شوقي شمعون يرسم سلاما أقرب مما يبدو

لوحات الفنان التشكيلي شوقي شمعون في معرضه الأخير جمعت ببراعة وفنية عالية طغى عليها جانب من "المسرحة" لم تعرفه لوحاته من قبل.
الخميس 2019/07/25
ألوان جريئة وفرحة

قدم الفنان التشكيلي اللبناني شوقي شمعون معرضه الجديد في صالة “مارك هاشم” البيروتية تحت عنوان “آفاق”، وهو الذي ضم ثلاثين عملا فنيا بأحجام كبيرة ومتوسطة مشغولة بالميكست ميديا والأكريليك، تعج بالألوان الجريئة والفرحة.

بيروت- من الصعب جدا النظر إلى لوحات الفنان التشكيلي اللبناني شوقي شمعون في معرضه الأخير الذي أقيم في صالة “مارك هاشم” البيروتية دون الشعور بأنه يستكمل السيرة الذاتية لشخوصه، وإن احتلت المساحات اللونية الجزء الأكبر من لوحاته الأخيرة التي أتت تحت عنوان “آفاق”.

دخلت هذه الشخوص/الخيالات إلى لوحاته منذ فترة التسعينات من القرن الماضي ولم تغادرها، وكيف تغادرها وهي موضوع اللوحات وتفاعلها مع ماضيها وحاضرها ومستقبلها؟ واللافت جدا في لوحات الفنان شوقي شمعون أن التسلسل التقليدي لتتابع الأزمنة حاضر وبقوة في لوحاته.

جدران الأمل

تسلسل تقليدي لتتابع الأزمنة
تسلسل تقليدي لتتابع الأزمنة

في معرض سابق له أطلق عليه شوقي شمعون عنوان “أبعد من الجدران” وقصد بالجدران تلك المساحات اللونية الأفقية والعمودية التي تنتصب أمام ناسه ككتلة جمَة وفاصلة ما بين عالم وآخر أو زمن وآخر، ففي تلك اللوحات المثقلة بالأسمنت كانت شخوصه أشبه بظلال ملونة بخفر تقف أمام تلك الكتل اللونية “الجغرافية” المقفلة. ولمعت في ذلك المعرض لوحة معبرة جدا وهي الأكثر إفصاحا عما دار في خلد الفنان عندما قدم معرضه وحملت عنوان “سكن للجميع”، صوّر فيها شمعون السكن على أنه عبارة عن طبقات من السجون المتراصة فوق بعضها البعض. أما في معرضه هذا، فباتت أشكال الشخوص أكثر تحديدا، لم تعد تشبه الظلال الملونة البتة، شخوص ملونة ونكاد أن نرى فيها أدق التفاصيل من قبيل تلاوين الشعر والحقائب المحمولة. فهؤلاء الشخوص باتوا في لوحاته أبناء الحاضر والواقع وليس أسرى الماضي أو المخاوف كما كانوا في معارضه السابقة.

لم يعودوا ظلالا تقف في مهب الألوان لتطل على الهاويات العمودية تارة وعلى الجدران الحابسة للأفق تارة أخرى، تلك الجدران أصبحت هي الأفق، أفق لوني يبعث على الأمل ويعلن حلوله طويلا في حياتهم.

وإن كانت شخوصه في المعارض السابقة، وخاصة ما قبل الأخيرة، تعلن بهيئاتها المختصرة أنها غير متورطة بما يحدث أمامها، بمعنى أنه لم يعد يطالها أي خطر من أخطار المشاهد المُقفلة أمامها لكثرة الانتظار والأسى، فتلك المساحات اللونية المنتصبة أمامها اليوم في لوحاته لم تعد تذكر بالباطون المسلح ولم تعد “خيالية/كونية”، ولم تعد تحمل ومضات خجولة من الألوان “الذهبية” والفضية، لأن الفنان في معرضه الأخير سكب ألوانه الذهبية وشبع بها لوحاته.

كما حضرت ألوان قرمزية وخضراء وزرقاء ووردية وبرتقالية مشرقة لا يمكن أن تحمل نفس المعاني التي كانت لها سابقا، أي أنها لم تعد مجرد طلاء واه لجدران صلبة.

