شيء ما يجري إعداده لمصفاة البترول الوحيدة في الأردن

تشنّج من هذا العيار بين الحكومة والمصفاة لا يحمل في طياته إلا ما يضر بمناخ الاستثمار في قطاع المحروقات ويحد من القدرة على توفير منتجات أقل تلوثا وأكثر امتثالا للمواصفات المعتمدة.
الجمعة 2021/01/29
لا تبدو ثمة حلول أو تسوية وشيكة بين الحكومة والمصفاة

ما كاد الجدال بين وزيرة الطاقة الأردنية ومدير مصفاة البترول يخرج إلى العلن على شكل سجال في وسائل الإعلام، حتى قفزت إلى أذهان الناس فكرة أن شيئا ما يجري إعداده للمصفاة الوحيدة التي يعتبرها الأردنيون أحد المنجزات الوطنية.

الأمر أشبه بحلقة مفرغة. الحكومة لا تبدي نية لسداد مئات الملايين من الدنانير من الديون المستحقة عليها للمصفاة التي تحتاج هذه المبالغ بشدة لتنفيذ مشروع توسعة. في المقابل تسمح الحكومة منذ أكثر من سنتين بإنتاج مشتقات نفطية ملوثة “مؤقتا” إلى حين الانتهاء من مشروع التوسعة الذي من المفترض أن يضمن الامتثال للمواصفات المحلية.

طبيعة العلاقة بين الحكومة والمصفاة معروفة منذ سنوات. لكن لماذا الجدل الآن على وسائل الإعلام؟ لماذا التسويف والمطمطة في سداد الديون وبالتالي التأخر في تنفيذ التوسعة الممتدة على ثلاث سنوات والمقدرة تكاليفها بثلاثة مليارات دولار؟ لماذا “شرعنة” التلوث واعتباره من صلاحيات الحكومة؟ ولماذا يبدو ذلك كله مثل صفقة؟ السماح بالتلوث مقابل الصبر على الديون!

هذا في التفاصيل. أما الخطوط العريضة فهي مرتبطة بقطاع الطاقة ككل في الأردن وبنوايا الحكومة تجاه إعادة هيكلة القطاع ومنح تراخيص لمصاف جديدة وأيضا بواعث قلق من تفكيك أنشطة المصفاة التي تملك الحكومة نحو ربع أسهمها.

إلغاء "الإعفاء" يعني توقف التكرير في المصفاة التي تلبي حوالي 40 في المئة من الطلب على المشتقات النفطية في السوق الأردنية وكل احتياجات الغاز المنزلي في المملكة التي تستورد حوالي 95 في المئة من طاقتها

هنا ثارت مخاوف الرأي العام على المصفاة التي يملك الأردنيون 80 في المئة من أسهمها ويعمل فيها قرابة ثلاثة آلاف موظف. المخاوف مشروعة وتفسّرها تجارب الحكومة في التعامل مع الشركات التي تقدم الخدمات الأساسية وسبق للحكومة أن خصخصتها أو تخلت عن ملكيتها أو منحتها امتيازات.

ويفسر هذه المخاوف أيضا الشعور العام بأن الحكومة تريد إضعاف المصفاة التي ستحتفل بعد أيام بمرور ستين عاما على افتتاحها. الناس على الأغلب ليست لديها ثقة بقرارات الحكومة خصوصا في مجال الاستثمار.

لا تبدو ثمة حلول أو تسوية وشيكة لكنّ تشنجا من هذا العيار بين الحكومة والمصفاة لا يحمل في طياته إلا ما يضر في النهاية بمناخ الاستثمار في قطاع المحروقات ويحدّ من القدرة على توفير منتجات أقل تلوثا وأكثر امتثالا للمواصفات المعتمدة.

الناس تشك في كل تصرف للحكومة لاسيما في مجالات الاستثمار. ورغم النفي الرسمي، لا يزال الأردنيون يتحدثون عن خطة لبيع حصة الحكومة في المصفاة أو مؤامرة أو صفقة خلف الكواليس. ووصل القلق على مستقبل المصفاة إلى حد اتهام الحكومة باتباع “أجندة خارجية” ضد المصفاة، على حد تعبير المسؤول النقابي عن العاملين في قطاع البتروكيماويات.

