شوقي ضيف عالم موسوعي دافع عن اللغة معيدا مجد البصرة

السبت 2015/06/13
عشر سنوات على غياب حارس الثقافة العربية

في عام 1930 أصدر الدكتور طه حسين قرارًا بقبول طلاب المدرسة التجهيزيّة في كُليِّة الآداب التي كان عميدها حينذاك، تقدَّم الطَّالب أحمد شوقي ضيف (اسمه المركب)، القادم من إحدى قرى محافظة دمياط بشمال مصر، لقسم اللُّغة العربيَّة، وكان يُعِدُّ نفسه للامتحان لدخول مدرسة دار العلوم وبعدها صار هذا الطَّالب الأول على دفعته، لتشاء الأقدار بعدها أيضا فيرأس قسم اللُّغة العربيَّة الذي ترأَّسَه طه حسين من قبل، ثم مجمع اللغة العربية ليكون آخر منصب ظلَّ فيه لمدة تسع سنوات حتى رحيله في 14 مارس 2005، اللافت أنه لم يخلف طه حسين في مناصبه، وحسب، بل أخذ عنه دأبه وإصراره على البحث وإن فاقه في غزارة إنتاجه.

على مبادئ القرية

كان مولده في 13 مارس 1910، مبعث الفرحة والسّرور لأسرته؛ حيث حَصَدَ الموت ولدين قبله، فاهتمت به الأسرة واعتنت برعايته، خاصّة الأم التي آثرت أن تسميه اسمًا مركبًا (أحمد شوقي) تيمنًا باسم الشاعر الأكبر، وقد كان لها ما أرادت، فبلغ شأو شوقي في الشهرة والصيت. نشأ على مبادئ القرية، ونهل من ملامحها الجمالية؛ حيث تشكًل وعيه من مناظر الريف الخلّاب، بنخله السّامق وأجنحته العالية من السّعف الأخضر، ومناظر الحشائش كما تردّدت على أذنيه الأغاني الريفيّة الساذجة، والقصص الخرافية التي تقولها الجدات للأطفال.

في سن السّادسة ألحقه والده بالمدرسة الأوليّة في القرية، وعند التاسعة انتقل والده إلى دمياط، فرأى في دمياط عالمًا غريبًا وجديدًا على عقله، الذي لم يألف ما رأى من قبل.

وفي دمياط عهد به والده إلى أحد محفظي القرآن، المشهود عنهم الشِّدة في التحفيظ، وعنده حفظ القرآن وأتمّه، ثم التحق بعد ذلك بالمعهد الديني في دمياط، وفي هذا المعهد بدأ وعيه يتشكّل، فقرأ في كتب النحو ومتونه، ثم كتب الفقه الشافعي ومتونه وشروحه وشروح الشروح المُسماة بـ “الحواشي” بالإضافة إلى قراءاته للمقالات في الصحف، خاصة صحيفتي البلاغ والسياسة، فقرأ العقاد، وهيكل، وطه حسين، والرافعي.

كان لقراءاته لكُتَّاب المقالات في السياسة والبلاغ الأثر الكبير في توجيه اهتمامه للالتحاق بمدرسة دار العلوم (كلية دار العلوم الآن) وبالفعل أخذ يُعد نفسه للالتحاق بالمدرسة التجهيزية التي تعد لدخول المدرسة وانتظم في الدراسة بها، حتى سمع بقرار طه حسين بفتح قسم اللغة العربية بكلية الآداب بقبول طائفة من خريجي المدرسة التجهيزية، فكان من ضمن الطلاب الذين التحقوا بكلية الآداب عام 1930 وفي الآداب شغف بمحاضرات أمين الخولي أستاذ البلاغة والتفسير، وأحمد أمين أستاذ الحياة العقلية الإسلامية ومصطفى عبدالرزاق أستاذ الفلسفة، وعبدالوهاب عزام أستاذ الأدب الفارسي.

تخرج في كلية الآداب عام 1935، وعُين مُحرِّرًا بمجمع اللغة العربية بتوجيه من أستاذه أحمد الإسكندري إلى جانب دراسته العُليا وإعداده لأطروحة الماجستير، وفي عام 1937 عُين معيدًا في كلية الآداب بفضل أستاذه طه حسين، وحصل على الماجستير عن موضوع (النقد في كتاب الأغاني) بإشراف أستاذه، وبعدها الدكتوراه التي جاءت بعنوان (المذاهب الفنية للشعر العربي في القرن الرابع الهجري) عام 1942، وترقى في المناصب داخل القسم حتى صار رئيسًا لقسم اللغة العربية.

