شيخ مشايخ سيناء: تصنيف المذبحة كـ"هجوم على صوفيين" يخدم داعش

الإرهاب بطقوسه المتنوعة وبأساليبه الغادرة التي أضحت تستهدف المدنيين وبكل المقومات المتاحة التي توظفها الجماعات الإرهابية في خدمة أغراضها الدنيئة يكشف عنها عيسى الخرافين، شيخ مشايخ قبائل سيناء في حوار مع “العرب”، ويقدم حلولا ممكنة لمعاضدة الجهود التي تقوم بها الحكومة المصرية لدرء هذه الآفة.
الجمعة 2017/12/01
الاستعداد للدخول في المواجهة

القاهرة – يعيش شمال سيناء على جمرة من الغضب بعد تصاعد وتيرة العنف ودخول المدنيين ضمن الفئات المستهدفة من جانب التنظيمات الإرهابية، بعد نحو أربع سنوات من تركيز الضربات على عناصر الجيش والشرطة والقضاة، باعتبارهم العمود الفقري الذي يرتكز عليه النظام المصري.

وبالرغم من حالة التشاؤم التي تسيطر على شريحة واسعة من المجتمع المصري بشأن تطهير سيناء من العناصر الإرهابية، فإن عيسى الخرافين، شيخ مشايخ قبائل سيناء، يتمسك بأن تغيّر نهج التنظيمات المسلحة من قتال قوات الأمن إلى استهداف المدنيين يعني قرب انتهاء وجودها.

ويبرهن الخرافين في حوار هاتفي مع “العرب” على صحة كلامه هذا بأن استهداف المدنيين من قبل التنظيمات الإرهابية في سيناء يعكس أنها فشلت في أن تفرض نفسها على المجتمع السيناوي لتكون جزءا أصيلا منه، وبالتالي غابت الحاضنة الشعبية لها فتحولت إلى الانتقام من الجميع.

وأشار إلى أن استهداف المسلحين للمصلين الجمعة (24 نوفمبر) داخل مسجد الروضة بمنطقة بئر العبد جنوب غربي العريش، يعكس حجم الجنون والعشوائية اللذين أصبحت تتعامل بهما هذه التنظيمات، فهي لم يعد يعنيها تحقيق انتصار على قوات الأمن بقدر بحثها عن توجيه ضربة قوية تحدث صدى إعلاميا وتشعر الناس بأنها ما زالت قوية.

واختيار المسلحين الذين ارتكبوا الحادثة في منطقة بئر العبد كانت له دلالات كثيرة عند عيسى الخرافين، إذ يعكس حجم تضييق الخناق عليهم من جانب قوات الأمن في العريش والشيخ زويد (شمال ووسط سيناء)، ما دفعهم للاختباء في منطقة آمنة بالجنوب، فضلا عن فشلهم في توجيه ضربات موجعة جديدة لقوات الأمن التي أصبحت تصد هجماتهم قبل وقوعها، فوجهوا أسلحتهم باتجاه المدنيين والعمال وسائقي الحافلات.

ويعد عيسى الخرافين من عقلاء سيناء البارزين وتربطه علاقة قوية بالحكومة وأجهزة الأمن والرئيس عبدالفتاح السيسي شخصيا، وظهر بجواره في أكثر من مناسبة، باعتباره ممثلا لقبائل سيناء في الفعاليات والأحداث المهمة.

وهو رجل كلمته مسموعة بين العشائر والقبائل هناك، بالرغم من أنه يقيم في محافظة الإسماعيلية التي تبعد عن سيناء نحو 80 كيلومترا بعدما نصحه الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع، بحسب كلامه، بنقل سكنه إلى هناك خوفا على حياته، ويتشاور مع قبائل سيناء هاتفيا أو يجيئون إليه بانتظام.

كلام الخرافين يحمل تلميحات عن أن المنطقة العازلة التي أقامتها حماس على الحدود مع مصر ليست لها أي جدوى أمنية واقعية

ويرفض الخرافين في حواره مع “العرب” ما يسوقه البعض من المراقبين بالربط بين تنفيذ الإرهابيين لحادث مسجد الروضة الأكثر دموية في تاريخ مصر، وبين كون منطقة بئر العبد تحتضن مجموعة من الصوفيين الذين يكنّ لهم التكفيريون بسيناء عداء قديما، وهو ما يبرر دوافع تنظيم داعش لاستهداف المسجد للمرة الأولى منذ بداية ظهوره في مصر.

