شيرلي ماكلين تقدم نفسها ممثلة وفيلسوفة في فيلم "فريد وإلزا"

الجمعة 2015/04/17
العجوزان يكتشفان روعة الحب

ربما لا يكون الفيلم الأميركي “فريد وإلزا” للمخرج الإنكليزي مايكل ريدفورد -صاحب الفيلم البديع “البوسطينو” أو “ساعي البريد” 1994- فيلما عظيما، في مستوى الفيلم الفرنسي “حب” مثلا، الذي أخرجه النمساوي مايكل هانيكه 2012، فالقاسم المشترك بينهما ينحصر في كونهما يعتمدان على شخصيتين رئيسيتين من كبار السن: رجل وامرأة، وهو ما يعد بمقاييس السينما السائدة، مغامرة إنتاجية ما لم يكفل السيناريو من البداية، أساسا جيدا متينا لإثارة مشاعر الجمهور من خلال المباراة التي ستنشأ بالضرورة بين الممثلين (الاثنين) اللذين سيلعبان الدورين، ولا بدّ أن يكونا من المخضرمين الكبار في مجال التمثيل.

“فريد وإلزا” للمخرج الإنكليزي مايكل ريدفورد هو إعادة إنتاج لفيلم أرجنتيني أسباني ظهر عام 2005 من إخراج ماركوس كارنيفال، أي أنه ليس عملا أصليا، لكنه يستمد أصالته من قدرته على الإقناع، وإثارة المشاعر والفكر، وبما أننا أمام شخصيات حقيقية من لحم ودم، فإنه يمكن أن نصادفها في حياتنا، بل ويمكن أن نراها إلى جوارنا في القطار دون أن نلحظها عادة، لأن الاعتقاد السائد هو أن “العجائز″ غير موجودين، أي أنهم أصبحوا خارج منظومة المشاكل الحياتية اليومية، لأنهم قد “عاشوا بما فيه الكفاية”.

ولذلك يكون من حسنات السينما الأميركية أن تعود إلى تصوير مثل هذه الشخصيات اليوم في سياق كوميدي خفيف، يحمل داخل طياته الكثير من المشاعر الإنسانية التي تدفعنا جميعا إلى التأمل في مسار حياتنا، التي نعرف جميعا أنها ستنتهي حتما بالموت، وأن علينا بالتالي أن نعيشها ونستمتع بها، كما نحب، بل وكما يجب.

الحياة الحلوة

شخصية إلزا، التي تؤديها ببراعة كبيرة الممثلة الكبيرة شيرلي ماكلين، هي شخصية فيها من التلقائية بقدر ما فيها من الغرابة، فهي تعيش وحيدة بعد أن انفصلت عن زوجها، في مسكن مجاور لشقة سيقطنها رجل متقدم في العمر كثيرا، لكنها تحافظ على علاقتها بولديها، أولهما، وهو الأصغر، يبحث عن تحقيق نفسه في مجال الفن التشكيلي دون نجاح يذكر، والثاني، الأكبر، رجل ناجح ومتزوج، يعمل في مجال البنوك وشركات المال.

وإلزا تحاول، أو بالأحرى، تتحايل، لكي تحصل من الثاني لكي تعطي الأول، وهي تصنع عالمها الخاص الذي يمنحها السعادة والتفاؤل من خلال إدمانها اليومي على مشاهدة المشهد الشهير من فيلم “الحياة الحلوة” (لادولشي فيتا) لفيلليني، الذي تدور تفاصيله في ما يعرف بـ”نافورة الحظ” وسط روما التاريخية، وهو المشهد الذي نرى فيه الممثلة أنيتا أكبرغ تسبح في مياه النافورة، وتنادي على مارشيللو ماستروياني أن يلحق بها، فيسبح الاثنان بملابسهما معا، ويتعانقان وكأنهما يولدان من جديد.

أما الجار الجديد الذي انتقل إلى الشقة المجاورة لإلزا، فهو فريد الذي يؤدي دوره الممثل كريستوفر بلامر وهو رجل فظ، عنيد، عازف عن الحياة، يريد أن يترك في حال سبيله، يفضل الرقاد في الفراش، ويكره الخروج خصوصا التنزه في الحدائق، كما يقول ردا على كل من يقترحون عليه الاستمتاع بالطقس البديع في الحديقة المجاورة.

إلزا امرأة تبحث عن تحقيق الحلم، ولو في اللحظات الأخيرة الباقية، قبل الرحيل الأبدي عن العالم

طعم الحياة

ما يحدث بعد ذلك قد يكون متوقعا ومفهوما، فإلزا تتعرف على فريد، وتشده إلى عالمها بل إلى العالم الحقيقي الواسع المليء بالصخب، ولو من خلال اختلاق عشرات القصص الكاذبة عن نفسها، إلى أن تنجح في إخراجه من عزلته ومن اكتئابه وعزوفه عن الحياة، لكي يشعر أخيرا ربما للمرة الأولى، بروعة الحياة ويصبح قادرا على الاستمتاع بها، بل إنه يصل في النهاية إلى حد تدبير رحلة إلى روما صحبة إلزا، لكي يمنحها الفرصة لاستعادة مشهد النافورة الشهير في فيلم “الحياة الحلوة” بشكل عملي معه كما أرادت وكأنها تتحدى الزمن نفسه.

