شيخوخة فيسبوك الابتكار أو الانهيار

الأحد 2014/03/02
اهتمام عالمي كبير بمصير فيسبوك

فيسبوك، الشبكة الاجتماعية التي تهيمن على نطاق واسع من شبكة الإنترنت وتستقطب متصفحيها البالغ عدد حساباتهم قرابة 1.23 مليار حساب في إحصائية نهاية كانون الثاني ـ يناير 2014 بالرغم من هذا الرقم الكبير، فإن فيسبوك يعاني من منافسة شبكات كتويتر Twitter وغوغل بلس Google+ وغيرها.


نشأة فيسبوك


وقد كان لمجانية موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك الدور الأكبر في منحه تلك الشعبية الكبيرة بين عدد المستخدمين الهائل الذي تجاوز المليار خلال سنوات قليلة، وقد قدّم مخترع الفيسبوك مارك زوكيربيرغ فرصة نادرة للمجتمعات البشرية كي تنشئ مواقعها الخاصة وشبكات تواصلها وإدارة أعمالها وحياتها اليومية وعلاقاتها الحميمة من خلال الصرعة التي أطلقها بالاشتراك مع كل من داستن موسكوفيتز وكريس هيوز، زميليه في السكن الجامعي في جامعة هارفارد، وحين أطلق هؤلاء الفكرة كانت مقتصرة على طلاب جامعة هارفارد، لكنها انتشرت بسرعة في أنحاء العالم، حتى تحولت إلى عملاق تقني واقتصادي يتحكّم بالسوق ويثير المشاكل ويتمتع بالقدرة على قلب أنظمة الحكم في بعض الأحيان، يكفي فقط أن يسألك الفيسبوك هل يتجاوز عمرك السنة الثالثة عشرة؟ وحين تثبت ذلك سيكون بإمكانك الانضمام إلى العالم الأزرق والأبيض.

قام زوكيربيرغ بتأسيس موقع الفيسبوك على النطاق thefacebook.com في بداية العام 2004، ثم وبعد شهور بسيطة توسع العمل فتم نقل مقر الفيسبوك إلى مدينة بالو آلتو في ولاية كاليفورنيا بعد إسقاط كلمة the من اسمها وبعد شراء اسم النطاق facebook.com مقابل مبلغ 200000 دولار أميركي.

وانتقل غزو الفيسبوك من الجامعات إلى المدارس الثانوية، ثم تم السماح لموظفي الشركات الكبرى باستخدام الشبكة، مثل شركة آبل ومايكروسوفت، وبعدها أصبح الموقع متاحاً للعموم، حين قرّرت الشركة اتخاذ مدينة دبلن الإيرلندية مقراً رئيسياً لنشاطها.

قام فيسبوك مؤخراً بالاستحواذ على تطبيق المراسلة الشهير واتس آب بعقد صفقة قيمتها قرابة 16 مليار دولار أميركي لتُعتبر أكبر صفقة استحواذ من هذا النوع


العروض المالية الأولى


جاء العرض المالي الأول لشركة فيسبوك بمبلغ متواضع لم يتجاوز نصف المليون دولار، من شركتي باي بال، ثم وصلت قيمة العرض المالي الثاني إلى أكثر من 12 مليون دولار، وكان العرض الثالث بقيمة 27 مليون دولار.

وقد صبر زوكيربيرغ طويلاً رغم صغر سنّه على الإغراءات المالية، التي رغبت بشراء الشركة، ورفض عرضًا بالبيع يقدر بنحو 750 مليون دولار من مزايد لم يتم الإفصاح عن اسمه، وانتشرت شائعات أخرى بزيادة سعر العرض حتى بلغ 2 مليار دولار.، ثم تم عقد مباحثات بين شركة “فيسبوك” و”ياهو” بشأن شراء الفيسبوك مقابل مليار دولار، وقد صرح ثييل، الذي كان أحد أعضاء مجلس إدارة الفيسبوك آنذاك، بأن التقييم الداخلي للموقع قد بلغ حوالي 8 مليار دولار بناءً على الإيرادات المتوقعة حتى العام 2015 بمعدل 1 مليار دولار سنويًا.

