شيخوخة المجتمعات تضع الحكومات بين فكّي كماشة

إصلاح أنظمة التقاعد ضرورة ملحة تصطدم بعقبة التطبيق واحتجاج النقابات.
الأربعاء 2020/02/19
تمسك برفض رفع سن التقاعد

تونس أحد البلدان التي تعاني صعوبات تتعلق بمنظومة الرعاية الاجتماعية وهي مشكلات ترتبت بالأساس عن شيخوخة المجتمع التي أصبحت مأزقا ديمغرافيا يثقل كاهل الحكومات ويضيق أفق حل المشكلات في وجهها لا سيما مع الرفض الشعبي والنقابي الذي تصطدم به خطط إصلاح أنظمة التقاعد والإجراءات الهادفة لجعل المواطنين يعملون لعمر أطول.

لندن - تضع ظاهرة شيخوخة المجتمعات، والتي أصبحت تقريبا ظاهرة عالمية، حكومات الدول التي تعاني منها أمام تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة ما دفعها للبحث عن حلول بصفة فردية أو جماعية، وفيما ترى الأجهزة الرسمية أن رفع سن التقاعد حل مناسب لمواجهة شيخوخة مجتمعاتها تعارض النقابات والطبقات العاملة هذا الخيار.

وبدأت تونس مع مطلع العام الحالي تطبيق قانون جديد، بعد مصادقة البرلمان عليه في أبريل الماضي، يقرّ رفع سن التقاعد من 60 سنة إلى 62 سنة بصفة إجبارية و65 سنة بصفة اختيارية، إذ ترى فيه حلا مناسبا يخفف الأعباء المالية عن صناديق الـتأمينات الاجتماعية التي تعاني من صعوبات كثيرة تمنعها من الإيفاء بالتزاماتها تجاه أطراف وأجهزة بعضها يتبع القطاع الخاص والبعض الآخر يتبع القطاع العام.

ويفرض القانون ضريبة أمان اجتماعي نسبتها 1 في المئة على الموظفين، وضريبة نسبتها 2 في المئة على أصحاب العمل.

وكانت الحكومة طلبت من البرلمان النظر بشكل عاجل في مشروع قانون التقاعد، وسط مساع لإنقاذ الصناديق الاجتماعية مع استفحال العجز فيها وتدهور موازناتها المالية.

وتوقع المدير العام للضمان الاجتماعي بوزارة الشؤون الاجتماعية كمال المدوري أن تصل عائدات الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية خلال العام الحالي إلى ما يقارب 800 مليون دينار (257.35 مليون يورو).

وأكد المدوري أن التعديلات التي أدخلت على قانون التقاعد ستساهم في تفكيك المشكلات المالية التي يعاني منها صندوق التأمين الاجتماعي والتي جعلته عاجزا عن دفع أجور المتقاعدين.

ويثير قرار رفع سن التقاعد جدلا كبيرا في تونس، إذ تعارضه نقابات مهنية كثيرة. وأعلنت نقابة الأستاذة الجامعيين الباحثين في بيان أصدرته الشهر الماضي، رفضها رفع سن التقاعد.

وكان رئيس حكومة تسيير الأعمال يوسف الشاهد قد قال العام الماضي إن الدولة مطالبة بدفع 100 مليون دينار تونسي (32.17 مليون يورو) لتغطية عجز الصناديق الاجتماعية.

من جهتة، قال وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي إن رفع سن التقاعد يأتي بسبب الضغوط التي تواجهها الصناديق الاجتماعية مشددا على أن التشريعات الجديدة ستساهم في تخفيف أعباء هذه الصناديق.

ويرجع الكثير من الخبراء والمتابعين أسباب عجز الصناديق الاجتماعية في تونس إلى شيخوخة المجتمع، إذ أصبحت الدولة مطالبة بتخصيص أموال كثيرة من أجل دفع أجور المتقاعدين الباقين على قيد الحياة.

شيخوخة المجتمع تشكل تحديا لبلدان كثيرة ما فرض عليها قوانين تقاعد جديدة تناسب التحولات الديمغرافية التي تشهدها
شيخوخة المجتمع تشكل تحديا لبلدان كثيرة ما فرض عليها قوانين تقاعد جديدة تناسب التحولات الديمغرافية التي تشهدها

وشيخوخة المجتمع، ليست مشكلة خاصة بتونس أو بدول العالم العربي فقط، بل تمثل تحدّيا بالنسبة لبلدان كثيرة وعلى رأسها ألمانيا واليابان والصين التي سنت بدورها قوانين جديدة للرفع في سن التقاعد تناسب التحولات الديمغرافية داخلها.