ويصل المشهد إلى ذروته ونحن نراهما يسبحان معا في مياه “نافورة الحظ” في تقاطع مع اللقطات الأصلية من فيلم فيلليني الشهير، في تحية مباشرة للمخرج الإيطالي العظيم الراحل.

بطبيعة الحال يريد الفيلم أن يقول لنا إننا لا يجب أن نتخلى عن رغبتنا في الاستمتاع بالحياة مع تقدمنا في العمر، بل ولا يجب أن نعتبر الوقت قد تأخر على الوقوع في الحب مجددا، واستعادة علاقتنا بالجنس الآخر رغم كل إحباطات الماضي التي يجب أن نتخلص منها، فالتجارب لا تعيد إنتاج نفسها بالضرورة، إلاّ إذا سمحنا نحن لها بالتكرار بسبب كسلنا وتقاعسنا عن البحث عن الجديد الذي يثير الذهن ويشعل الخيال، حتى لو كان معنى هذا صنع بعض الأكاذيب التي لا تضرّ أحدا.

كما قلت من قبل، في فيلم كهذا، يصبح الأداء هو الفيلم، خاصة عندما يكون الحوار مكتوبا بحيث يبدو شديد التلقائية والبساطة، بل ونحن نستقبله كما لو كان صادرا حقا عن الممثلين اللذين يؤديان الدورين بعبقرية تستحق الإشادة.

كريستوفر بلامر (85 سنة) صاحب الأدوار المشهودة في عالم السينما، بدأ التمثيل في 1958، ولعب أدوار الكثير من الشخصيات التاريخية أشهرها دور الكاتب الروسي تولستوي في فيلم “المحطة الأخيرة” (2009)، لكن لعل أشهرها لدى الجمهور العريض وأكثرها بقاء في الذاكرة، هو دور الضابط المتزمت والد البنات السبع في فيلم “صوت الموسيقى” (1965) أمام جولي أندروز.

بلامر يقوم هنا بدور فريد، منتقلا ببراعة من التزمت الجاف إلى التفكير والتشكك في ما يفعله، ثم إلى التسامح مع العالم، بل وزيارة قبر زوجته التي لم يمض على وفاتها سوى بضعة أشهر، ويطلب منها المغفرة على ما شاب علاقتهما من مشاجرات، وبعد هذا المشهد مباشرة، نراه يترك العنان لمشاعره أن تنطلق، ويفتح أبواب قلبه الموصدة للحب؛ فالــوقت لم يفــت بعدُ رغـــم تراكم سنـين العمر.

فريد يتنقل ببراعة من التزمت الجاف إلى التفكير والتشكك في ما يفعله، ثم إلى التسامح مع العالم

أما شيرلي ماكلين (إلزا) فهي المعجزة الحقيقية في الفيلم، ماكلين التي تجاوزت الآن الثمانين من عمرها، تؤدي دور عمرها هنا، دور إلزا المشاغبة التي تبدو حينا كما لو كانت شبه مختلة، أو متآمرة، أو كاذبة محترفة، ثم كامرأة صاحبة فلسفة خاصة في الحياة، لا تعترف بفوات الوقت، ولا بما يتراكم على الجسد من هموم وأمراض عضوية ستؤدي كما يحدث في النهاية إلى الموت، بل تبحث عن تحقيق الحلم ولو في اللحظات الأخيرة الباقية، قبل الرحيل الأبدي عن العالم.

صاحبة الفلسفة

شيرلي ماكلين المتفلسفة، تكاد تعبر أيضا عن شخصيتها الحقيقية في الفيلم، أي شخصية الإنسانة صاحبة الفلسفة الخاصة، فهي صاحبة الكتاب الشهير “ماذا لو..” الذي صدر عام 2013، وأثار ضجة هائلة في الولايات المتحدة، وفيه تعترف بأنها على قناعة بأنها ولدت وعاشت في الماضي السحيق، في “أطلانطا” تلك القارة “المفقودة”.

وتؤمن بوجود الأجسام الغريبة القادمة من الفضاء، بل وتصل في كتابها المثير للجدل، إلى حدّ مسّ “عقيدة الهولوكوست” عندما تتساءل “أليس من الممكن أن يكون ضحايا الهولوكوست من اليهود يدفعون ثمن جرائم ارتكبوها في الماضي، عندما كانوا جنودا رومانيين يقتلون المسيحيين، أو صليبيين يقتلون الملايين باسم المسيحية، أو جنودا في جيش هانيبال، أو غزاة للشرق في جيش الإسكندر؟”.

وبلغت تساؤلاتها الغريبة أيضا حدّ التساؤل عمّا إذا كان عالم الفلك البريطاني ستيفن هوكنغ، قد سبب لنفسه دون أن يدري، الإصابة بمرض الأعصاب الذي تسبب في شلل عضلات جسمه، لكي يجعل عقله متحررا من الجسد، بحيث يضمن تركيزا كاملا عقلانيا في الأمور الكونية؟

ماكلين التي تجاوزت الثمانين من عمرها، مازالت نشطة، تظهر في المناسبات الرسمية، تصرح لأجهزة الإعلام، تمثل في السينما والتلفزيون (ثلاثة أفلام جديدة من بطولتها قيد الإنجاز).

وقد منحت كتابها “ماذا لو..” عنوانا فرعيا يعكس حيرتها، بل وجرأتها هو “حياة كاملة من التساؤلات، التكهنات، التخمينات المعقولة، وبعض ما أعرفه عن يقين”.

16