ثم صرح زوكيربيرغ بأن مسألة بيع الفيسبوك غير واردة على الإطلاق لأنه يود الحفاظ على استقلالية الشركة، حيث أشار قائلاً: “إننا لا نسعى إلى بيع الشركة.. كما أننا لا نفكر في الطرح الأولي للاكتتاب العام في أي وقت قريب. فذلك الأمر لا يمثل غايتنا الرئيسية في الوقت الراهن”.

وفي العام 2007، أعلنت شركة مايكروسوفت أنها قامت بشراء حصة في فيسبوك بلغت 1.6 بالمئة بقيمة 240 مليون دولار، حيث قُدرت القيمة الضمنية الكلية للموقع بحوالي 15 مليار دولار، وفي السنة ذاتها قام لي كا شينج الملياردير القادم من هونج كونج باستثمار 60 مليون دولار في الفيسبوك، ولكن مايكروسوفت بقيت الشريك الحصري للفيسبوك في تقديم خدمة إعلانات الشعار.


لماذا يقبل فيسبوك على الشراء اليوم


ولطالما أطلق فيسبوك تحديثات تتعلق بالواجهة وطريقة الاستخدام وإضافة مزايا بشكل فاق عددها الحاجة ليبدي للمتابع تطور الموقع بشكل دائم حتى أصبح محل استياء لدى الكثيرين، خصوصاً وبازدياد المزايا التي اعتبرها غير الضليعين بالتقانة شكلا من أشكال التعقيد، كل هذا في سبيل إضفاء صفة الشبكة الاجتماعية المتجددة إذ قدم أكاديميون في جامعة “برينستون” الأميركية دراسة تتوقع أن يفقد فيسبوك 80 بالمئة من مستخدميه بحلول العام 2017، ولكن الإدارة تضع استراتيجيات أخرى إلى جانب التحديث لتزيد من عمر هذا الموقع، ومن ضمنها عقد شراكات واتفاقيات مع عمالقة البرمجيات مثل مايكروسوفت حيث يعتمد فيسبوك على نظام خرائط ومحرك بحث بينغ، ومن جهة أخرى اعتمد فيسبوك استراتيجية الاستحواذ على تطبيقات وبرامج حظيت بعدد كبير من المستخدمين مثل أنستغرام التي بلغت قيمة الاستحواذ عليها قرابة مليار دولار أميركي في نيسان ـ أبريل 2012 ومن اللافت أن معدل نمو أنستغرام بلغ في العام 2013 ما نسبته 23 بالمئة في حين بلغ نمو فيسبوك نفسه فقط 3 بالمئة، أرقام غير مبشرة بمستقبل فيسبوك الذي بدأ بفقدان العديد من مستخدميه. وقد قامت الشركة مؤخراً بالاستحواذ على تطبيق المراسلة الشهير واتس- آب بعقد صفقة قيمتها قرابة 16 مليار دولار أميركي لتُعتبر أكبر صفقة استحواذ من هذا النوع، وامتلأت الصفحات الإلكترونية والورقية بخبر انتقال واتس آب الذي جمع 450 مليون مستخدم تحت مظلة فيسبوك الذي ما لبث أن أطلق تحديثات عليه. وهنا يأتي السؤال، هل يسعى فيسبوك إلى تشكيل مملكة من الشبكات الاجتماعية والتطبيقات الأكثر شيوعاً بين المستخدمين بغرض تحييد أخطارها على نفسه لأنه عاجز عن المنافسة وتقديم الجديد والمميز للحؤول دون اختفائه شيئاً فشيئاً؟ أم أنه ينتهج سياسة التوسع ليبلغ مقام شركة عملاقة في مجال خدمات الويب المتعددة، باحثاً عن ضمان الوجود في مصاف شركات كبرى مثل غوغل وميكروسوفت، بل وتحقيق الصدارة؟

مع انطلاق فيسبوك جاء العرض المالي الأول للشركة بمبلغ متواضع لم يتجاوز نصف المليون دولار، من شركي باي بال، ثم وصلت قيمة العرض المالي الثاني إلى أكثر من 12 مليون دولار، وكان العرض الثالث بقيمة 27 مليون دولار


