شيء خطير يحدث في المملكة المتحدة

الخميس 2014/09/11

"سيصوت الشعب الاسكتلندي في استفتاء يجرى في 18 سبتمبر 2014 على السؤال التالي: “هل يجب أن تكون اسكتلندا بلدا مستقلا؟” وهو سؤال لا يمكن لغير الاسكتلنديين الإجابة عنه. وبالتالي لا أعتقد أنه من المناسب بأن تعلق الحكومة على مسائل مازالت في هذه المرحلة افتراضية، وخصوصا عندما تكون هناك إمكانية بأن ينظر للتعليق على أنه تدخل في النقاش”.

هكذا أجاب وزير الخارجية الإيرلندي برلمان بلاده، وهو جواب يقدّم نموذجا للموقف الذي تتبناه الحكومات خارج المملكة المتحدة منذ الإعلان عن الاستفتاء الاسكتلندي. لقد اعتبروا العلاقة المستقبلية بين اسكتلندا وبقية المملكة المتحدة شأنا داخليا يتّخذ فيه فاعلون وطنيّون القرار عبر استخدام عمليات سياسية داخلية. وبغض النظر عن اللياقة التي تستشف من هذا الموقف، تعلم الحكومات جيدا أن الاستفتاءات متلونة ويمكن للتدخلات الخارجية أن تأتي بنتائج عكسية.

الاختراقات الوحيدة للصمت حدثت عندما شعرت الحكومات المعنية بتضرر مصالحها الآنية، وذلك حدث بالخصوص عندما أصبحت مدريد في سنة 2012 متخوفة بأن طبيعة الاستفتاء الاسكتلندي وحدوثه يمكن أن يأزما الوضع في منطقة كتالونيا. في بعض الأحيان يمكن أن يتم التعبير عن آراء الحكومات عبر خطابات تصدر عن شخصيات عامة بمن فيها السياسيون المتقاعدون، لكن كان صمتهم من ذهب إلى وقت قريب جدا.

بيد أن غياب التدخل يجب ألا يفهم على أنه غياب للانشغال. إضافة إلى أن المسألة الاسكتلندية تسبّب بروز حزب الاستقلال البريطاني وإمكانية إجراء استفتاء في 2017 حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي في وعي خارجي بأن شيئا غريبا وخطيرا يحدث في المملكة المتحدة. فضلا عن ذلك، إذا أسفر الاستفتاء في اسكتلندا عن الموافقة على الاستقلال ستتحول المسألة الداخلية على الفور إلى مسألة دولية رغم بقاء اسكتلندا جزءا من المملكة المتحدة إلى أن يتحقق الاستقلال الرسمي.

إن إعادة تشكيل المملكة المتحدة، تلك القوة العالمية السابقة التي مازالت تلعب دورا مهما في تشكيل المؤسسات الدولية والمحافظة عليها وهي أيضا عضو مهم في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو ولديها علاقة خاصة بالولايات المتحدة، لن يكون حدثا قليل الأهمية.

لكن لا يجب أن يفهم الانشغال على أنه دلالة على اهتمام متواصل وعن كثب وهو الموقف الذي أعربت عنه كل من إيرلندا وأسبانيا مثلا من مسألة الاستفتاء في اسكتلندا. وتعود قلة الاهتمام هذه في معظمها إلى الافتراض (الذي شجّعته عمليات سبر الآراء والإعلام والحكومة البريطانية) بضعف احتمالية الموافقة على الاستقلال في استفتاء سبتمبر 2014. إضافة إلى ذلك لم يكن الاستفتاء الاسكتلندي، بوصفه حدثا مازال في الأفق السياسي البعيد، بنفس أهمية قضايا أخرى خطيرة تشغل بال الحكومات مثل أزمة المنطقة الأوروبية، والانتفاضات والحروب الأهلية في الشرق الأوسط والثورة في الإنترنت وظاهرة الدفيئة العالمية والصراع في أوكرانيا والتوترات في الشرق الآسيوي.

في بداية 2014 حدث تغيير إذ تراجعت نتائج سبر الآراء وأدركت الحكومات أن الحملة الداعية إلى الموافقة أحسن أداء من حملة “الأفضل أن نكون معا” فأصبح بذلك الأمر الافتراضي أقل افتراضية ومن ثم من الأحسن أن تهتم بالموضوع.

أكتب هذا المقال بعيد الأداء الملفت للنظر للأحزاب المعادية للاتحاد الأوروبي في الانتخابات البرلمانية الأوروبية بما في ذلك خاصة حزب الاستقلال بالمملكة المتحدة (UKIP) وتذكرنا نتائج الانتخابات الأوروبية أن الاستفتاء يحدث في جو سياسي محموم سواء في المملكة المتحدة أو في مختلف أنحاء أوروبا مما يزيد في صعوبة تكهن الحدث وآثاره.

تتباين المواقف العامة تجاه استقلال اسكتلندا إذ نجد بعضها متعاطفا مع فكرة حكم اسكتلندا لنفسها بينما لا يتعاطف معها آخرون لأسباب متعددة. ومن الصعب جدا أن يلاحظ التعاطف على المستوى الحكومي حيث تغلب الدوافع السياسية. وليس هناك إلا عدد قليل جدا من الحكومات الأجنبية التي يمكن أن تفرح لانهيار المملكة المتحدة إذا صوتت اسكتلندا على الاستقلال، فالغالبية تتمنى ألا يجرى الاستفتاء أصلا أو أن التصويت سيكون لفائدة البقاء في المملكة المتحدة. ورغم أخطائهم الفادحة في الأحكام، مثلما هو الشأن في موضوع العراق، فهم لا يرغبون في تراجع قوة المملكة المتحدة وحضورها على الساحة الدولية.

في الصورة الكبرى لا يتوقّع أن تفضي مغادرة اسكتلندا للمملكة المتحدة في حدوث انتفاضة أو أزمة في السياسة العالمية. ويفترض ألا تفضي أيضا إلى العنف، وتعهدت كل من لندن وادينبورغ على التعاون بعد الاستفتاء، ولن تشمل التحولات الاجتماعية السياسية التي عقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. وربما تتراجع قوة المملكة المتحدة لكن ليس بشكل كبير بما أنها ستخسر أقل من عشر ثروتها وسكانها.

لكن إذا ما صوتت اسكتلندا بالموافقة على الاستقلال هناك رغبة واضحة من الجهات الخارجية في أن تبرز كل من اسكتلندا وباقي المملكة المتحدة كدولتين ومجتمعين قويين تجمعهما علاقات طيبة. وبالرغم من إمكانية أن تكون السنوات الأولى مضطربة هناك أمل في أن يتمكن البلدان من تجاوز الصعوبات وينتهيان إلى علاقة تعاونية. كما تأمل الأطراف في أوروبا والحلف الغربي بأن تبقى –أو تصبح- الدولتان المنبثقتان عن الاستفتاء عضوين أساسيين في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وغيرها من المؤسسات الدولية. وترى أغلب الحكومات أن مغادرة المملكة المتحدة أو ما تبقى منها للاتحاد الأوروبي يمثل تهديدا أكبر بكثير من مغادرة اسكتلندا للمملكة المتحدة.


عن مجلة دراسات دولية الصادرة عن المركز الملكي البريطاني للدراسات الدولية، تشاتام هاوس

7