شيء في صدري يدفعني إلى الرحيل

الأحد 2017/12/10

بدأت عقارب الساعة تدور بسرعة، وبدأ العد العكسي في ما يتعلق بعلاقة النجم الأرجنتيني خافيير ماسكيرانو بناديه الإسباني برشلونة، والخبر يتعلق هنا بقرب انتهاء تجربة هذا اللاعب في فريق “البلوغرانا”، حيث أكد هذا اللاعب لوسائل الإعلام الإسبانية مؤخرا أنه بصدد البحث عن فريق آخر بعد أن شعر أنه لم يعد قادرا على تقديم الإضافة المرجوة، بل أكثر من ذلك، فقد أوضح أنه فقد دور القائد صلب الفريق وخسر مكانه الأساسي وبات يلعب دورا هامشيا مع برشلونة.

هذا الشعور بدأ يكبر في صدر اللاعب الأرجنتيني منذ الموسم الماضي، حيث خسر تدريجيا مكانته المرموقة صلب الفريق، وبحكم تقدمه في السن بعد أن احتفل في يونيو الماضي بعيد ميلاده الثالث والثلاثين باتت مشاركاته قليلة في المباريات الرسمية، والأكثر من ذلك أن المدرب الجديد لبرشلونة فالفيردي، أصبح يعول أساسا على الثنائي الإسباني بيكيه والفرنسي أومتيتي في محور الدفاع، الأمر الذي أزعج كثيرا ماسكيرانو ودفعه إلى التفكير جديا في الرحيل، ومن ثمة اتخاذ القرار الصعب بطلب فسخ عقده، رغم أنه يمتد إلى موفى يونيو 2019.

لكن هل ثمة من يفكر في الخروج من “جنة البارسا”، هذا الفريق القوي والمنافس في كل موسم على الألقاب؟ فالكل يحلم باللعب لفائدة أحد أعرق الأندية في العالم، والكل يدرك جيدا أن حمل زي برشلونة يعتبر إنجازا في حد ذاته لا يقدر عليه سوى كل لاعب مبدع وموهوب، بيد أن خافيير اختار السير في الطريق العكسي وطلب الرحيل حتى ولو كانت الوجهة الدوري الصيني.

لقد عرف ماسكيرانو منذ قدومه إلى الفريق الكاتالوني سنة 2010، قادما من نادي ليفربول أياما رائعة وإنجازات أروع، لقد تذوق طعم التتويجات في مختلف البطولات وكان إحدى أبرز ركائز الفريق “الذهبي”، إذ شارك في أغلب المباريات الحاسمة، فماسكيرانو الذي كان بمثابة الشقيق الأكبر للنجم الأول في الفريق ليونيل ميسي، نجح بامتياز في أن يكون إحدى أهم ركائز الفريق وأحد قادته المؤثرين، أما اليوم فقد بدأ كل شيء يتغير.

فميسي الذي طالب بشدة بضرورة التعاقد مع ابن بلده في موفى موسم 2008-2009، كان له ما أراد، إذ كان “البرغوث” يدرك جيدا أن وجود “شقيقه الأكبر” سيزيده ثقة في قدراته ويعطيه الأمان المطلوب، خاصة وأن ميسي كان في تلك الفترة يمر بانتعاشة قصوى، ولم ينقصه في الفريق سوى وجود من يساهم في تأطيره واحتوائه.

تطورت العلاقة كثيرا بين اللاعبين، خاصة وأنهما تناوبا على حمل شارة القيادة في المنتخب الأرجنتيني، ومعها تطور مستوى ماسكيرانو بشكل كبير، حيث كان صمّام الأمان لميسي وكذلك لبرشلونة سواء في الدفاع أو وسط الميدان، كان يقوم بدور “الجوكير” في الفريق، وكثيرا ما كان له تأثير إيجابي على مستوى “البارسا” في عدة مواجهات حاسمة، فبفضل قوة شخصيته وعطائه الغزير فوق الميدان، نجح بسرعة في أن يكون أحد القادة المؤثّرين، رغم وجود لاعبين مميزين من أبناء النادي مثل تشافي وإينيستا وبيكيه.

لم ينتظر كثيرا حتى يحمل شارة القيادة في الفريق الكاتالوني، فماسكيرانو يعتبر صلب الفريق لاعبا له كلمته المؤثرة والمسموعة، والأكثر من ذلك، إنه يحظى باحترام كل زملائه، وبعد رحيل تشافي بات مع إينيستا وبيكيه أبرز “كوادر” برشلونة، وحتى ميسي كان يستأنس برأي “شقيقه” الأكبر سواء في الملعب أو خارجه.

بيد أن كل شيء بدأ يضيع تدريجيا، فماسكيرانو بدأ منذ فترة طويلة في دفع ثمن التقدم في العمر في زمن لا يعترف إلاّ بعنفوان الشباب، وساهمت الإصابات أيضا في خسارته مكانه الأساسي في عدة مباريات، لينطلق هذا اللاعب الصلب في فقدان قوة تأثيره في أركان البيت الكاتالوني، وربما السبب الأكثر أهمية في حصول هذا الأمر، هو انتهاء فترة “حضانته” لمواطنه ميسي الذي كبر ونضج وبات اليوم القائد الأول في الفريق حتى في وجود “الشقيق” الأكبر ماسكيرانو.

لقد أدرك هذا اللاعب أن دوره في الفريق انتهى، أما مسألة بقائه وتجديد عقده فإنها مرتبطة ببعض المشاعر والعواطف الإنسانية التي دفعت بإدارة النادي إلى تمديد فترة إقامة هذا اللاعب مع الفريق حتى وإن فقد كل مقومات القائد المؤثر والشقيق النصوح.

بدا ماسكيرانو في بداية الموسم بمثابة “العجلة الخامسة”، إذ بات لاعبا احتياطيا لا يستنجد المدرب فالفيردي بخدماته إلاّ نادرا، لقد بدا أيضا أشبه بذلك “الثور العجوز″ الذي ينتظر قدوم لحظة الإجهاز عليه.

ومن هناك، كان عليه أن يتخذ القرار الصعب، ليطالب بالرحيل بعيدا عن مضجعه المريح ويختار خوض تجربة جديدة حتى وإن كانت وجهته القادمة صينية، فقدر “القادة” ترصّد لحظة الخروج المناسبة، وقدرهم أيضا عدم انتظار ساعة وضع عصابة على العين على “الثور العجوز″.

وماسكيرانو يريد الخروج من الباب الكبير، ويريد المشاركة في أكبر عدد من المباريات عله ينهي مسيرته بمشاركة مونديالية مشرفة تليق بمكانة لاعب كان في وقت قريب قائدا محاربا ومؤثرا يستأنس الكل بآرائه ومواقفه، لكنّ الزمان تغيّر للأسف، بل لنقل بعبارة أدق، للعمر أحكامه وللقلب أيضا.

كاتب صحافي تونسي

23