ويرى شيخ مشايخ سيناء أن هذا الربط يصب في صالح داعش لأنه “يمنح التنظيم مبررا لقتل المزيد من المواطنين داخل المساجد”. وقال “إذا كان هذا الكلام صحيحا، فلماذا قتلوا الأطفال والشباب، ولماذا قتلوا 9 من سائقي الحافلات قبل أسابيع بدم بارد؟”. وأضاف “ترديد هذا الحديث يوفر الحجة والمشروعية لتنظيم داعش لتكرار الحادث، لأن الحقيقة تتلخص في أنهم لا يريدون أحدا سواهم في سيناء، لا مدنيين مسلمين أو مسيحيين ولا جيش أو شرطة، بحيث تكون هي (سيناء) موطنهم الأصلي والوحيد ليعلنوا من خلالها ولايتهم الإسلامية، وهذا على جثثنا”.

ورغم التفاؤل الذي يحمله شيخ قبائل سيناء، فإن تكرر الأحداث الإرهابية على فترات متقاربة هناك، يشكل لغزا للكثيرين في الداخل والخارج، فكيف يعلن الجيش بشكل شبه يومي عن نجاح ضرباته ضد العناصر الإرهابية وقتل عدد كبير منهم واعتقال آخرين وهدم مخازن للأسلحة والمتفجرات، فيما يستمر نشاط الإرهابيين بأماكن مختلفة بل إن ضرباتهم أصبحت أشرس من الضربات التي حصلت في أوقات سابقة؟

سد الثغرات أمام الإرهابيين

هنا يثار التساؤل الذي يشكل لغزا حقيقيا، من أين يأتي الإرهابيون وينشطون رغم كل هذه الخسائر؟

وعن ذلك يقول الشيخ عيسى لـ”العرب” “هناك عناصر إرهابية من كل قبيلة في سيناء ولا يمكن إخفاء ذلك، وهناك إرهاب آخر لا يزال يأتي من قطاع غزة عبر نجاح بعض العناصر في العبور في غفلة أو بمساعدة بعض المتطرفين، فضلا عن العناصر التي تدخل سيناء عبر سواحل البحر المتوسط التي تطل عليها بعض المناطق في شمال سيناء”.

ويفسّر ذلك بقوله “إذا تحدثنا عن نجاح التنظيمات الإرهابية في استقطاب شباب من القبائل للانضمام إليها، فهذا موجود بالفعل لأسباب تتعلق بالفقر والجهل والمقابل المادي الذي يمنح إليهم بشكل يومي، وهذا أحد أسباب استمرار وجود عناصر إرهابية رغم قتل المئات منهم”.

وعن كيفية التعامل مع هؤلاء من جانب القبائل، يقول الخرافين “إن القبائل اجتمعت واتفقت على أن توقع كل أسرة على التزامها بالإبلاغ عن ابنها المنضم إلى التنظيمات الإرهابية فور علمها بذلك مع اعتبار هذا الابن ‘مشمس‘ أي أن دمه مباح لأي أحد، سواء الأمن أو باقي القبائل”.

ويحمل كلام الخرافين عن الإرهاب القادم من قطاع غزة تلميحات غير مباشرة بأن إعلان حركة حماس إنشاء منطقة عازلة على الحدود مع مصر بعمق 20 مترا، وزيادة التواجد الأمني فيها لمنع تسلل العناصر الخطرة إلى سيناء ليس لهما أي جدوى أمنية واقعية، ولم يكن هذا الأمر سوى محاولة لإثبات حسن نوايا الحركة الفلسطينية للجانب المصري.

ويدعم هذه التلميحات ما سبق أن أعلنته السلطات المصرية عن وجود عناصر تكفيرية تحمل الجنسية الفلسطينية ضمن القتلى في أكثر من عملية عسكرية قامت بها قوات الجيش والشرطة لاستهداف تمركز المسلحين في سيناء.

ويوضح الخرافين، وهو برلماني سابق عن سيناء، ذلك بقوله إن وقف الإرهاب القادم من قطاع غزة يتطلب “هدم جميع الأنفاق المتبقية والانتهاء من توسعة المنطقة العازلة (1500 متر) في رفح المصرية وضرب كل العناصر الغريبة التي تتحرك في هذه المنطقة والتعامل معها على أنها خطر على الأمن القومي”.

عيسى الخرافين: طلبنا الجلوس مع قادة الجيش بسيناء وأبلغناهم بالإجماع أننا نريد المشاركة لدحر الإرهاب

إرهاب الأنفاق

أشار الخرافين، في معرض تفسيره للإرهاب القادم من ناحية سواحل سيناء، إلى أن طول هذه السواحل يتخطى 370 كيلومترا ومن الطبيعي أن تحصل هفوات على مستوى مراقبتها لأن أي قوات لا تستطيع تأمينها 100 بالمئة، وهذا يشكل الخطر الأكبر من نوعه لأنها (السواحل) متصلة عبر البحر المتوسط بالأراضي الليبية التي تعج بالتنظيمات الإرهابية.

