شيخ مدينة تونس بلا مدينة

لماذا يستغرب الناس أن تكون سعاد عبدالرحيم، رئيسا لبلدية تونس، وهو، بمقاييس الحاضر، منصب إداري يخلو من أي وجاهة. سعاد عبدالرحيم، رئيس بلدية تونس، فقط، أما المشيخة فقد ولى عهدها.
الأحد 2018/07/08
قطع مع ثقافة مجتمعية دامت لقرون

 “فرصة لا تعاد يا مادام سعاد”، صدى صوت بعيد تردّد على مسامعي خلال متابعة انتخابات رئيس بلدية تونس، التي انتهت بفوز سعاد عبدالرحيم. مفارقة غريبة، بين هذا الكلام الذي كان يردده باعة يعرضون بضاعتهم على أرصفة شارع شارل ديغول بتونس العاصمة، ولحظة إعلان سعاد عبدالرحيم “شيخا” لمدينة تونس (اللقب الذي يكنى به رئيس بلدية تونس العاصمة).

بين، “مدام سعاد”، و“الشيخ” سعاد، فاصل زمني شهد الكثير من التغييرات التي طرأت على العاصمة. تغييرات يمكن أن نجد بين طياتها أسبابا كثيرة تكشف لماذا أصبحت سعاد عبدالرحيم أول امرأة تفوز بالمنصب، في موقف جدلي له أبعاد اجتماعية هي التي فتحت الباب أمام التوظيف السياسي الراهن من قبل الإسلاميين.

لم تطرح من قبل فكرة أن تتولى امرأة هذا المنصب منذ أن أحدث سنة 1858، رغم أن المرأة التونسية تبوأت أعلى المراتب في الدولة.

قطع انتخاب سعاد عبدالرحيم رئيسا لبلدية تونس العاصمة، جدلا حادا حول تقرير الحريات والمساواة ليحيل تسليط الضوء على جدل آخر، يلخص في الكثير من تفاصيله ومظاهره أزمة سياسية-إدارية ومجتمعية وحتى طبقية.

منذ سنوات طويلة، وضعت ضوابط لتحديد من سيتولى منصب شيخ مدينة تونس، وهو لقب يجمع بين المكانة العلمية الدينية والمكانة الاجتماعية، وحيث يجب أن يكون شيخ المدينة من أسرة ابن عائلة “بلْدية”، وهو تصنيف طبقي يقصد به سكان الحاضرة (العاصمة)، من العائلات العريقة.

لم يكن هذا المنصب يوما مطروحا لتتولاه إمرأة، وفي ذلك انعكاس لثقافة مجتمعية تختلف بين الريف والمدينة. وضع نساء الحاضرة يختلف على وضع نساء الأرياف والمناطق الداخلية، ففي مفارقة اجتماعية المرأة في الريف أكثر مساواة مع الرجل، تعمل وتقرر وتترأس العائلة في حين أن بنت الأعيان، في المدينة، حتى لو كانت متعلمة، تتربى على أن تكون ربة منزل جيدة، منذ نعومة أظافرها لا تعرف لها هدفا غير الزواج وطاعة زوجها وإنجاب الأطفال.

لذلك، أن تفوز سعاد عبدالحريم، التي ولدت في مدينة صفاقس على بعد 270 كيلومترا عن العاصمة تونس، وتسحب البساط من تحت أقدام كمال إيدير، المولود في تونس العاصمة، فذلك يعني انقلابا طبقيا وقطعا مع ثقافة مجتمعية دامت لقرون، وهو في حد ذاته انقلاب له أسباب ومظاهر أعمق من ربطها بحملات انتخابية ناجحة أو تسوية سياسية بين الأحزاب.

في جوانبه العميقة، يمكن اعتبار فوز سعاد عبدالرحيم مظهرا من مظاهر التغيير الكثيرة التي شهدتها وتشهدها تونس العاصمة، على المستوى العمراني والديموغرافي والاقتصادي والاجتماعي.

منذ أكثر من عقد من الزمن، تغيرت كثيرا التركيبة الديموغرافية للعاصمة التي غمرتها موجة من الهجرة الداخلية، جاءت بالتزامن مع تغييرات اقتصادية ارتبطت بانفتاح السوق التونسية على الصين التي غمرت بضائعها كل المجالات. ارتفع عدد سكان العاصمة كثيرا، بكل ما لذلك من تأثير على السكن والنظافة والتعليم وغير ذلك من السلوك المؤثر على التفاعل الاجتماعي.

