شيخ المساجد المصرية يؤرخ لمؤسسه

من بداية شارع بورسعيد، بحي السيدة زينب العريق في القاهرة القديمة، تلوح في الأفق مئذنة مسجد أحمد بن طولون التي أكسبته رونقا خاصا وميّزته عمّا عداه من آثار إسلامية تزخر بها المنطقة الأكثر شعبية في العاصمة المصرية، حتى أطلق عليه الأثريون لقب شيخ المساجد المصرية.
الثلاثاء 2015/06/02
أهمية مسجد ابن طولون تعود إلى كونه الوحيد الذي يحتفظ بعمارته ونقوشه التاريخية الأصلية

يحيط بمسجد أحمد ابن طولون، بالقاهرة القديمة، كل من بيت الكيرتلية ومسجد الأمير صرغمتش الناصري، يمكن أن يعيدك ببساطته مئات السنوات إلى الوراء لترى بهجة المكان زمن ابنائه، بمجرد أن تلمس يداك سوره الحجري لتشعر بملمس الطوب المحروق الذي استخدم في تشييده.

مسجد ابن طولون ثالث أقدم مسجد في مصر، بعد مسجد عمرو ابن العاص، الواقع بمدينة الفسطاط وكان أول ما ابني في مصر وقارة أفريقيا كلها، ثم مسجد العسكر بمدينة العسكر التي ابناها العباسيون لتحل محل الفسطاط عاصمة للبلاد، وبعدهما يأتي مسجد أحمد ابن طولون، الذي أنشأه صاحبه في عاصمته الجديدة، مطلقا عليها اسم القطائع، وكانت تمتد بين جبل يشكر (نسبة إلى قبيلة يشكر ابن جزيل من عرب الشام) وسفح جبل المقطم في منطقة مرتفعة قليلا بسبب حرص ابن طولون على أن تبرز على سائر التجمّعات العمرانية بمصر آنذاك.

رأفت النبراوي العالم في الآثار الإسلامية، شرح لـ”العرب” التفاصيل، فأفاد أنّ ابناء المسجد اكتمل عام 265 هجري، وتكلف 120 ألف دينار، كانت وقتها ثروة كبيرة، وكان من عادة القادة المسلمين عند ابناء مدينة جديدة، يخططون لابناء مسجد جامع فيها يستقبل آلاف المصلين في صلاة العيدين والجمعة.

وكانت مدينة القطائع، وتعني قطائع الجند بالمدينة العسكرية، ثالث المدن الإسلامية في مصر بعد مدينتي الفسطاط القديمة والعسكر، وقد ابنى ابن طولون هذا المسجد فوق ربوة من أجل حمايته من المياه الجوفية، على مساحة شاسعة بلغت 6 أفدنة ونصف الفدان، وبارتفاع بلغ 26.500 متر مربع، وأنشأ حوله ثلاث مساحات زائدة تحسبا لزيادة عدد المصلين، كما أحاطه بسور بلغ ارتفاعه 11 مترا.

42 بابا يضمها المسجد لضمان عدم تزاحم المصلين عند خروجهم

وأضاف النبراوي أن المسجد يتكون من صحن مكشوف متساوي الأضلاع، طول كل ضلع منه 92 مترا، ويضم أربعة أروقة، بالإضافة إلى القبلة والميضأة التي أضافها إليه السلطان لاجين، والمسجد به 129 نافذة جصية تحمل كل واحدة نقوشا وزخارف لا تماثل الأخرى، كما أن المسجد له 42 بابا ما يعكس ضخامته.

كانت الأبواب كثيرة بهدف عدم تزاحم المصلين عند خروجهم، كذلك يحتوى على غرفة كان يتوضأ فيها مؤسس الدولة الطولونية (أحمد ابن طولون) عندما يأتي للصلاة.

مئذنة المسجد ابنيت على الطراز السامرائي أيضا ويبلغ ارتفاعها 40 مترا عن سطح الأرض ولها سلالم واسعة، بحيث كانت تتسع ليصعد عبرها المؤذن راكبا حماره ليؤذن للصلاة في وقتها، وكان يعلوها ما يسمى بسفينة عشاري وهو إناء مصنوع من النحاس على شكل سفينة يوضع فيه الحبوب لإطعام الحمائم والطيور.

