شيء من العشق والرومانسية مع السيدة العجوز

الأحد 2016/04/10

هي قصة جميلة موغلة في الأحاسيس والعواطف الجياشة تلك التي تجمع بين الحارس الألمعي جانلويجي بوفون وفريقه اليوفنتوس، و”الولد البار بأمّه” التي ربته واحتضنه لم يتنكر أبدا لعائلته، بل استمات حبّا وعشقا في الدفاع عنها والمساهمة في قيادة هذه العائلة إلى شواطئ النجاح والتألق الدائم.

هكذا هي ببساطة علاقة بوفون باليوفي الذي قدم إليه فتى يافعا وحارسا لامعا، برز في سنواته الأولى مع بارما قبل أن يختطفه سحر اليوفي وأضواء مدينة تورينو التي ينتمي إليها فريق السيدة العجوز.

قدم بوفون منذ سنة 2001 إلى اليوفي بعد تجربة أولى رائعة مع فريقه الأم بارما، لتبدأ بذلك قصة العشق السرمدي المستمرة إلى اليوم دون انقطاع، قصة حقق خلالها أحد أهم رموز اليوفي عدة ألقاب وبطولات وتتويجات، والمحصلة مازالت مرشحة للارتفاع.

لقد حل ركب بوفون بالنادي في زمن كان يعرف بتأثير اللاعبين الكبار والنجوم على غرار دال بييرو والمدرب الحالي للمنتخب الإيطالي كونتي، بيد أن الشاب المتأنق والمتألق والمبتسم دوما دخل دون استئذان قلوب عشاق اليوفي، واتخذ مكانا لا يزاحم فيه أحدا، خاصة وأنه أثبت براعة استثنائية وقدّم الإضافة المرجوّة، وأمّن مكانه الأساسي في حراسة مرمى الفريق، بل لم يتمكّن أيّ منافس من مقارعته وإبعاده عن مكانه ضمن التشكيل الأساسي منذ سنة 2001 إلى اليوم.

في العلاقة الوثيقة بين اليوفي والحارس بوفون الكثير من الرومانسية والحب، فقد أعطى بوفون كل ما لديه وساهم في تطور مستوى الفريق وقاده إلى النجاح باستمرار وكان صمّام الأمان المثالي، وبالمثل فإن اليوفي فتح لهذا الحارس بوابات البروز والنجومية وساعده على أن يضمن لنفسه مكانا دائما ضمن المنتخب الإيطالي، لينال شرف الحصول على لقب كأس العالم سنة 2006 في مونديال ألمانيا، حينها كان بوفون الحارس الأبرع في المونديال وتمّ اختياره أفضل حارس في العالم.

في ذلك العام الاستثنائي في تاريخ الكرة الإيطالية حصل أمر جلل، ففي الوقت الذي احتفى خلاله “الطليان” بتربّعهم على العرش العالمي، حدث زلزال كروي كارثي في الدوري الإيطالي بسبب فضيحة التلاعب بالنتائج، لقد دفع فريق “السيدة العجوز” أغلى ثمن” إذ جرّد من لقبه ونزل إلى الدرجة الثانية، لكن القصّة الأروع في كل ما حصل، هو ما فعله بوفون.

فما قام به بوفون أعاد إلى الأذهان ما حصل في فيلم “التايتانيك”، عندما تعمد المخرج العالمي سبيلبيرغ التركيز على تفاصيل قصة رومانسية رائعة جمعت بين بطلي الفيلم أسالت دموع الحالمين، أكثر من سرد وقائع هول كارثة تحطم السفينة، فكان المنتوج رائعا ومبهرا للغاية، وهذا ما حصل بين بوفون واليوفي.

ففي الوقت الذي تخلّى خلاله النجوم الذين صنعهم اليوفي عن فريقهم، وخيّروا الانتقال إلى فرق أخرى بعد النزول إلى الدرجة الثانية على غرار السويدي زلاتان إبراهيموفيتش والإيطاليين زامبروتا وكانافارو، رفض العاشق بوفون التخلّي عن “السيدة العجوز”، ورحّب بكل حب الذود عن ألوان “أمه”، حتى لو لعب اليوفي في أدنى الدرجات.

موقف أثار إعجاب الملايين في كافة أنحاء العالم، وجعل من بوفون لاعبا أسطوريا ورمزا لن ينسى في تاريخ النادي.

برهة قليلة من الزمن قبل أن ينفض اليوفي غبار الدرجة الثانية، ليعود رويدا رويدا إلى مصاف الأندية الأقوى في إيطاليا وأوروبا، والدليل على ذلك بلوغه العام الفائت نهائي دوري الأبطال، والفضل يعود إلى نخبة من اللاعبين الرائعين يقودوهم بكل اقتدار الحارس الأمين والوفي بوفون، الذي لم تزده سنوات العمر المتسارعة سوى ألقا متجددا وعشقا متأصلا لليوفي.

في سن الثامنة والثلاثين مازال بوفون يرتع في الملاعب ويقدّم أروع اللوحات التي يمكن أن يقدمها حارس عالمي بمثل قيمته، وهذه السنوات ربّما لن تزيده سوى حبّ ورومانسية تجاه فريقه، ما يجعله يقرر المواصلة والاستمرار لسنوات أخرى، داحرا فكرة الاعتزال من مخيّلته في الوقت الراهن.

من مصادفات قصص كرة القدم أنها تأتيك أحيانا بتفاصيل استثنائية لا تخالها تحصل سوى مرة واحدة ولن تكرر، لكن في بيت “السيدة العجوز” كل المعجزات ممكنة طالما أن سرّ النجاح والتألق يكمن في التفاصيل، ومدى شدة ارتباط الأبناء بالتبني بأمهم الحاضنة.

وقصة بوفون تذكرنا إلى حد بعيد بما حصل مع الحارس دينو زوف الذي عرف سنوات مجده في السبعينات مع اليوفي، قبل أن يقوده تألقه مع الفريق إلى حراسة شباك مرمى منتخب “الأزوري”، والأكثر من ذلك أنه قاد منتخب بلاده إلى الحصول على كأس العالم عام 1980، وهو في الأربعين من عمره.

وبما أن بوفون صاحب الثامنة والثلاثين ربيعا لم يفكر بعد في موعد الرحيل والاعتزال، ومازال محافظا على مركزه الثابت مع المنتخب الإيطالي، فإن حلم التتويج مجددا بكأس العالم في مونديال 2018 يبقى ممكنا، مادامت هذه الرومانسية مستمرة بتوهج أكبر بينه وبين فريق “السيدة العجوز”.

كاتب صحافي تونسي

23