شيخوخة الترجمات دافع لتعددية الترجمة

على خطى نيتشه وهايدغر.. الترجمة عود الأبدي إلى الأصول.
الأحد 2021/04/18
الترجمة تتعدد بتعدد المترجمين (لوحة للفنان بطرس المعري)

تبرز القيمة الأدبية للترجمة، باعتبارها وسيلة تواصل ونقل للثقافة والمعرفة والعلم بين ثقافتين ولغتين، فالترجمة بقدر ما هي إكساب النص الأصلي لغة وجمهورا جديدين، فهي- في المقابل – إعادة إحياء للنص – من جديد – في لغته الأم، فالكثير من النصوص أهملت في لغتها الأم، حتى أعيد اكتشافها في لغتها الأصلية، مع ترجمتها، فكما يقول غوته “الكيان الذي لا يشهد أي تحول يصير إلى زوال”.

بما أن الترجمة فعل تحويلي – في الأساس – من لغة إلى لغة، لذا فهي تكسب النص الأصلي حضورا وتاريخا، فالكاتب الأميركي إدغار آلن بو – على سبيل المثال – هجرة نصوصه (بالترجمة) إلى الفرنسية (اللغة المستقبلة) أعطت لها حياة جديدة، وأكسبتها قراء لم تحظ بها في لغتها الأم، فكما يقول فالتر بنيامين “ترجمات نص هي ما يشكل تاريخه”؛ أي أن الترجمة هي التي تحفظ النص، وتسمح له بأن يبقى ويدوم ويتجدد أيضا، وتأكيدا على أهمية الترجمة واعتبارها عاملا مهما في تحقق ذيوع النص، يقول فيلسوف اللغة أرنست رينان “إن عملا غير مترجم يمكن عده نصف منشور”.

ومع الإقرار بأهمية الترجمة من لغة إلى لغة، إلا أن هذا لا يمنع من الاعتراف بصعوبة الأمر برمته، على اعتبار أن لكل لغة بلاغتها؛ باختلاف موقعها داخل النسق، وبالتالي دلالتها ودرجة استعمالها، تختلف كثيرا من لغة إلى أخرى.

وقد تتجاوز الصعوبة عملية المطابقة “التامة” أو المحاكاة (بمفهوم أرسطو) بين النص الأصلي والنص المترجم، أو حتى أن يساويه بدرجة ما، إلى صعوبة أو قل استحالة نقل بعض المعارف كالشعر والفلسفة، وهو الأمر الذي عليه شبه إجماع منذ الجاحظ وصولا إلى جاكبسون وجيرار جينيت وريكور، إلا أنها مع هذه الصعوبات فهي ضرورة، أي الترجمة، بل وضرورة ملحة، سواء بالنقل عن اللغات الأخرى إلى اللغة العربية، أو بالنقل للغات الأخرى عن العربية، وهي المعادلة غير المتكافئة بين الطرفين مع الأسف، لأسباب مجهولة.

 بقدر ما يوجد انكباب على ترجمة الآخر باختلاف لغاته إلى اللغة العربية، حتى صار الأمر أشبه بحمى تنافس لإكساب اللغات التي يتربحون من ترجمتها أرضية جديدة في مجال سوق الترجمة والنشر؛ كالصينية والكورية إلى جانب اللغات المشهورة كالإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية والتركية وغيرها، فعلى الجانب المقابل ثمة تراخ أو استحياء في النقل عن العربية، وقد يأتي بعضها في إطار مكملات شروط الجوائز، فجائزة نجيب محفوظ التي يمنحها قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة، تشترط مع المقابل المادي ترجمة النص الفائز إلى اللغة الإنجليزية، وبالمثل تخول جائزتا البوكر العربية (الإمارات)، وكتارا (قطر) ترجمة الأعمال الفائزة.