لا نقول إن شوقي شمعون استخدم لأول مرة الألوان بوفرة جريئة وطاغية، فلوحات سابقة له كانت في أحد معارضه تعج بألوان، أود أن أطلق عليها ألوانا فضائية/مستقبلية، حيث ظهرت عناصر أسطوانية تحلق في فضاء اللوحات وعلى ارتفاعات منخفضة ومرتفعة شبيهة بصحون طائرة وافدة.

ولكن شخوصه آنذاك أشرفت على تلك المشاهد الكونية كمن يشرف على أضواء تظهر في القطب الشمالي وتعج بسريالية عارمة تشي بأنها وليدة تخيلات الناظرين إليها وليس من وحي واقعهم، كما طغى عليها جانب من “المسرحة” لم تعرفه لوحاته من قبل. مشاهد رائعة، ولكنها غير متاحة لهم للسير فيها بعيدا عن ذكرياتهم المؤلمة أو التعب الذي أرهق كاهلهم فتسمروا أمامها كشخوص من ملح صلب.

ألوان مرحة

آفاق حقيقية رحبة
آفاق حقيقية رحبة

طغت في لوحات الفنان الحالية، ليس مجرد ألوان جريئة و”فرحة”، بل ألوان ذات مواقف وجودية تعج بالأمل حتى الثمالة به. الوردي يذكر بالمثلجات التي نلتهم ألوانها قبل أن نلتهم مذاقها في فصل الصيف، والأخضر بدا حسيا حتى أقصى حد لدرجة أننا كدنا أن نتّسق المروج الخضراء بعد أن هطل عليها المطر ولوّحتها شمس خفيفة تخدرت هي الأخرى بعطرها.

والبرتقالي المتفجر بصمت فاعتلت نبرته “حموضة” ما، إن صح التعبير، وروت النفوس الزائرة والناظرة إليها. أما الزرقة فكانت زرقة السماء الباردة المرصعة بالنجوم، تلك النجوم القريبة التي هي في المتناول، في متناول شخوص اللوحات وليس نحن كمتفرجين، فهذه النجوم تلمع لأجلهم فقط ولتسعدهم هم وحدهم. أما الذهبي الذي ومض خجلا في لوحاته السابقة فكانت له لوحة بأكملها. صحراء من ذهب سقتها عيون الشاخصين إليها. وفي المعرض أيضا لوحات اصطبغت آفاقها بالصفرة القادحة، لم “تحرق” ناسها، أي الشخوص المرسومين دائما في لوحاته في أسفل اللوحة، بل توهّجت لتضيء لهم ولتشعرهم باتساع الأفق أمامهم، والأهم من ذلك، لتعلمهم بقابلية خرقه أو السير فيه.

وفي تلك اللوحات، وجميعها، أسرّ الفنان لشخوصه بأن المشاهد التي أمامهم لم تعد جدرانا، بل آفاق حقيقية يمكن التوجه إليها بكل رحابة ويسر. وقد أعلن اقتراب هذه المرحلة التي جسدها في معرضه الحالي أثناء معرض سابق له عندما أطلق على أروع لوحاته، هذا العنوان “الجدار البديل”، جدارا غنائيا يستأنف طريقه إليهم.

لوحات شوقي شمعون في معرضه الأخير، أكثر من معظم معارضه السابقة، جمعت ببراعة وفنية عالية ما يُطلق عليه باللوحات “التزينية” التي يحلو للمقتني أن يضعها في بيته وأمام عينيه واللوحات المفهومية ذات المغذى العميق.

والسير في الضوء هو أجمل ما قدمه الفنان شوقي شمعون لناسه الذين طال انتظارهم وقلقهم في لوحاته السابقة، يحلو لنا أن نجد في معرضه الأخير المعنون بـ“آفاق” تحقيق الوعد الذي أطلقه سابقا من خلال لوحة عنونها بـ“سلام أقرب مما يبدو”. إنه السلام قاب قوسين أو أدنى، وكم من الفرح الموجع لم يرض إلاّ الاقتراب نحو مُستحقيه.

16