في سياق هذا التغيير، اختار عدد كبير من العائلات أصيلة المدينة، المغادرة نحو الضواحي والأحياء السكنية الجديدة. باعوا محلاتهم، التي كانت تبيع بضاعة تونسية بجودة وخصوصية تونسية وأسعار تعرف جيب التونسي، وتحولت إلى محلات لبيع البضائع الصينية المقلدة. تركوا منازل فارغة انهار عدد منها بسبب الإهمال. حتى أنك تجد اليوم أنهجا (أزقة) بأكملها بأبواب مغلقة ومنازل مهدمة وبنايات متآكلة فيما تعاني البلاد من أزمة إسكان، وسط غياب تام من الجهات الإدارية المعنية ومتابعة من المسؤولين.

حلت عائلات جديدة مكان تلك التي غادرت، أغلبها قادم من المناطق الداخلية، وكل عائلة جاءت بعادات منطقتها وتقاليدها ولهجتها. وظهرت على أطراف العاصمة عشوائيات تحولت إلى أحياء سكنية تفتقر إلى أدنى المرافق الصحية، لتزيد المسؤولية على بلدية تونس ويزداد معها غياب المسؤولين.

على بعد خطوات من مقر بلدية تونس الفاخر، والذي يقابل مقر رئاسة الحكومة في ساحة القصبة، أنهج وشوارع ضاعت ملامحها بسبب الأوساخ والعشوائية الواضحة في كل جناباتها. فقدت المدينة ملامحها وفقد معها شيخ المدينة هيبته.

لا يختلف الأمر في الشق العصري للعاصمة، فخلف زينة شارع الحبيب بورقيبة، تختبئ أنهج وشوارع يكسوها الإهمال، قاعات سينما أكل الصدأ كراسيها وآلات عرضها، ومحلات بيع الكتب والصور الفوتوغرافية تحولت إلى محلات لبيع الوجبات السريعة. البلماريوم الذي كان ذات تاريخ يمنع دخوله إلا باللباس الرسمي لم يجد من بدّ إلا مجاراة التغيرات بعد أن ظل لسنوات مقفلا ومهجورا، ليتحول إلى مركز تجاري عصري يأتيه الناس من كل صوب.

لم ينج من كل هذا إلا المسرح البلدي، الذي نال نصيبا من الاهتمام وأعيد ترميمه مؤخرا، لكن، أصابه ما أصاب غيره من التغيير في علاقة بأذواق الناس وحالهم. أضحت واجهة المسرح الخارجية ركحا يعرض واقع التونسيين الغاضبين ضد الإرهاب، ضد الحكومة، ضد غلاء المعيشة، ضد انقطاع الماء، وضد البطالة، وغير ذلك من المواضيع التي تثقل كاهلهم ولا تسمح لهم بالاستمتاع بما يعرض داخل المسرح من فنون وترفيه.

تغيرت المدينة وتغيرت تونس كثيرا دون أن يستوعب الكثير من التونسيين ذلك، حتى أنهم إلى اليوم يندهشون عند الحديث عن تصنيف تونس كأول بلد مصدر للجهاديين. وإن كان لأحداث 11 يناير 2011،  من إيجابيات فإنها أزاحت تلك الطبقة التي كانت تتجمّل بها تونس وكشفت عن أمراض اجتماعية تنخر جسدها في صمت.

في خضم هذا كله، لماذا يستغرب الناس أن تكون سعاد عبدالرحيم، رئيسا لبلدية تونس، وهو، بمقاييس الحاضر، منصب إداري يخلو من أي وجاهة. سعاد عبدالرحيم، رئيس بلدية تونس، فقط، أما المشيخة فقد ولى عهدها. لماذا يستغرب الناس، المتباهون بإنجازات تونس في مجال حقوق المرأة، بتتويج امرأة رئيسة لبلدية تونس، ولم ينتبهوا إلى أن كل الجدل الذي صدّع رؤوسهم ليس سوى لعبة سياسية تشبه الألعاب النارية بألوان براقة ورائحة قاتلة، في حين أن شيخ المدينة لم تعد له مدينة يديرها.

4