تعددية الترجمة وشيخوختها

لوحة للفنان فادي يازجي
لوحة للفنان فادي يازجي

يحدث فعل الترجمة عن اللغة العربية إلى اللغات الأخرى بشحوب إلى حد النضوب، في المقابل ثمة إفراط إلى حد التخمة يحدث في الترجمة عن الآخر، بل ثمة تعددية في ترجمة النص الواحد، وهو ما يشكل ظاهرة قديمة – حديثة، تستوجب التساؤل عن الدوافع والحاجة والأهمية من وراء هذه الظاهرة، وفي نفس الوقت كيف يمكن الاستفادة علميا من تكرار الترجمة؟

مبدئيا الحديث عن تعددية الترجمة ليس جديدا على ثقافتنا العربية، وإنما هو حديث قديم ومتكرر نقاشه. ففي رسالة حنين بن إسحاق إلى علي بن يحيى، يذكر بعض الكتب التي ترجمت إلى السريانية أو العربية أكثر من مرة، والسبب يعود – حسب قوله – “إما لفساد الترجمة أو العثور على نسخ جديدة للأصل الذي تمت منه الترجمة”.

قد تتعدد الدوافع من وراء إعادة ترجمة نص سبق وأن ترجم من قبل، وقد أجمل كثيرا منها حنين بن إسحاق، كفساد الترجمة أو العثور على نسخ جديدة للأصل، ومنها أيضا عدم قابلية النص للترجمة، فصعوبة الترجمة بمثابة الحافز لإعادة الترجمة، وهناك من يتخذ من تعددية الترجمة حافزا لتعليم بيداغوجي لتعليم طلبة الترجمة، فهي كما يقول جان روني لادميرال “تمرين جيد لتمكين التلاميذ من التعرف على ذاتية كل أنواع الترجمة، وتوجههم نحو الموضوعية أفضل سواء تعلق ذلك باللغة الأجنبية أو اللغة الأم”.

وقد يكون الدافع من وراء تعدد الترجمة هو ما يمكن وصفه بعدم الاكتمال، في إشارة إلى الترجمة بوصفها عملا غير مكتمل إلى ما لا نهاية، وهذه العبارة التي قصدها ريكور لا تشير إلى الإخفاق بل العكس إلى الأمل، وهو ما يكون حافزا لإعادة الترجمات للنص الواحد، بشرط الإضافة.

وربما لأن ترجمة عربية لنص معين منذ مئة عام قد لا تكون صالحة بالضرورة لا ستخدامنا الآن، ومن ثم تكون إعادة الترجمة واجبا ضروريا. أو قد يكون النص الأول المترجم اعتمد على أصل ناقص بسبب المصادرات والرقابة، ومن ثم جاء النص الجديد المترجم ليقدم النص الأصلي في صورته الكاملة. وهو الأمر الذي حدث مع روايتي “عشيق الليدي تشاترلي”، لـ د. ه لورانس، و”كونت مونت كريستو” لإلكسندر دوما.

سؤال دوافع تعددية الترجمة، هو في الحقيقة سؤال اللحظة الآنية بامتياز، في ظل موجة إعادة ترجمات لنصوص سابقة، خاصة وأن كثيرا من هذه الترجمات الجديدة لم تضف شيئا للنص الأول المترجم، فقط سعت إلى استغلال مقروئية النص لأسباب متعددة؛ منها – على سبيل المثال – لارتباط النص بحوادث بعينها، على نحو إعادة ترجمة رواية “1984” بعد أحداث الربيع العربي، وسيطرة الحكومات التوتاليتارية.

وبالمثل أعاد حريق كنيسة نوتردام رواية “أحدب نوتردام” لفيكتور هوغو إلى الواجهة من جديد، وهو ما استغلته دور النشر جيدا لتحقيق مكاسب مادية بإعادة نشر الرواية، ولكن بترجمات جديدة، وهو الأمر الذي تكرر مع رواية “الطاعون” لإلبير كامي بعد جائحة كورونا، فقد زاد الإقبال على مقرؤيتها.

