، شجرة كان أم عشبة. في خيال الرسام يتساوى تأثير المرئيات، غير أن ذلك لا يشمل تلك المرئيات التي يشكل تأملها نوعا من الضياع فيها كالبحر والصحراء.

حين يتماهى الرسام مع مزاجه الارتجالي تنبعث الأشياء من داخل سطح اللوحة كما لو أن الرسام يكتفي بإزالة ما كان يغطيها من ضباب. فقد إشارة ساحرة من يديه لتنبثق العلامات وتستعيد وجودها السابق لكن في مكان مختلف. شوقي شمعون هو الآخر رسام طبيعة لكن بطريقة إيحائية.

الصورة

9