شيطان "داعش" يعظ و"الجزيرة" لا تتعظ

الأربعاء 2015/02/18

وحشية تنظيم “داعش” أصبحت عنوانا عريضا يمتد على الخارطة الجغرافية من العراق شرقا إلى ليبيا غربا، وفي المحصّلة إرهاب يعوق حق المجتمعات الطبيعي في الأمن وفي السلام الداخلي، ولعلنا نواصل استبشاع جرائم التنظيم من واقع الجريمة التي ارتكبها الفرع الليبي مؤخرا بحق 21 قبطيا مصريا تم إعدامهم ذبحا كالعادة، وبث التسجيل بصورة مشمئزة لا يمكن أن تتوافق مع دين أو عمق إنساني ولو بحد أدنى من الإنسانية.

بغض النظر عن الأبعاد السيكولوجية لوحشية التنظيم والسلوكيات السيكوباتية التي لا يمكن الاقتناع بأنها من وحي مرجعية دينية، لأنها، ببساطة، تجاوزت مسألة البعد الديني من خلال الإمعان في التطرف، فإن القضية أصبحت قضية إجرام لا نهائي يتحالف مع الشيطان الذي لا نراه إلا من خلال تفكير مثل هذا التنظيم.

حينما تستغرق مسألة جنائية ممتعة لشرلوك هولمز يهمهم بأن ذلك مثير للاهتمام للغاية، وهنا تبدو الفكرة الشيطانية في سلوك التنظيم مثيرة للاهتمام، لأن القتل الجماعي والفردي بأبشع الأدوات والأساليب المتطرفة في جرمها، يضعنا أمام انتقال عقلي من الصبغة الدينية السلبية لما هو لا ديني ولا إنساني، وإذا كانت هناك رسائل مما يحدث من إجرام وإرهاب فهي على نسق “الشيطان يعظ” كما في رائعة الروائي العبقري نجيب محفوظ.

تجسيد المبدأ الشيطاني في التنظيم أمر مثير للاهتمام، ذلك لأنه يفسر القبح الإنساني الكامن في سلوك الجماعة ورسائلها الدموية، ثم أن ذلك يبرأ بالدين منهم والذي هو في الأساس دين سلام وتوبة ورحمة وغفران وأمل للإنسان وطمأنينة للنفوس، فهؤلاء لا يمكن أن يكون لديهم التزامات دينية تعصمهم من التدليس على الدين ونصوصه وتكييفها حسب مطلوباتهم الإجرامية التي تقتل وترجم وتحز الرؤوس وتدخل كل نفق جدلي للوصول إلى استخلاص فقهي يبيح ويحلل ويجيز بلا منطق أو معقولية.

القتل الجماعي لا يمكن أن يكون رسالة دين أو إنسانية، وحين نتعامل مع مثل هؤلاء المتطرفين الإرهابيين في سياقهم الشيطاني، فإن ذلك يضعنا أمام صورة أكثر دقة لدراسة الحالة وشذوذها الإنساني وعدمية الضمير فيها، فما يفوق العقل إما أن يكون ما ورائيا بعيدا عن الإدراك البشري أو شيطانيا، ولأن النتيجة الطبيعية لهذه السلوكيات واقعية في الموت والدم فهي لا يمكن أن تكون ما ورائية، وإنما شيطانية بذات الأثر الذي يعني المس والجنون.

ذلك أمر مثير للاهتمام لأنه يقودنا أيضا إلى أولئك الذين ينحازون بخوائهم العقلي والنفسي إلى التنظيم ويقدمونه بصورته الكاملة وكأنه الخلاص الذي يطمحون إليه، ولعل في مقدمة أولئك وسائل الإعلام التي تخفي إعجابها بما يفعل التنظيم وتتغاضى عن المهنية والموضوعية وهي تبث كامل الصورة المأساوية والكارثية لنشاط التنظيم القاتل، وهي بذلك الوسيلة المثالية سواء بجهل منها أو بتعمد خبيث. قناة الجزيرة جافت المهنية والموضوعية في بث تسجيلات التنظيم، ومنها التسجيل الأخير، وتعاملت مع الحدث بصورة لا تخفي التشفّي بالتركيز في تغطيتها على أوجاع أهالي الضحايا وهم في حالة عاطفية سيئة يرمون فيها باللائمة على الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، لتجعل تركيزها على هذا الجانب من القصة، وكأن مشكلتنا في هذا السياق هي رد فعل الأهالي لا الجريمة الإرهابية.

بهذا الواقع تنكشف القناة وتبدو أكثر ترهلا من خلال الاصطياد غير الذكي في المياه العكرة، لأن نقل جزء من الحدث على حساب البقية الأكثر أهمية ليس سلوكا إعلاميا احترافيا، وإنما فجور ينسف القيم المهنية ويتواضع بالعمل الإعلامي، وذلك يتطابق مع بتر النصوص وتجزئتها، وهي مماثلة منطقية بين مرجعية المتطرفين وإعلامية الجزيرة التي تنقل أقل الحقيقة بأكثر كلمات، ولم تتعظ من تجارب وسائل الإعلام التي أزهقت مهنيتها وموضوعيتها، لتبدأ بذلك صعود الهاوية.


كاتبة سعودية

9