ومع الأخذ في الاعتبار الاستغلال المادي، إلا أن ثمة جانبا إيجابيا يتمثل في إطلاق حياة جديدة للنص الأصلي (حسب وصف فالتر بنيامين) خاصة للأجيال الجديدة التي لم يسبق لها التعرف على النص، أو مالت إلى القراءة السريعة فلم يعد لديها صبر لقراءة رواية كبيرة الحجم، أو متعددة الأجزاء على نحو رواية “يولسيس” لجيمس جويس؛ لذا يعتبر علماء الترجمة تعدد الترجمة ظاهرة طبيعية تتعلق بالنصوص الجيدة، ويعرفونها بأنها “ترجمة جديدة في نفس اللغة، لنص ترجم جزئيا أو كليا في السابق”.

تردد الظاهرة قديما، وتكرارها باطراد حديثا، يدفع بتساؤلات من قبيل: هل معنى تعددية النص المترجم ما يشير إلى عدم اكتماله، وأنه بحاجة ماسة إلى ترجمات متعددة كي يكتمل المعنى؟ أو لأن للنصوص المترجمة عمرا افتراضيا، وبعدها تشيخ، ومن ثم تحتاج إلى أن تجدد شبابها بترجمة جديدة؟ أو لأن هذا النص الجديد يحمل إضافة عن النصوص المترجمة سابقا، وما هي أشكال هذه الإضافة؟ هل يذكرها المترجم في مقدمته، أم يكتفي بعبارات مبهمة، عن أن الترجمات السابقة أساءت للنص، بالحذف أو البتر، والتفسير وسوء الفهم وأيضا بالتعريب أحيانا؟ لماذا تعددية الترجمة تظهر في الأعمال الأدبية، ولا نراها في الأعمال العلمية أو حتى الفكرية؟

أسئلة مشروعة ومفتوحة لإجابات لا نهائية، أجيب على بعضها، وأترك بعضها الآخر للقائمين على الترجمة، فهم أحق بالإجابة عنها، خاصة وأن لكل واحد منهم دوافعه الخاصة من وراء تكرار الترجمة.

يبدو لي أن الجاحظ كان مستشرفا للمستقبل وهو يضع شروطا صعبة أو “حسن الضيافة بين اللغات” بتعبير ريكور عن أخلاقيات الترجمة، في من تعهد إليهم مهمة الترجمة، فالجاحظ يصر على “أن يكون الترجمان في بيانه في مستوى الترجمة، في وزن علمه وفي نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية”.

 الشروط التي وضعها الجاحظ تكاد تكون مسؤولة بنسبة كبيرة عن ظاهرة تعددية الترجمة، والدليل أن مترجم النص الجديد يحمل النص السابق له، أخطاء كثيرة على مستوى المفردات والتركيب والصياغة والأهم المعنى في سياقه، وأنه جاء لتلافي هذه الأخطاء الناجمة عن عدم الإلمام الكافي بلغة النص الأصلي، أو معرفة ببيئته وسياقاته المختلفة التي تساعد على فهم بعض العبارات الواردة في النص أثناء الترجمة.

لم يقصر الجاحظ حكمه على الترجمة من اللغة العربية فقط، بل أدخل أيضا في حكمه الترجمة إلى اللغة العربية، فمثلما أشعار العرب صعب ترجمتها، فإن الفلسفة اليونانية – في المقابل – صعب نقلها إلى العربية.

تحفظات الجاحظ حيال ترجمة الشعر، ما زالت تتردد كثيرا، وهي ما يتخذها البعض ذريعة “مقبولة” لإعادة الترجمة. ففاضل السلطاني يقدم ترجمة جديدة (سابعة) لقصيدة ت.س.إليوت “الأرض الخراب”، لأنه وجد في الترجمات الست (السابقة) أخطاء أساءت فهم مفردات القصيدة، ومن ثم حرفت المعنى المقصود. والأخطاء التي رصدها السلطاني للسابقين عليه، تجعل من شروط الجاحظ التي وضعها للترجمان سارية إلى الآن، فالجهل ببيئة النص المترجم (الأصلي) عائق في ترجمته ترجمة صائبة، وهو ما أكده الجاحظ بقوله أن يكون – أي المترجم – أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها.