وبسبب كل هذه المخاطر تتعالى بين الحين والآخر أصوات قبائل سيناء مطالبة الحكومة بالموافقة على أن تكون ممثلة وشريكة لقوات الأمن في مواجهة التنظيمات الإرهابية، بحيث يتم تقاسم المسؤولية، من ذلك ما جرى مؤخرا في الاجتماع الأخير الذي عقدته القبائل في اليوم التالي لحادث استهداف مسجد الروضة.

وصدر عن الاجتماع بيان شديد اللهجة توعدت خلاله القبائل عناصر التنظيمات بالانتقام الشرس منهم، وأنه آن الأوان لتصعيد القتال ضدهم، وما ضاعف من توحد زعماء القبائل شعور من كان يتردد منهم في المشاركة في دحر الإرهاب، بأنهم لم يعودوا بمنأى عن الاستهداف من جانب هذه التنظيمات.

وعن هذه الزاوية تحديدا يقول شيخ القبائل لـ“العرب” “طلبنا الجلوس مع قادة الجيش بسيناء وأبلغناهم بالإجماع على أننا نريد المشاركة الفعلية بكل ما نمتلك لدحر الإرهاب، ولأن هؤلاء القادة العسكريين ليس من سلطاتهم الرفض أو القبول أبلغونا برفع الأمر إلى السلطات المختصة ونأمل في الموافقة على ذلك”.

وأضاف “حادث استهداف المصلين بمسجد الروضة في بئر العبد قلب القبائل والعشائر على الإرهابيين وعاد عليهم بنتائج كارثية، فهناك حالة غضب غير مسبوقة، ويجب على الحكومة استثمار ذلك في حشد عزيمة القبائل لمواجهة هؤلاء القتلة”.

وتتعامل الحكومة المصرية مع مطالبة القبائل بالمشاركة في الحرب على الإرهاب في سيناء بحساسية شديدة، لأن هذه المرة ليست الأولى التي يطلبون فيها ذلك، وبدأت المطالبة قبل أربع سنوات لكن الجيش رفض على اعتبار أن المعركة مع الإرهاب تخصه وحده، إضافة إلى خشيته من سقوط مدنيين في القتال. وتسيطر على سيناء نحو 15 قبيلة تعيش كل واحدة منها على مساحة من الأراضي تمثل لها النفوذ والسلطة بين باقي القبائل التي يبلغ عدد أفرادها جميعا نحو 300 ألف نسمة، وهي قبيلة السواركة، الترابي، البياضية، بلى، الملاعبة، الأخارسة، العقايلة، السماعنة، العيايدة، الدواغرة، الرميلات، الرياشات، المساعيد، العكور، والفواخرية.

وفي كل مرة تطرح فيها مسألة مشاركة القبائل، يحذر خبراء عسكريون من خطورة الإقدام على هذه الخطوة، لأنها في نظرهم تقوض جهود الدولة في القضاء على الإرهاب، إذ قد يتحول الصراع بين بعض القبائل وداعش إلى صراع في ما بين القبائل حال نجاح التنظيم في استقطاب بعض شباب القبائل للانضمام إليه.

ويشير الخبراء إلى أن وجود حركات مدنية مسلحة بخلاف قوات الجيش والشرطة يقضي على نفوذ وهيبة الدولة، ووقتها لن تستطيع قوات الأمن التفرقة بين الإرهابي حامل السلاح، وأبناء القبائل ممن يحملون الأسلحة، ما يجعل من سيناء بؤرة لصراع مسلح طويل الأمد، وقد تصبح المواجهات بين الأمن وأبناء القبائل أنفسهم، وهو ما تريده بعض الجهات الأجنبية.

ويعرف عن الجيش المصري أنه يتعامل مع شيوخ القبائل بنوع من الخصوصية، فمن يتعرض منهم إلى تهديد يتم تأمينه، وهو ما حدث مع الشيخ عيسى الخرافين نفسه، بعدما تعرض لمحاولة اغتيال عام 2013 لتردده على مكتب المخابرات ومديرية الأمن بالعريش، حينها كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وزيرا للدفاع، خلال فترة تولي المستشار عدلي منصور رئاسة البلاد، وقرر السيسي آنذاك علاجه على نفقة الجيش ونقله من سيناء بطائرة عسكرية بعدما اخترقت جسده ثلاث رصاصات.