ترجع أهمية مسجد ابن طولون على خارطة الآثار الإسلامية، إلى أنه الوحيد من بين المساجد الثلاثة الأقدم الذي يحتفظ بعمارته ونقوشه الأصلية حتى الآن، فأعمال الترميم التي جرت له من وقت لآخر للصيانة فقط، وليس للهدم والابناء من جديد، بعكس ما حدث لمسجد عمرو ابن العاص الذي غيّرت التجديدات هيئته الأصلية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مسجد العسكر الذي أزيل تماما.

الدكتور مختار الكسباني، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، لفت الانتباه إلى أن المسجد الطولوني أحيط به سور إضافي للسور الرئيسي يفصل بينهما ممرّ مكشوف من ثلاث جهات، وكان ذلك نمطا جديدا في الابناء يهدف إلى منع وصول ضوضاء الأسواق المحيطة به إلى المصلين والدارسين في حلقات العلم. وأوضح الكسباني أن المسجد لم تستخدم فيه الأعمدة، لكن جدرانه حُملت على أكتاف ودعامات مابنية بالطوب المحروق، وقد تم اختيار هذا النوع من الطوب لحماية المسجد عند حدوث حريق.

وخلال

مختار الكسباني: عرف ابن طولون بحبه للطرب وعشقه للشعر، لكنه كان ورعا تقيا

القرن الثامن عشر للميلاد، تحوّل المسجد إلى مصنع للأحزمة الصوفية، وظل هكذا حتى سنة 1918 حين أمر الملك فؤاد الأوّل بإعداد مشروع لإصلاحه وترميمه، راصدا لذلك 40 ألف جنيه مصري، ثم أعيد ترميمه مجددا عام 2005، كواحد من 38 مسجدا تم ترميمها ضمن مشروع القاهرة التاريخية، بتكلفة ناهزت 12 مليون جنيه مصري.

أحمد ابن طولون، مؤسس الدولة الطولونية، الذي استمر حكمه في مصر لمدة 34 سنة، وإن عُرف عنه حبه للطرب وعشقه للشعر، فإنّه كان ورعا تقيا، فجعل من هذا المسجد منبرا للدين والعلم، وكانت تُدرس فيه علوم الطب والفقه للأئمة الأربعة، بالإضافة إلى تحفيظ القرآن الكريم.

كان المسجد انعكاسا للطفرة التي شهدتها مصر تحت ولايته، كما قال محمد الكحلاوي، الأمين العام لاتحاد الأثريين العرب، والتي بدأت بتوليه إمارة مصر بعد وفاة الوالي بكباك التركي الذي كان زوجا لأم ابن طولون وهو من أتى به إلى مصر.

وقال الكحلاوي لـ”العرب” كانت ولايته في البداية قاصرة على الفسطاط فقط، وللإمارة في ذلك الوقت إثنان من الولاة، فكان أمر الخراج موكولا لابن المدبر، لكن ابن طولون الطموح نجح في السيطرة على السلطتين معا وتعاظم نفوذه مقابل ضعف الخليفة العباسي، فتوسع حتى ضم الشام وبرقة مؤسسا الدولة الطولونية، وتوفي عام 270 هجري.

أضاف الكحلاوي أنّ ابن طولون، المولود في سامراء عام 835 ميلادي، من أصول تركية دخل مصر وأسّس مدينة القطائع ليقيم فيها جنوده بعد أن ضاقت عليهم مدينة عسكر العاصمة القائمة وقتذاك.

ويحسب لابن طولون أنه أوّل من أسّس جيشا وطنيا من المصريين فقط، على عكس ما كان متبعا قبله، حيث كان الجيش يضمّ مرتزقة من كافة الأعراق.

وأشار إلى أنه استغل ضعف الخليفة العباسي والصراع بين ولديه على خلافته لإحكام سيطرته على مصر، فاستطاع أن يضرب الدينار الأحمدي الذي كان مخولا للخليفة فقط، كما استطاع أن ينقل مركز الخلافة من بغداد إلى مصر، لتكون قبلة البلدان الإسلامية، فنال حبّ المصريين لما قدمه من إنجازات كبرى حتى أضحوا يتغنّون به وبإنجازاته.

20