وتأتي في هذا الإطار مصادقة مجلس الوزراء الياباني مطلع الشهر الحالي على مشاريع قوانين بموجبها يمكن الاستمرار في العمل حتى سن الـ70 عاما كإجراء جديد يسهم في مواجهة نقص العمال الحاد في البلاد وتغطية تكاليف الأمن الاجتماعي المتزايدة في المجتمع المسن بصورة سريعة. وبموجب القانون الجديد يكون أمام الشركات خمسة خيارات تتمثل في إلغاء سن التقاعد أو رفعه أو السماح للمواطنين بالعمل لما بعد السن الذي تحدّده الشركات للعمل.

ومن المنتظر أن تدخل قوانين التقاعد الجديدة حيز التنفيذ في اليابان بداية من أبريل العام القادم بعد الحصول على موافقة البرلمان عليه.

ويثقل العبء الديمغرافي كاهل اليابان بسبب ارتفاع الأعمار وتراجع معدلات الإنجاب، إذ تتوقع البيانات الرسمية الصادرة عن المعهد الوطني للتعداد السكاني وأبحاث الأمن الاجتماعي أنه بحلول عام 2060 ستصل نسبة السكان البالغين 65 عاما أو أكثر إلى ما يقارب 40 في المئة من التعداد العام للسكان.

ويتوقع الخبراء أن تصبح اليابان قريبا أكبر بلد “فائق الشيخوخة” في العالم، ووفق التقديرات قد تصل نسبة اليابانيين البالغين من العمر 65 عاما نحو 40 في المئة خلال العام 2050.

وتضع شيخوخة المجتمع الياباني البلاد أمام أزمة توظيف في قطاعات مثل الرعاية الصحية والزراعة والبناء.

وذكر تقرير صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن “في اليابان أحد أعلى معدلات انخراط كبار السن في سوق العمل داخل المنظمة”. لكن مع بلوغهم سن التقاعد “تجري إعادة تعيينهم في وظائف متدنية النوعية وبأجور منخفضة”.

وتعد الصين من أكثر البلدان التي تشكو مشكلات ديمغرافية حيث يتزامن الارتفاع الكبير في عدد السكان مع تنامي شيخوخة المجتمع، فمعدل المواليد الصينيين وصل العام الماضي إلى 10.48 لكل ألف ساكن وهو أدنى مستوى منذ 70 عاما، وفق تقارير المكتب الوطني للإحصاء.

ورغم أن الصين ألغت في عام 2015 سياسة الطفل الواحد، إلا أن نزعة العزوف عن إنجاب الأطفال في البلاد واضحة وفي تنام مستمر وتعود بالأساس إلى عوامل مختلفة وعديدة من بينها ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والتعليم والسكن.

وكان من أبرز نتائج عزوف الأزواج الصينيين عن الإنجاب، التزايد المستمر لأعداد كبار السن في البلاد التي تتصدر قائمة دول العالم من حيث عدد السكان بواقع 1.4 مليار نسمة العام الماضي بعد أن كان 1.39 مليار عام 2018.

تراكم المشكلات

فرنسا تتصدر قائمة الدول التي تعاني وضعا اجتماعيا مضطربا بسبب الجدل الكبير حول مشروع إصلاح نظام التقاعد
فرنسا تتصدر قائمة الدول التي تعاني وضعا اجتماعيا مضطربا بسبب الجدل الكبير حول مشروع إصلاح نظام التقاعد

أفرزت هذه الصورة والتوجهات واقعا بصعوبات متراكمة فرضها تباطؤ الاقتصاد ما جعل الحكومة الصينية في مواجهة تحديات كبيرة ترتبط بمدى قدرتها على الالتزام بتعهدات توفير الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد.

ويبدو الوضع في ألمانيا قريبا ممّا تعانيه اليابان والصين، إذ تتوقع تقارير صادرة عن مراكز مختصة في الجوانب الاقتصادية أن شيخوخة المجتمع المستمرة في ألمانيا سينتج عنها تراجع في أعداد المواطنين القادرين على العمل خلال العقدين القادمين.

ووفق المعهد النمساوي لأبحاث الاقتصاد بفيينا، من الممكن أن يؤثر تقدم عمر المواطنين سلبا على النمو الاقتصادي ومتوسط دخل الأفراد، مقترحة بدائل لمواجهة هذه المشكلة تشمل زيادة الاستثمارات في التشغيل الآلي وتقنيات الاتصالات.

ولم يفت الدراسة التي أجراها المعهد التحذير من تداعيات تقادم عمر المجتمع الألماني إذ يمكن أن يتراجع نمو إجمالي الناتج المحلي بقيمة 270 مليار يورو تقريبا في عام 2040.

ودفعت شيخوخة المجتمع الكثير من البلدان إلى فرض إصلاحات جديدة على أنظمة التقاعد لديها، بهدف معالجة التحديات في هذا السياق.