الابتكار أو الانهيار


بكل الأحوال، ما هي الخطوة التالية التي سيتخذها مؤسس فيسبوك ومديرها التنفيذي مارك زوكيربيرغ وزملاؤه؟ هل سيكون الاستحواذ على تطبيق أو موقع آخر؟ أم تطوير بعض نقاط الضعف في فيسبوك نفسه أو استبدالها؟ فمثلاً، فيسبوك يفتقر إلى نظام تدوين متكامل، إذ يقتصر خيار التدوين فيه على الـ “ملاحظات” والتي تعتبر بدائية جداً مقارنة مع نظام التدوين في بلوجر الذي يمتلكه جوجل، أو نظام مدونات ووردبرس الآخذ بالانتشار بين المدونين والمطورين.

فهل ستكون الخطوة التالية الاستحواذ على ووردبرس أو ما شابه؟ أم سيأتي فيسبوك بفكرة غير مسبوقة تترك أثراً على حياة المستخدمين؟ مسجلاً بذلك نقطة جديدة في عالم الابتكار لصالحه، ذلك أن الابتكارات الناجحة والمؤثرة دليل حيوية المؤسسات ونشاطها والتي لا تترك المجال لشبح الشيخوخة للنيل منها.

قد يتساءل كثيرون لم كل هذا الاهتمام بمصير فيسبوك الذي إذا ما اندثر سيأتي بديل آخر يجمع المستخدمين في شبكة جديدة؟ في الواقع لفيسبوك أهمية كبيرة في العديد من المجالات التي تجعل منه أكثر من مجرد موقع يتواصل فيه الأفراد ويتعارفون ويقومون بنشاطات اجتماعية، فمثلاً في مجال التسويق والتجارة والبيع الإلكتروني، هنالك العديد من الشركات المتخصصة في مجال إدارة الأعمال والترويج وتحقيق المبيعات من خلال موقع فيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية، بل إن بعضها تعمل فقط ضمن نطاق فيسبوك، إضافة إلى تقديم شركات تطوير البرمجيات تطبيقاتٍ تعمل ضمن بيئة فيسبوك حصراً مثل تطبيقات الاستبيانات واستطلاع آراء شريحة معينة من مشتركي فيسبوك والتي تقوم بها شركات تقوم بدراسة بيئة الأسواق واحتياجات المستهلكين لتعزيز المنتجات والخدمات، وقد بدأ عالم التجارة الإلكترونية بالتركيز أكثر على هذا النوع من الأعمال في السنوات السابقة، وبدأت الشركات تولي اهتماماً أكبر بها والحرص على أن يكون لها وجود فعّال في عالم فيسبوك كي لا تفوتها قطعة من الكعكة، ولعل تطور فيسبوك في هذا المضمار خلق له نوعا من التميز عن باقي الشبكات الاجتماعية وهذه نقطة تحتسب لصالحه ولعلها إحدى عوامل تلقي فيسبوك دعماً من قطاع الأعمال ليساهم إلى حد ما في استقرار وجوده رغم عدم دراية الكثيرين من مستخدميه بما يدور في تلك الكواليس، ولكن في نفس الوقت هذا ليس كافياً فالبديل قد يظهر في أية لحظة كاتحاد بين غوغل بلس Google+ ولينكد-إن LinkedIn الشبكة الاجتماعية المتخصصة في مجال الأعمال. الكثير من المعطيات تخلق تساؤلات كثيرة حول مصير فيسبوك واستراتيجيات إدارتها في تلافي الأخطار المستقبلية، هذا إن صح وجود هذه الأخطار فعلاً أم أنها مجرد توقعات خبراء قد تتحقق أو لا، فهل سيتابع فيسبوك السير حتى بلوغ قمة طريقه ومن ثمة يهوي بأسرع مما صعد؟ أم أنه فعلاً لديه استراتيجيات ستجعله يحلق عالياً بابتكارات وصفقات استحواذ أخرى لشبكات وتطبيقات حظيت بعدد كبير من المستخدمين؟ يكمن الجواب في صفحات المستقبل.

10