في مقدمات موجة الخصخصة وتفكيك أملاك الدولة التي اجتاحت القطاع العام في الأردن أواخر تسعينات القرن الماضي وما بعدها، كانت المؤسسات الخدمية العامة من كهرباء ومياه واتصالات تتعرض لهجمات في الإعلام وانتقادات ومحاولات للتقليل من جودة منتجاتها. وكل هذا كان يساق كمبرر لانسحاب الحكومة منها وتحويلها إلى شركات ثم بيع أسهمها.

ويتذكر الكثير من الأردنيين كيف انخفضت سوية الخدمات الأساسية قبل تنفيذ مشاريع الخصخصة ثم تصاعدت أسعار الكهرباء والمياه والاتصالات إلى أضعاف مضاعفة في أعقاب التخلي عن الملكيات الحكومية وساد شعور آنذاك بأن الحكومة “باعت الناس” للمستثمرين.

لم يكن أحد قط في طمأنينة إلى أن صفقات الخصخصة الضخمة تلك تمت كلها فوق الطاولة. وفي ظل الانتقادات الحكومية المباشرة لأداء مصفاة البترول، من حق الناس أن تدافع عن المصفاة باعتبارها أحد مقدرات المملكة.

مفارقة أخرى صاحبت السجال الذي دار بين الوزيرة هالة زواتي ومدير المصفاة عبدالكريم العلاوين، وأضاءت جانبا من التعامل الحكومي مع التلوث عموما وفي قطاع المحروقات بصفة خاصة، حين دخل وزير سابق للبيئة على خط الخلاف وهاجم المصفاة بسلسلة من المنشورات على فيسبوك تدافع عن وزيرة الطاقة.

الناس تشك في كل تصرف للحكومة لاسيما في مجالات الاستثمار. ورغم النفي الرسمي، لا يزال الأردنيون يتحدثون عن خطة لبيع حصة الحكومة في المصفاة أو مؤامرة أو صفقة خلف الكواليس

الوزير السابق خالد الإيراني، الذي تولى أكثر من مرة حقيبة البيئة وبالتالي كان المسؤول الأول عن مكافحة التلوث في الأردن، اعتبر أن المصفاة “ملوثة للوطن” وأن الحكومات “دلّعتها كثيرا” فيما مضى، مطالبا إياها بالتوقف عن التكرير أو إنتاج مشتقات مطابقة للمواصفات، وهو ما يتعذر أو يستحيل تحقيقه في الوقت الراهن.

ثمة حالة من الاستغراب إزاء الجدال بين زواتي والعلاوين حول الديون والتلوث وتساؤلات عن جدواه، ما دامت الحكومة لا تستطيع إنهاء ما يحلو لها تسميته بـ”الإعفاء” الذي هو في الواقع ترخيص للتلوث.

إلغاء “الإعفاء” يعني توقف التكرير في المصفاة التي تلبي حوالي 40 في المئة من الطلب على المشتقات النفطية في السوق الأردنية وكل احتياجات الغاز المنزلي في المملكة التي تستورد حوالي 95 في المئة من طاقتها.

هذه الفجوة التسويقية الواسعة لن تستوعبها السوق ولا تحتملها الحكومة وهي ليست في وارد إلغاء الإعفاء. لكنها أيضا متأخرة عن سداد 360 مليون دينار (أكثر قليلا من نصف مليار دولار) تريدها المصفاة لتنفيذ مشروع التوسعة الذي تعول عليه لإنهاء هذه الحالة الاستثنائية والعودة إلى الالتزام بالمواصفات.

الحكومة التي تنظم قطاع الطاقة انتقدت مخالفة المواصفات في المحروقات التي تنتجها المصفاة. في الواقع هذا الانتقاد ينبغي أن توجهه الحكومة إلى نفسها أو تبادر إلى مساعدة المصفاة على استكمال مشروع التوسعة وتحسين جودة المنتجات النفطية.

8