وتتصدر فرنسا قائمة الدول التي تعيش وضعا اجتماعيا مضطربا بسبب إصلاح نظام التقاعد الذي تقدم به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وبدأ البرلمان الفرنسي مناقشة مشروع الإصلاح المثير للجدل والذي يلغي عشرات أنظمة التقاعد الخاصة التي تسمح لفئات مهنية بالتقاعد في سنّ أدنى.

ومنذ ديسمبر الماضي، وجدت الحكومة الفرنسية نفسها في مواجهة غضب النقابات العمالية التي نفذت إضرابات عن العمل واحتجاجات في الشوارع ضد خطة إصلاح نظام التقاعد مما سبب اضطرابا في حركة النقل وشللا في بعض مرافق العاصمة باريس ومناطق أخرى من البلاد.

وفيما يقول ماكرون إنه يرغب في توحيد نظام التقاعد الفرنسي وتقديم حوافز للعاملين حتى يستمروا في العمل لفترة أطول لتعويض تكلفة أحد أكثر أنظمة التقاعد سخاء على مستوى العالم، تعارض نقابات ذلك وتقول إن العمال سيضطرون للعمل فترة أطول حتى يحصلوا على معاش كامل.

وتجري الحكومة مفاوضات مع النقابات وأصحاب العمل حول نقاط محورية في مشروع الإصلاح من بينها توظيف كبار السن. واضطرت الحكومة الفرنسية لسحب اقتراح يفرض على العمال مواصلة العمل حتى سنّ الـ64 بدلا من التقاعد في سن الـ62.

سياسات مرفوضة

المشكلات الديمغرافية تؤثر على تأمين اليد العاملة
المشكلات الديمغرافية تؤثر على تأمين اليد العاملة

اليونان بدورها تعيش حاليا على وقع انتقادات شعبية وعمالية تهدف إلى الضغط على الحكومة من أجل عدم المساس برواتب التقاعد بعد أن كانت قد خفضتها في فترات سابقة وتسعى لذلك مجددا في سياق خطة إصلاح لنظام التقاعد. ونفذ العمال، الثلاثاء، إضرابا عن العمل وخرج الآلاف في مسيرة سلمية وسط العاصمة أثينا لمطالبة البرلمان بالتخلي عن مشروع قانون متعلق برواتب التقاعد.

 والشهر الماضي، خرجت مظاهرات في بروكسل تطالب بتحسين الأجور وظروف التقاعد شارك فيها نحو 10 آلاف شخص. ودعت نقابات عمالية إلى هذا الاحتجاج رفضا لإجراء حكومي يتعلق بنظام التقاعد يهدف لمسايرة خطة التقشف.

وتدرك الدول وخبراء الاقتصاد حجم التحديات التي تشكلها ظاهرة ارتفاع الشيخوخة في المجتمعات، وهو ما جعل هذا الملف يفرض نفسه على أجندة قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في فوكوكا جنوب غرب اليابان في يونيو الماضي، وهي المرة الأولى التي تناقش فيها المجموعة مشكلات شيخوخة السكان وانخفاض الولادات.

وتناول اجتماع وزراء المالية وحكام المصارف المركزية لدول مجموعة العشرين، آنذاك، ما

يترتب عن شيخوخة المجتمع من تكاليف الرعاية الصحية والنقص في اليد العاملة والخدمات المالية الخاصة بالمسنين.

وقال وزير مالية اليابان تارو آسو “إذا بدأت آثار الشيخوخة الديمغرافية بالظهور قبل أن تصبحوا أغنياء، فلن يعود بوسعكم اتخاذ أية إجراءات فعالة”.

وذكر البيان الختامي لقمة مجموعة العشرين “التغيرات الديمغرافية… توجد تحديات وفرصا لكل دول مجموعة العشرين”، والمشكلة تتطلب  “سياسات ضريبية ومالية ونقدية وهيكلية”.  فيما أكد صندوق  النقد  الدولي أن “الشيخوخة تزيد الضغط على الميزانيات العامة لأنها تتطلب زيادة في إنفاقات التقاعد والصحة”.

وشدد على أن “ثروة الدول ستتأثر حتما بالنهاية بينما ينخفض عدد الأشخاص المنخرطين في سوق العمل أكثر وأكثر”. وتضمّ مجموعة العشرين دولا ذات مواصفات مختلفة، من اليابان المتقدمة في السن إلى السعودية والهند وجنوب أفريقيا ذات المجتمع الشاب.

ويسهم طول متوسط العمر المتوقع وتراجع معدل الولادات في زيادة أعداد المسنين بشكل كبير في الدول الغنية مثل ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وكوريا الجنوبية، بحسب منظمة التعاون الاقتصادي

والتنمية. وتطال المشكلة الاقتصادات الناشئة مثل البرازيل والصين. وبحلول 2050، سيتضاعف عدد السكان الذين تفوق أعمارهم 60 عاما في العالم، وسيتخطى المليارين.

12