كتابه (المدارس النحوية) ينسب شوقي ضيف الفضل فيه إلى أصحابه، بعد أن تواطأ الدارسون إلى الزعم بأن أبا الأسود الدؤلي هو واضع مبادئ النحو العربي. فيكشف شوقي ضيف الحقيقة، مبرهنا على أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو واضع علم النحو، بل هو المؤسس الحقيقي لمدرسة البصرة

الطالب والأستاذ

دافع الأستاذ طه حسين عن الثقافة العربية بتحريرها من الجمود، داعيًا للتجديد العقلي، مما أثار عليه المعارك، التي وصل مداها إلى تكفيره، كما حَدَثَ بعد نشره كتاب «الشعر الجاهلي» سنة 1926، أما التلميذ شوقي ضيف فقد أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن التّراث العربي وهويته الثقافيَة. ومن أجل هذا وظَّف كتاباته لدحض دعاوى المستشرقين والحاقدين في الهجوم على العربيّة وتراثها الأصيل، مُتسلحًا بمنهج علمي رصين يرتكز على «التعمُّق والاستقصاء والبعد عن الأخذ بالأحكام المتسرعة، وتفنيد الآراء الباطلة وصولاً إلى الحقائق العلمية وكشفها». وقد انبرى للدفاع عنها في أكثر من مؤلَّف.

الغريب أنَّ أوَّل مقالاته كان في الدفاع عن أستاذه طه حسين بعد أن تمت مهاجمته لما كتبه عن الشَّاعر الفرنسي المتفلسف «بول فاليرى» وقصيدته «المقبرة البحرية». أما ثورته وغيرته على التراث العربي فجاءت في الجزء الخاص بـ«عصر صدر الإسلام» من موسوعته «تاريخ الأدب العربي»، حيث انبرى بالرَّد على المقولة الباطلة التي روَّجها المرجفون عن كون الإسلام «لم يتمخض صدره إلا عن أثرٍ طفيفٍ، ومُحدَّد الفاعلية في أشعار المخضرمين».

هكذا وَجَدَ نفسه يدافع ضد هذه الدعاوى الباطلة، مُفَنِّدًا أكاذيبها بالأسانيد والدلائل من أشعار المخضرمين، ومن النَّثر الفنِّي البديع الذي تجلَّى فيه جوهر الرِّسالة، وإلهامات القرآن. كما تصدَّى في كتابه «التطوير والتجديد في الشِّعر الأموي»، لأباطيل المستشرقين بأنّ «الشَّعر في عصر بني أمية لم يأتِ بجديد يختلف عن العصر الجاهلي، وأنَّ التجديد لم يظهر إلا في العصر العباسيّ» بقوله «إنّ التَّمَسُكَ بالثوابت والأصول التقليدية لم يمنع الشعراء من الاستجابة لإفرازات العصر من جديدٍ وتطوّر بل إنِّ العربَ واكبوا واستوعبوا ثم عبَّروا عن التطورات الجديدة التي لحقتْ بالحياة العربية في شتى الأمصار»، ثم يختم بقوله «إن التجديدات من صُنْع العنصر العربي وليست من ابتكارات الموالي». لكن يُمثّل دفاعه عن الشَّاعر أحمد شوقي في كتابه «شوقي شاعر العصر الحديث» مفارقة تكشف عن روح العصر ومرونته الفكرية الذي عاش فيه، فقد أوقف الكتاب للدفاع عن شاعرية شوقي، وما لحق به من غُبْنٍ، ووصفه بصفات هو براء منها، وفي معرض دفاعه هاجم أستاذه الدكتور طه حسين وكذلك العقاد، حيث ذكر أن في آرائهما «تَجمُّد مُسْرِفٍ وطعنٍ مُجْحِفٍ في شاعرية شوقي» ومع هذا فقد منحاه عن هذا الكتاب جائزة الدولة في عام 1955. فالأصل أنّه كان مهتمًا بتوخي وجه الحقيقة وحدها، ليقدِّمَ أحمد شوقي في الإطار الذي يستحقُّه شاعرًا غنائيًا وروائيًا وناثرًا.

كتابه «عالمية الإسلام» يمثل صورة واضحة تبلور فكر شوقي ضيف في الدفاع عن الإسلام، مما روجه بعض المستشرقين وما اشتهروا به من عداوات وتهم جاهز تلصق به، فقد أظهر في هذا الكتاب التعايش الفكري بين المسلمين وغير المسلمين بفكر قويم، حيث استطاع الإسلام، في نظره، أن يحدث امتزاجا قويا بين المسلمين وغيرهم

ضد التعصب

ويمثِّلُ كتاب «عالمية الإسلام» صورة واضحة تبلور فكر شوقي ضيف في الدفاع عن الإسلام، مما روَّجه بعض المستشرقين وما اشتهروا به من عداوات وتهم جاهزة تلصق بالإسلام، فقد أظهر في هذا الكتاب التعايش الفكري بين المسلمين وغير المسلمين بفكر قويم، حيث استطاع الإسلام – في نظره – أن يُحدث امتزاجًا قويًا بين المسلمين وغيرهم، مما حَدَا بالكثرة الكثيرة مِن شعوب الأمم المفتوحة باعتناقه عن يقينٍ وصدقٍ.

