شوماخر زمانه

يزداد الأمر سوءا إذا تجاوزت امرأة تقود سيارة رجلا في سيارته، يتحول هذا الرجل فجأة إلى شوماخر زمانه ويفسر الأمر على أنه نيل من كرامته ودوس على شرفه.
السبت 2018/03/17
شغف القيادة له سحره

تؤكد الإحصائيات أن حوادث الطرقات التي يتسبب فيها الرجال ضعف عدد حوادث الطرقات التي تتسبب فيها النساء.

ورغم ذلك يصر أغلب الرجال -حتى لا نقول “كلهم”- على أن المرأة التي تقود سيارة على وشك التسبب في كارثة ثلاثية الأبعاد.

يعبر البعض عن رفضه صراحة لاقتسام الطريق مع النساء، كأنه ورثه عن جده الأول. أمعن أحدهم في تطرفه مؤكدا لي يوما أنه لو كان يمتلك سلطة لسحب رخص القيادة من جميع النساء الحاصلات على هذه الرخص.

جميعهم شوماخر معتز بنفسه.

عندما كنت صغيرة في سن الثالثة عشرة من عمري على الأكثر لم أكن أخشى قيادة السيارة أبدا.

كنت أنا وأخي الذي يصغرني سنًّا نخرج سيارة أبي من المرآب في غفلة منه ونتجوّل بها في قريتنا الصغيرة الهادئة.

لقد كنت أنا وأخي نتعاون على قيادة السيارة حتى أننا ندير المقود سويًّا. أتذكر أننا كدنا في إحدى المرات نسقطها في بئر لولا تشابك أيادينا على المقود. واستطعنا في الأخير تحويل وجهتها بعيدا عن البئر.

 لم تكن سيارة أبي متطورة، فإن لم أستطع أنا وأخي الحصول على مفتاحها كان ربط سلكين كهربائيين متدلّيَين من المقود كفيلا بإشغال محركها.

كنا نتذمر كثيرا من بطئها ومن صوتها المزعج. لكن رغم ذلك كانت السيارة عزيزة جدا على أبي؛ فهو يرفض بيعها أو استبدالها.

كانت سيارتنا التي كثيرا ما أقارن عمرها بعمر أمي -إذ أنها كانت حينها أصغر من أمي بعامين- تمضي وقتا في مرآب الميكانيكي أكثر مما تمضيه في مرآب منزلنا حتى أن أخي كانت له أمنية.

يقول دائما عندما أكبر سأشتري سيارة “على قاعدة”. واقتبس اللفظ من أبي الحنون الذي يقول كلما همّ بأخذها إلى الميكانيكي “هذه المرة سيصلحها على قاعدة صحيحة”.

أتذكر يوم غادرت السيارة منزلنا إلى غير رجعة بعد أن أعياها المشوار أني بكيت كما لم أبك يوما.

اليوم، تبدو سيارتي متطورة و”على قاعدة” لكنني فقدت ذلك الشغف الجميل بالقيادة الذي كان يملأني في طفولتي. لم تعد السياقة متعة كما كانت قبلا، أصبح الطريق حلبة سباق يريد الجميع إثبات جدارته فيها.

يزداد الأمر سوءا إذا تجاوزت امرأة تقود سيارة رجلا في سيارته، يتحول هذا الرجل فجأة إلى شوماخر زمانه ويفسر الأمر على أنه نيل من كرامته ودوس على شرفه، يزبد وينتفض ولا يهدأ له بال حتى ينتقم لنفسه متجاوزا السيدة.

وفي الأخير، بعد سباق محموم استنفد فيه شوماخر طاقته البدنية والعقلية وسلال سباب وشتائم يصل إلى وجهته. يوقف سيارته، ينزل منها ويرفع بنطلونه.

رفقا يا شوماخر ما هكذا تقاد السيارات.

24
مقالات ذات صلة