 تكرار فعل الترجمة يؤكده التاريخ الأدبي، حيث ينقل لنا وقائع ترجمات عديدة لأشهر الأعمال (القديمة والحديثة)، ومن أهمها الكتب المقدسة، والكتب الكلاسيكية؛ فالأوديسة لهوميروس ترجمت العشرات من المرات، بأشكال مختلفة شعرا ونثرا، والكلام ينطبق أيضا على الإنيادة لفيرجيل، وملحمة جلجماش ونصوص شكسبير، إلخ. والأمر متكرر في النصوص الحديثة، فـ”مزرعة الحيوان”، ترجمت أكثر من مرة مع تغيير عنوانها الأصلي كـ(الحيوانات في كل مكان 1947، وجمهورية الحيوان 1964، ومزرعة الحيوان 1983).

Thumbnail

الترجمة والأيديولوجيا

  تكررت مثل هذه الظاهرة في تراثنا العربي، فألف ليلة وليلة تعددت ترجماتها (ليس على مستوى اللغات المختلفة فحسب، بل أيضا على مستوى اللغة الواحدة)، على نحو ما ذكر بورخيس في مقالة بعنوان “مترجمو ألف ليلة وليلة”، وإن جاءت في سياق غير الذي نتحدث عنه؛ حيث يتعرض لانتهاكات المترجمين للنص العربي، من حذف أو بتر وإضافة وتحوير، ومناورات تظهر الجانب البربري لليالي كما فعل القبطان إدوارد لين، وهو الأمر الذي يحفز فعل إعادة الترجمة؛ لتلافي هذا الحيف الواقع على النص بفعل أيديولوجيا ناقمة تشوهه بالحذف والبتر.

لكن الشاهد هنا أنه وصف فعل الترجمة الذي قام به من اضطلع بها، بأنه جاء في سياق العداء “فترجم لين ضد غالان، وترجم برتن ضد لين”. وهو الأمر الذي يجعل من تعدد الترجمة فعلا إيجابيا بامتياز في بعض جوانبه؛ لأن كل ترجمة تختلف باختلاف المترجم وثقافته وأيديولوجيته المضمرة (أو الظاهرة)، ولهذا يحدث التفاوت بين الترجمات إن حدثت المقارنة.

 في كل ترجمة يرصد المترجم الأخير أخطاء السابقين، وهنا ندخل في إطار النظرية الداروينية على حد عبارة خلدون الشمعة. فتعددية الترجمة وفقا لنظرية “النشوء والارتقاء” تساهم في سعيه (أي النص المترجم) للكمال والاكتمال، وهو نفس المعنى الذي أشار إليه بول ريكور، حيث قال “إن إعادة الترجمة هي الموضع الذي نلاحظ فيه بأشد ما يكون الوضوح حافز الترجمة، الذي يحرضه عدم الرضا عن الترجمات القائمة”.

يعد كتاب “فن الشعر” لأرسطو، من أقدم النصوص تعددية في الترجمة إلى العربية، فالكتاب تعددت ترجماته، وقد جاءت بصيغ مختلفة ما بين التلخيص والتفسير، وفي العصر الحديث حظيت رباعيات عمر الخيام، بوفرة في الترجمة، فقد ترجمت – شعرا ونثرا – في 12 مرة، وبالمثل وليم شكسبير نال حفاوة كبيرة من قبل المترجمين، فترجم له أكثر من 23 عملا مسرحيا، كما حظيت بعض أعماله بتعددية  في الترجمة، فعلى سبيل المثال مسرحية “روميو وجوليت” جاءت في ترجمات عديدة تفوق العشر ترجمات أو أكثر، و”العاصفة” تسع مرات، و”يوليوس قيصر” 7 مرات، و”تاجر البندقية” ست مرات، و”الملك لير، و”ماكبث” في خمس  مرات، هكذا ما بين شعر ونثر وترجمة وتعريب وتمصير.