أوضح ضيف دعوة الإسلام إلى العلم، ورأى أن الإسلامَ لم يكن عائقًا للعلم وحريته، وردَّ عليهم بأن الإسلامَ عانقَ العلم منذ أوّل آية نزلت «اقرأ»، وأوضح أنَّ التعليمَ بالقلم غير مُقيَّد بنوعٍ خاصٍ من العلوم التي أسبغ الله معرفتها على الإنسان، وفي نهاية الكتاب أكَّد على أن الإسلام دين العدالة والتسامح؛ ليردَّ على الذين يرددون أن الإسلام دين التعصُّب والإرهاب.

وفي كتابه “المدارس النحوية” استطاع أن ينسب الفضل إلى أصحابه، بعد أن تواطأ الدارسون على الزعم بأن “أبا الأسود الدؤلي” واضع مبادئ النحو العربي. فيكشف الدكتور شوقي ضيف الحقيقة، ويرد الحق لصاحبه، مبرهناً على أن “الخليل بن أحمد الفراهيدي” هو واضع علم النحو، بل هو المؤسِّس الحقيقي لمدرسة البصرة.

وفي نفس الكتاب يدافع عن المدرسة النحوية المصرية بريادة “ابن هشام” حيث وصفها البعض بأنها “مدرسة تقليد واتّباع” وردّ عليهم بأنها “مدرسة اجتهاد وإضافة”. ومن جملة آرائه في الدفاع عن اللغة العربية والشعر ما قاله “لا توجد أمة تنازلت عن لغتها مثل اللغة العربية، حيث يتم التدريس بلغات أجنبية في جامعتها”.

وتظل فكرة العالم الموسوعي في العصر الحديث مُنْتَفِية، ولم يعد لها ذكر سوى صدى العصور السَّابقة، إلا أن إسهامات شوقي ضيف، بامتياز، تنسبه إلى هذه العصور. فقد أثرى المكتبة العربية، بكتابات وصل عددها إلى ستين مؤلفًا، عالج فيها ألوانًا مختلفة من المعارف والعلوم ويكفي شوقي ضيف فخرًا موسوعته الرائدة «تاريخ الأدب العربي» التي جاءت في تسعة أجزاء، طاف فيها بعصور الأدب منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث وما بينهما. كما تعدَّدت إسهاماته الإبداعيَّة فشملت الشِّعر والتراجم، وقد وصل عدد ما ترجم إلى عشرة آلاف شاعر كما يقول الدكتور (محمود فهمي حجازي) أحد تلامذته. وقد اعتمد على المنهج النقدي التاريخي، الذي أخذه عن أستاذه طه حسين.

الأستاذ طه حسين يدافع عن الثقافة العربية بتحريرها من الجمود، داعيا للتجديد العقلي، مما سيثير عليه المعارك، التي وصل مداها إلى تكفيره، كما حدث بعد نشره كتاب «الشعر الجاهلي» في العام 1926، أما التلميذ شوقي ضيف فيأخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن التّراث العربي وهويته الثقافية

تراث العالم

تعدّدت إسهامات ضيف الإبداعية فشملت الشعر والتراجم والتفسير، وكتب التحقيق والبلاغة والنقد، ومن هذه الكتابات: التطوير والتجديد في الشعر في العصر الأموي، والفن ومذاهبه في الشعر العربي، والفن ومذاهبه في النثر العربي، والغناء في مكة والمدينة، والبلاغة تطور وتاريخ، والشعر العذري. ومن كتب التراجم، البارودي رائد الشعر الحديث وشوقي شاعر العصر الحديث، وابن زيدون و”دراسات في الشعر العربي المعاصر” الذي تناول فيه شعراء عددين أمثال حافظ

ابراهيم، إسماعيل صبري، أحمد محرم، عبدالرحمن شكري، معروف الرصافي، خليل مطران، إلياس أبو شبكة، إيليا أبو ماضي، جميل صدقي الزهاوي، علي محمود طه، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم.

كما كان له دورٌ كبيرٌ في الإشراف على تأسيس أقسام اللغة العربية في الجامعات العربية، بل الإسهام في إنشاء الجامعات نفسها. وعبر مسيرته العلميّة الحافلة تدَّرج في المناصب داخل المجمع اللغوي مِن مُحرِّرٍ إلى عضو إلى أمين عام ثمّ رئيسًا له طوال تسع سنوات حتى رحيله عن عمرٍ يُناهز الرَّابعة والتِّسعين عامًا، في 14 مارس 2005 بعد أن خلًّف تراثًا شامخًا، ومبادئ سامقة في وجدان كلّ مَنْ قرأ للأستاذ شوقي ضيف، أو جلس معه، أو تتلّمذ على يديه مباشرة أو من خلال تراثه الكبير.

13