مشاركة محسوبة

تنظر الحكومة المصرية إلى مطالبة القبائل بالمشاركة في الحرب ضد الإرهاب، على أنها أمر محمود، لكنها تواجَه بتحذيرات من هذه الخطوة، فقد يتحول الصدام مع داعش إلى وقوع صراعات مسلحة لتصفية حسابات القبائل بعيدا عن محاربة الإرهاب، وهو ما يخدم التنظيمات الإرهابية لتنخرط في هذه الصراعات ولن تجد صعوبة في تحقيق أهدافها بإعلان سيناء ولاية لها.

استهداف المدنيين من قبل التنظيمات الإرهابية في سيناء يعكس أنها فشلت في أن تفرض نفسها على المجتمع السيناوي لتكون جزءا أصيلا منه

ويرى مؤيدون لهذا القرار أنه يمكن توظيف غضب أفراد هذه القبائل بالاعتماد عليهم كليّا في جمع المعلومات باعتبارهم أكثر دراية بدروب ودهاليز وتضاريس سيناء وعلى معرفة كاملة بأماكن الإيواء للعناصر المسلحة، لأن المعلومات الدقيقة تمثل 80 بالمئة من عناصر القضاء على الإرهاب في سيناء.

وتواجه قوات الجيش والشرطة بسيناء أزمة من حيث وفرة الأخبار المعلوماتية عن تحركات عناصر التنظيم الإرهابية، إما لخشية البعض من استهدافه بسبب تعاونه مع الأمن، وإما بسبب الاضطرار إلى توفير الحماية له لتجنب تعرضه للقتل، خاصة إذا كان من أبناء إحدى القبائل.

وعن طبيعة مشاركة القبائل وسط هذه المخاوف من جانب البعض، يقول الخرافين لـ“العرب” “نحن نريد أن نكون مركز المعلومات الرئيسي لقوات الجيش والشرطة وإذا وافقوا فسينتهي الإرهاب إلى الأبد في شهور قليلة.. نحن نبلغ عن الإرهابي وهم يقتلونه”.

ويضيف بنبرة غاضبة “اتفقنا على ذلك لأن المسألة أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة إلينا، نحن أكثر دراية من الجيش بالدروب والجبال والزراعات التي يختبئ فيها الإرهابيون الذين استحلوا دماء شيوخنا وشبابنا ونسائنا وأطفالنا”.

لا لتهجير سيناء

عن الدور المحدد لكل قبيلة أوضح لـ“العرب” أن “كل قبيلة سوف تطهر نطاقها الجغرافي الذي تسيطر عليه، وكل واحدة منها تعرف من هم أبناؤها ومن هم الغرباء عنها، وأيّ عنصر من هذه الفئة يتم الإبلاغ عنه على أنه إرهابي، باعتبار أن أبناء كل قبيلة لا يتحركون أو يعيشون خارج نطاقها”.

وسألت “العرب” شيخ القبائل متى ينتهي الإرهاب بسيناء؟ فأجاب “عندما ينتهي الجهل والتخلف ويتم التوسع في المدارس لنشر العلم والثقافة وتنوير العقول وغلق الثغرة التي ينفذ منها الإرهاب.. نحن نريد تنمية حقيقية وتخصيص أراض للأسر والشباب للاستزراع وإعادة إحياء مشروع ترعة السلام لمد سيناء بالمياه لتكون مثل باقي المحافظات فيها كل الخدمات ويتحسن مستوى سكانها معيشيا، ولا يتم التغرير ببعضهم بحفنة من المال ليكونوا ضمن تنظيم إرهابي”.

وشدد على حتمية فرض السيطرة الكاملة من جانب وزارة الأوقاف على المساجد والزوايا الصغيرة، لأن هناك المئات من المساجد بلا خطباء معتدلين، بل هناك خطباء متطرفون، يزودون الشباب بأفكار متشددة دينيا ويحفزونهم على الجهاد والقتال، واستمرار هذا الوضع له عواقب وخيمة لأنه يمثل جزءا من صناعة الإرهاب في شمال سيناء.

وختم شيخ القبائل حواره مع “العرب” بتوضيح وجهة نظره بخصوص دعوات البعض إلى تهجير سيناء لتسهيل القضاء على الإرهاب فيها، قائلا إن “ذلك لا يخدم سوى الإرهابيين لأن تهجير الأهالي ضد مصلحة الجيش، فهم عيون القوات لخبرتهم في معرفة كل شبر بسيناء، وإذا حدث التهجير سوف يستثمر الإرهابيون ذلك الفراغ للانتشار والاختباء بأماكن يصعب على القوات الوصول إليها، ولن تنتهي المعركة وقد تطول لسنوات”.

12