وقريبا من هذا، رواية جورج أورويل “1984”، التي ترجمت أكثر من مرة، لدرجة أن رمسيس عوض عندما شرع في ترجمتها مع فريق من خريجي كلية الألسن عام 1983، وما إن انتهى من ترجمتها، بعد أن قام بالترويج لها في كافة وسائل الإعلام، حتى كانت الصدمة، إذ اكتشفوا أن ثمة ترجمة سابقة له أصدرها السوري ع. عبدالرحيم، اللافت أنه في وقت ترجمة رمسيس عوض لها، كان هناك آخر عاكف على ترجمتها هو الأستاذ عزيز عوض، وظهرت تحت عنوان “العالم عام ألف وتسعمائة وأربع وثمانين”، ثم قدم عبدالكريم نصيف ترجمة رابعة، مرورا بترجمة الحارث النبهان عن دار التنوير عام 2014، وأنور الشامي عن المركز الثقافي العربي، وصولا إلى ترجمة عمرو خيري عن سلسلة المئة كتاب (هيئة قصور الثقافة – مصر).

 اللافت أن قلة من المترجمين، هم من ذكروا لنا أسباب إقدامهم على إعادة الترجمة، كمحمود عبدالغني في مقدمة ترجمته لـ”مزرعة الحيوان”، وعبدالمقصود عبدالكريم في مقدمة ترجمته لـ”عشيق الليدي تشاترلي”، يقول إنه يقدم النص الكامل للرواية الذي مارست عليه الرقابة القص والحذف، وكذلك فاضل السلطاني الذي قدم دراسة مقارنة لست ترجمات لقصيدة ت. س. إليوت “الأرض اليباب” مقارنة بما ترجمه هو، وارتأى أنه الأصوب.

أما عبدالغني فيشير إلى أن “مزرعة الحيوان”، كانت سيئة الحظ في العربية فيقول “فكان النص ينتقل من ترجمة مختصرة تضحي بالحبكة والسرد والوصف وما ترتبط بها من عناصر تكوينية إلى ترجمة قزمت لغة أورويل المبطنة بالعناصر الإشارية والشعرية”، وبناء عليه أعاد ترجمة هذه الرواية العظيمة على حد تعبيره.

 ثمة تباين في قبول تعددية الترجمات، فهناك من يتحفظ ولا يقبل التعددية تماما إلا إذا كان هناك ما يبررها على نحو ما ذكر الدكتور محمد العيسوي في كتابة “الترجمة” والتبرير عنده مرتبط بالنص الأصلي وليس المترجم. وهناك من يقبل بالتعددية، على نحو بول ريكور الذي يرى “أن الأعمال العظيمة، قد شكلت على مر العصور موضوع ترجمات عديدة”، وت.س. إليوت الذي يؤكد – هو الآخر – أن “ترجمة كتاب ما تحتاج إلى إعادة ترجمة كل عشر سنوات”، وكأنه يحفز على فعل إعادة الترجمة بأشخاص مختلفين، وهو الأمر الذي انطبق على أعماله، وتحديدا قصيدته “الأرض الخراب” التي تعددت الأسماء على ترجمتها.

وهناك من يرى ضرورة تحيين الترجمات وتجديدها تماشيا مع التطور اللغوي والثقافي للقارئ على نحو ما يدعو ألبير بن سوسان الذي يحبذ إعادة الترجمة، فالترجمات – عنده – “تشيخ بسرعة بصفة عامة قبل الأصل.. ومن هنا فإنه يتعين على المـترجم دوريا، أن يعيد ترجماته الخاصة، أو السابقة كل عشرين سنة”.

وفي رأيي، أقبل (بل أحيي) تكرار فعل الترجمة ولكن بشروط محددة، منها أن يكون النص الجديد ترجمة للنص الأصلي بعد ما شابه من بتر وتحريفات، على نحو ما فعل عبدالمقصود عبدالكريم، في ترجمته لرواية “عشيق الليدي تشاترلي” لـ د.ه. لورانس، حتى أنه وصف ما قام به بـ”أول ترجمة كاملة إلى العربية لرواية د. ه. لورانس ‘عشيق الليدي تشاترلي'” كتبرير لإعادة الترجمة، وبالمثل فعل محمد آيت حنا مع رواية إلكسندر دوما “كونت مونت كريستو”، وقد جاء حجم الترجمة الجديدة أضعاف حجم الترجمات السابقة (ثلاثة أجزاء).

