شياطين في ثوب ملائكة، وما أكثرهم

من يتاجر بالدعاء ويستثمر جهل العباد بموجبات الاستجابة لتحقيق هدف ورغبة دنيوية فما دعاءه إلا مكاء وتصديه، وما دعاءهم إلا في ضلال.
الاثنين 2019/08/05
ما أجمل التضرع إلى الله بالدعاء

أمسك يدي قائلا: ادعي لي يا أمي، أنا في أمسّ الحاجة لدعواتك، وأضاف مازحا: أريدها دعوة ياباني أصلية، وليست دعوة صيني، مضروبة، فابتسمت ولسان حالي يقول: أتوصيني وأنا الراجية رحمته؟

حقا، نحن جميعا في حاجة للدعاء إلى الخالق سبحانه وتعالى، وتزيد حاجتنا وتدمع أعيينا كلما زادت مشكلاتنا وتعقدت حياتنا في ظل الغلاء الفاحش وضيق الفرص وظروف الهلاك النفسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الثقافي التي تحيط بكثير من سكان وطننا العربي، لكن تحول الدعاء بغتة إلى نقمة على الإنسان وسبب لمذلته والنيل من كرامته وابتزازه لا لشيء إلا أنه بات طريقا سهلا لشياطين الإنس المتربصين بكثير من النساء، مستغلين ضعفهن وجهلهن وانتظارهن الضاغط لحلول السماء.

التقيت بصديقتي في النادي الرياضي، لمعرفة ما بها بعد إلحاح شديد على سرعة اللقاء، فقليلا ما نلتقي بسبب مشاغل الحياة، لكنها صدمتني بأنها وقعت ضحية لابتزاز من قبل شيخ كانت تظنه جليلا.

دأب على الدعاء لها جهرا كلما رآها، وتطور الأمر لأن يلاحقها برسائل في الليل والنهار معطرة بأدعية إن نطقها مؤمن وصدق قلبه ولسانه لفتحت لها أبواب السماء حتى اقترب منها على استحياء شيئا فشيئا وأوهمها بأنها ضحية الحسد والحقد ممن حولها وأن كثيرا من الناس يتربصون بها ويستعينون بعوالم الجن وشياطين الإنس للنيل منها.

انعزلت صديقتي عن عالمها، وباتت دمية يحركها حافظ القرآن والسنة النبوية الشريفة حتى كشف عن وجهه الشيطاني ودخل مرتاح الضمير لمرحلة جني ثمار ما زرعه في قلب المسكينة وما عرفه عنها وعن حياتها الخاصة وأسرارها ومن حولها.

للأسف، دائما النساء في مرمى المرضى اللاهثين وراء فرصة للابتزاز، وتزيد المخاطر مع تنوع طرق التواصل الاجتماعي، والجهل، والشغف الدائم لمعرفة الغيبيات، ولا أعلم لماذا لا تتعجل المرأة الضحية الحديث عن هذه الأمور ولا تنطق بها إلا بعد فوات الأوان.

جميعنا في حاجة ماسة إلى مراجعة ما نقوله وما نسمعه، والشخوص التي نتواصل معها، فمن نعرفه جيدا يسهل التعامل معه عن المتخفي وراء شاشة الكومبيوتر أو الموبايل

لولا تدخل سريع وحكيم، وتهديدات لهذا المدعي بفضح أمره، لظل يطاردها وينال منها ما يشاء، فلم تتحدث إلي إلا بعد أن ابتزها ماديا، وأخذ الكثير، واقترب من الاستغلال الجسدي والنفسي، ثمة مكر وممارسات شائنة تمارسها هذه النوعية من رجال فقدوا النخوة والشهامة، ووصل بهم الحال للمتاجرة بما بين العبد وربه، هؤلاء من أطلق عليهم “الله على ألسنتهم وليس في قلوبهم”.

صديق يكبرني سنا وخبرة فاجأني بقوله “راقبي نسبة المتصلات ببرامج الفتاوى على القنوات الفضائية.. تكاد تقترب من الكمال، ولا تنهي المتصلات حديثهن إلا بالإلحاح على الشيخ بالدعاء لهن”. وأضاف “لا تمر عليك حاجة المرأة لسماع عذب الكلام مرور الكرام لأنه الباب الخفي لفتح قنوات الكلام مع شياطين الرجال، وتزيد الأبواب اتساعا كلما كانت المرأة منفصلة عن واقعها، أو مبدعة أو باحثة عن التشجيع، وتفتح الأبواب على مصراعيها إذا كفر من حولها وأقرب الناس إليها بطاقتها الإبداعية وإمكانياتها الخلاقة”.

ما أجمل التضرع إلى الله بالدعاء ونحن موقنون بالإجابة، دعاء يخلو من الإثم والقطيعة، يرجو المحبة ودرء الفتن والوقيعة، من القلب لرب سميع لا يرد عبدا صدق الدعاء، فالله قد يؤجل الاستجابة لحكمة لا يعلمها إلا هو لكنه لا ينسى تحقيق أمانينا، وكلما فزع الإنسان لاستجابة الله لدعوة إبليس عندما طلب أن يكون من المنظرين ليضل الناس، فلا يتعجل تلبية دعائه من رب رحيم، وليترفق بنفسه فربما دعا بالشر دعائه بالخير.

فمن يتاجر بالدعاء ويستثمر جهل العباد بموجبات الاستجابة لتحقيق هدف ورغبة دنيوية فما دعاءه إلا مكاء وتصديه، وما دعاءهم إلا في ضلال.

وفي ظني إذا أمطرك أحد بسيل من الدعاء، ودأب على ملاحقتك بعذب الكلام فإنه يريد شيئا لا يستحقه، وإلا لماذا يجهر لك بحديثه الخفي إلى الخالق؟ إن أفضل الدعوات تلك التي عن ظهر الغيب، ولا يسمعها إلا رب العباد.

لا نزال جميعنا في حاجة ماسة إلى مراجعة ما نقوله وما نسمعه، والشخوص التي نتواصل معها، فمن نعرفه جيدا يسهل التعامل معه عن المتخفي وراء أجهزة الكمبيوتر أو الهاتف المحمول، دائما وراء الشاشات المضيئة الكثير من الكذب والقليل من الصدق، ولو فهم الناس ما قاله “الملك” في كتابه العزيز لهدأت النفوس وسكنت إلى الدعاء، لأنه قريب أقرب إلينا من حبل الوريد، يجيب دعوات العباد ولا يحتاج لوسيط، وسبحانه ربط تلبية الدعاء باستجابة العباد لندائه والإيمان به، ومن كرمه ورحمته أنه سريعا ما يجيب دعوة المضطرين والملهوفين لغيثه.

21