الترجمة “تتقدم” لا وفق التجاوز الهيغلي، وإنما وفق ما يدعوه هايدغر بعد نيتشه، بالعودة اللامتناهية إلى الأصول

أو أن تكون الترجمة السابقة صدرت كتعريب، ومن غير متقن للغة النص، على نحو ما حدث مع البؤساء لفيكتور هوغو، فقد ترجمها الشاعر حافظ إبراهيم، وهو لا يجيد الفرنسية (432 صفحة)، ثم جاءت ترجمة منير البعلكبي عام 1955، للرواية في خمسة أجزاء (2340 صفحة)، وهو ما يضع كل من الترجمتين في مقارنة، تكشف دوافع تعددية الترجمة.

وكذلك إذا كانت لغة النص الأصلي صعبة، وعند الترجمة زادت في التغريب، فالحاجة – إذن – ماسة لإعادة الترجمة، وهو ما تجلى بوضوح في تعددية ترجمة كتاب إدوارد سعيد “الاستشراق: المعرفة – السلطة – الإنشاء”، وقد حظي بترجمتين؛ الأولى، بتوقيع كمال أبوديب، وقد جاءت في لغة أقرب إلى الكهنوت، حتى قيل إن “إدوارد سعيد” لم يرض يوما عنها، والثانية بتوقيع محمد عناني، وقد تدخل بتغيير العنوان الفرعي إلى “المفاهيم الغربية للشرق”، كما حذف بعض ما لم يتوافق مع أيديولوجيته، خاصة ما هو متعلق بالنبي محمد.

والحق أقول إن كتاب إدوارد سعيد “الثقافة والإمبريالية” الذي ترجمه كمال أبوديب، وصدر عن دار الآداب في لغته العربية يحتاج إلى ترجمة جديدة، لما اكتنف الترجمة من غموض وتحذلق لغوي وإدخال مفردات غريبة على نحو ما فعل من قبل “أبوديب” في الاستشراق بنحت كلمات وتراكيب زادت المعنى المقصود التباسا وغموضا، والغريب أنه أحال الصعوبة إلى اللغة العربية، فنعى حالها في زمن تلاطم المعارف والمهارات.

اللافت في عملية إعادة الترجمة أنها ليست مقتصرة على النصوص الروائية أو الكلاسيكية، وإن غابت النصوص الفكرية والعلمية إلا قليلا، فمثلا مذكرات “زوجة دوستويسفكي” جاءت في ترجمات متعددة (تقريبا ثلاث ترجمات)، كل ترجمة تختلف عن الأخرى في الحجم، والمادة الحكائية. صدرت النسخة الأولى عام 1989 عن دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، وهي بتوقيع هاشم حمادي، وجاءت بعنوان “دوستويفسكي في مذكرات زوجته” (346 صفحة)، ويعترف في مقدمته أن المذكرات أشبه بتعريب، فقد حرص فيها على الاختصار، خاصة ما يتعلق بدستويفسكي، فالهدف الأساسي الذي كان يشغله هو أن يقدم للقارئ العربي “ما يهمه فعلا، ويرفد مخزونه الثقافي، ويغني معارفه، سواء أكان عن دوستويفسكي أم عن الحياة الأدبية والاجتماعية في روسيا في سبعينات القرن التاسع عشر”.

 أما النسخة الثانية فصدرت عن دار المدى عام 2015 (في 66 صفحة)، وهي بتوقيع خيري الضامن، مترجم رسائل دوستويفسكي في مجلدين، وجاءت بعنوان “مذكرات آنا غريغوريفنا: زوجة الكاتب فيودور دوستويفسكي”، وتبدأ أيضا بفقرة قصيرة عن تردد المؤلفة في كتابة المذكرات، ثم فقرة أقل عن طفولتها مع أخيها وأختها وحياتهم الهادئة متمتعين بحنان أم سويدية الأصل، وأب روسي أوكراني المنشأ، والتحاقها بمعهد التربية وتركه ثم التحاقها بدورة الاختزال التي كانت بداية علاقتها بالكاتب. المذكرات هي أشبه بمقتطفات من المذكرات الأصلية، أو فقرات مجمعة تقدم تلخيصا للمذاكرات الأصلية.

  النسخة الثالثة وهي الأوفى وصدرت عام 2015 عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة، بتوقيع أنور محمد إبراهيم بعنوان “مذكرات زوجة دستويفسكي آنا جريجوريفنا دستويفسكي” (في 636 صفحة)، واحتوت المذكرات على مقال افتتاحي طويل نسبيا يقدم للمذكرات بعنوان “آنا جريجوريفنا ومذكراتها”، ثم مدخل قصير بعنوان “مدخل إلى المذكرات” أما المذكرات فجاءت في اثني عشر جزءا. تبدأ بطفولتها وشبابها وحديث عن عائلتها،ودراستها، ثم في الجزء الثاني تدخل في تفاصيل علاقتها بدوستويفسكي.

  إيجابيات التعددية

كل ترجمة تختلف باختلاف المترجم وثقافته وأيديولوجيته المضمرة أو الظاهرة، ولهذا يحدث التفاوت بين الترجمات
كل ترجمة تختلف باختلاف المترجم وثقافته وأيديولوجيته المضمرة أو الظاهرة، ولهذا يحدث التفاوت بين الترجمات

  على الرغم من أن هناك من يرى في تعدد الترجمات ظاهرة غير صحية، ودالة على حالة من سياسات التخبط والعشوائية التي تسود عالم النشر، وغياب التنسيق أو الآلية المنظمة لسياسات الترجمة في العالم العربي، وهو ما يستوجب توحيد الجهود، وعمل ببليوغرافيا بالأعمال التي تم ترجمتها حتى لا يحدث التكرار، فإن هذا لا يمنع من النظر إلى الجانب الإيجابي وضرورة استغلاله إيجابيا، وعليه يكون تعدد الترجمة ميدانا خصبا لنشوء دراسات مقارنة تهتم بإظهار الاختلافات والإضافات بين النصوص.

 وهو الأمر الذي بدت ثماره تظهر للعيان ولكن على استحياء، كما تجلى في دراسة الباحثة أحلام حادي بدراستها المقارنة عن “الملك لير في خمس ترجمات عربية” (دار شرقيات 2009)، ساعية لإظهار التفاوت في الترجمات على مستوى الأسلوب والصياغة والشكل.

 ومن إيجابيات تعددية الترجمة ما يمكن وصفه بالعود الأبدي للنصوص وفقا لمقولة نيتشه وهايدغر، فكما يقول عبدالسلام بنعبدالعالي إن “الترجمة تتقدم لا وفق التجاوز الهيغلي، وإنما وفق ما يدعوه هايدغر بعد نيتشه، بالعودة اللامتناهية إلى الأصول لمقابلتها بنسخها. فالنسخة هنا لا تلغي الأصل وإنما تعلق به وتحن إليه وتستدعيه كل لحظة. ها نحن من جديد أمام مفهوم العود الأبدي وأمام مبدأ التكرار”. وبالمثل تعددية الترجمة تدفع إلى العودة إلى – بل البحث عن- الأصل في صورته النهائية الكاملة.

 وبناء عليه، فتعددية الترجمة فعل حميد وصحي، لو كان الغرض الحقيقي منها هو البحث عن الصيغة النهائية المطابقة للأصل، وهو ما يمثل تحديا للمترجم، بإضافته الجديدة والمكتملة نوعا ما. لكن السؤال هو بشأن، هل دور النشر تبتغي فعلا الوصول إلى اكتمال المعنى للنص المترجم، أم تسعى وراء الرائج من أجل تحقيق مكاسب مادية، على حساب القيمة والإضافة، كأن تسعى إلى نشر ترجمات – في أغلبها – لا تضيف جديدا للنص المترجم السابق؟

 الجواب متروك للقارئ الذي تغازله دور النشر بتعددية الترجمات، والأصح باستنساخ الترجمات إلا فيما ندر.

11